القدوة أمر مهم في تربية الأفراد وكل مترب أو مرب ينظر لقدوة له يمشي على أثره ويتبع نهجه، ولقد أرشدنا الحق سبحانه وتعالى للقدوة الحقة والمتبع الذي يجب أن يتخذ قدوة فقال ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا )

- وحال رجل في ألف رجل خير من كلام ألف رجل لرجل . حكمة بالغة

ذلك أن في النفس حب التقليد ... تلك فطرة وغريزة ... قد يستفاد منها تدنياً وتدلياً ، وقد يستفاد منها ترفعاً وتساميا ! والأمثلة أمامنا كثيرة ... في القديم وفي الحديث .

قد يبدأ الانحراف في مجتمع برجل أو امرأة ... ثم يزين للآخرين فيقلدون ، و التزيين كما يكون بالقول يكون بالفعل ، وهو بالفعل أشد وأبلغ ! وقوم لوط حين تركوا النساء إلى الرجال { أتأتون الذكران من العالمين * وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون } .

لم يبدأ انحرافهم دفعة واحدة ولا الجميع سقطوا فيه مرة واحدة ... بل ربما بدأ برجلين ثم ما زالت العدوى تسرى ... حتى صارت وباءً على هذا النحو الوبيل ! .

وحتى بلغت بعد ذلك أن صار المعروف منكراً والمنكر معروفاً وصار الطهر - في منطق المنحرفين - جريمة {أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون } .

وعبادة الأصنام ... وهي حجارة لا تضر ولا تنفع ... كيف بدأت ؟

بدأت حباً في رجل صالح أو رجال الحين ... فحاولوا أن يجعلوا لهم تماثيل على هيئتهم وشبههم ... ثم شيئاً فشيئاً راحوا لها عابدين وخروا لها ساجدين ...

ولم يبدأ الجميع دفعة واحدة ... بدأ بها ولهان ضل الطريق وأخطأ الهدف، ثم تبعه آخرون مقلدون حتى صارت حجة الكافرين  "قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين" ، { إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون } ... وهكذا في كل ضلال  !

- و الخير كذلك ... يبدأ بفرد ... ثم يصير جماعة ....

ثم يصير أمة ... لكن إن بقى وحده على الحق أو الخير  ... فهو كذلك أمة ..  إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفاً ولم يك من المشركين شاكراً لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم ، وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين .

وكل الذين آمنوا بالأنبياء وثبتوا على الحق حتى ماتوا ... بدءوا بفرد ، وانتهوا إلى جماعة  { فمنهم  من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً }

و المثل الأخير ... أمة محمد عليه الصلاة والسلام ، ومن حملوا لواء الدعوة من بعده ... بدأت بمحمد عليه الصلاة و السلام ، وانتهت إلى خير أمة أخرجت للناس !

( ولا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك ...) !

 لكن أعترف :

أن سريان الباطل و الشر أسرع من سريان الحق و الخير ! ولذلك كان أهل الحق والخير قلة ! وكان أهل الباطل و الشر كثرة { وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله }

{ وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون } ذلك أن الصعود أصعب على النفس من الهبوط ، و التدلي أيسر على النفس من التسامي ! لكن الغلبة بإذن الله لهذه القلة ، والظهور بإذن الله للحق على الباطل .

{ كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله }

{ بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون }

ولئن وجدت في الماضي أمم بأسرها ضالة أو كافرة فإن الله سبحانه وتعالى جعل العصمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم للأمة المسلمة ، فلا يمكن أن تضل جميعاً ، بل تبقى دائماً فيها أمة أو ( جماعة ) أو ( طائفة ) قائمة بالحق ظاهرة عليه !

( لا تجتمع أمتي على ضلالة ) ، ( ولا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك ...) !

- وهذه الطائفة قد تبدأ بواحد :

وقد تكون واحداً و الواحد بالحق وحده طائفة أو جماعة أو أمة .

وفي حديث حذيفة بن اليمان إشارة إلى أنه يمكن أن يكون من على الحق واحد ( تلزم جماعة المسلمين وإمامهم ، قال: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام ، قال : فاعتزل تلك الفرق ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك ) .

لكن ليس معنى ذلك الاستسلام ، و البقاء بعيداً عن الناس ... وإنما ينبغي مع ذلك المحاولة ، ولو أدت إلى القليل فنوح عليه السلام مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً ولم ييأس من الإعراض ... حتى آمن به ثلاثة عشر على بعض الروايات فكان هؤلاء القلة أمة ... أنجاها الله وأغرق كل أعدائها { فكذبوه فأنجيناه ومن معه في الفلك وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوماً عمين }

و الرسول صلى الله عليه وسلم يعلمنا كذلك ( المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم ) .

( فوالله لأن يهدى الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم )

( ومن دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً ) .

وصدق الله العظيم { ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين}ومع أن الترتيب الطبيعي هو : قال إنني من المسلمين ثم ( عمل صالحاً ) ثم ( دعا إلى الله ) بعد ذلك ، لكن الله سبحانه وتعالى يقدم الدعوة إلى الله على العمل الصالح ويقدم العمل الصالح على الشهادة  ... بياناً لخطر هذا الأمر ، فيتقدم الخاص على العام ، ويكون التعميم بعد التخصيص تحقيقاً لهذا الهدف .

منقول – بتصرف من كتاب المباديء الخمسة – للمستشار الدكتور علي جريشة رحمه الله