الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم النبيين الذي أرسله ربه ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، فأعزنا بالإسلام وشرفِ الانتساب إليه.

        يهل علينا شهر شعبان ليذكرنا بالاستعداد لاستقبال شهر رمضان المبارك، بما يستوجبه من وحدة في الشعائر والمشاعر، وما يتطلبه من مسارعة في الطاعات ومشاركة في الملمات، وما يحتاجه من محاسبة مع النفس ومراجعة لواقع الأمة والتفاعل معه، في ظل عالم مليءٍ بالاضطرابات والأحداث المتسارعة، تحكمه هيمنة السلاح لا رحمة الإنسان وإنصاف الضمير.

        لقد ابتليت الأمة اليوم بمن يطعنونها من داخلها؛ ليقوضوا وحدتها ويهدموا بنيانها ويفتتوا كيانها، ويعينوا أعداءها في  إنهاكها بالصراعات وإثخانها بالجراح وإضعاف قوتها وتفريق شملها؛ بما استحكم فيهم من الأهواء والمفاسد والاجتراء على دماء أهلهم وشعوبهم والتورط في المخازي؛ من الكذب والنفاق وسرقة المال العام وموالاة الأعداء؛ لتحقيق أمجاد  شخصية زائفة، أو الاحتماء بهم من غضبة الشعوب، وخوفًا من ميزان العدالة والقصاص، وهو ما يذكِّرنا بغزوة بني المصطلق التي وقعت في شهر شعبان من السنة الرابعة من الهجرة المباركة عندما أطلق رأس النفاق عبدالله بن أبي ابن سلول دعايته السوداء قائلًا: لئن عدنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فنزل فيه وفي من لف لفه وسار على نهجه؛ برفع شعارات الوطنية والعنصرية المكذوبة ضد كل مصلح ومسلم وملتزم بحقوق ربه وأمته ووطنه؛ فأنزل –سبحانه-قرآنًا يُتلى إلى قيام الساعة شاهدًا على ما ارتكبه الظالمون المسرفون من جرم، وما اقترفه المنافقون الكاذبون من وقيعة بين المسلمين ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (المنافقون: اﻵية 8).

        إن الأمة اليوم في أشد الحاجة للعودة إلى منهجها القويم وطريقها المستقيم، ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ..﴾ (آل عمران: اﻵية 110) ، وقد أسس الإسلام الحنيف لهذه الأمة دعائم وحدتها، واستقلالها، فكان تحويل القبلة إيذانًا بميلاد أمة جديدة تتجلى فيها معالم الوحدة في التوجه إلى قبلة واحدة، وعبادة رب واحد؛ لتلتقي مع فريضة الصيام حيث تجتمع الأمة على عبادة إيمانية وبدنية، تكون اختبارًا لصلابة النفوس وتطهيرًا للقلوب وارتقاءً بالإيمان وتأكيدًا وتحفيزًا لتماسك هذه الأمة ورفعة مكانتها وتقوية روابط الإخوة بين أبنائها.

        ما أحوج البشرية اليوم لهذا الدين الذي ينفذ إلى القلوب وتستروح به النفوس وتستقيم به الحياة، يقول الإمام حسن البنا: "لقد آمنَّا إيمانًا لا جدال فيه ولا شك معه، واعتقدنا عقيدة أثبت من الرواسي وأعمق من خفايا الضمائر؛ بأنه ليس هناك إلا فكرة واحدة هي التي تنقذ الدنيا المعذبة وترشد الإنسانية الحائرة وتهدي الناس سواء السبيل، وهي لذلك تستحق أن يُضحّى في سبيل إعلانها والتبشير بها وحمل الناس عليها بالأرواح والأموال وكل رخيصٍ وغالٍ، هذه الفكرة هي الإسلام الحنيف الذي لا عوج فيه ولا شر معه ولا ضلال لمن اتبعه".

المشروع الصهيوني وأخطار التقسيم

        إن وهج هذا الدين العظيم في نفوس الأمة لحري أن يدفعها لمواجهة التحديات والتصدي للأخطار المحدقة بها، والتي يأتي في مقدمتها ذلك المشروع الصهيوني الذي لم تقف أطماعه عند حدود فلسطين الحبيبة، وإنما توسعت لتصل إلى كل دول المنطقة ، سعيًا لإضعافها وتفكيكها والهيمنة عليها.

        لقد باتت أخطار هذا المشروع تجتاح الأمة فتعبث بالسودان وتسعى لتفكيكه من خلال وسطاء إقليميين من أبناء جلدتنا، وعلى مقربة من حدود السودان يتم الدعم الكامل لتمكين عصابات مصالح عسكرية وتجار سلاح في شرق ليبيا  ينخرطون مع الانفصاليين داخل السودان وتغذية المتمردين بالسلاح والعتاد؛ بما يشكل خطرًا داهمًا على الأمن القومي المصري، خاصة مع إحكام السيطرة على مثلث جبل العوينات الذي يشكل بُعدًا استراتيجيًّا لمصر  ، وذلك في ظل حالة من الصمت المريب من السلطة التي تسيطر على مصر، وترى في الحكم العسكري في شرق ليبيا امتدادًا لحكمها الانقلابي ومصدرًا للتربُّح والفسادـ على حساب أمن مصر القومي ووحدة البلدان العربية التي يعمل فيها المشروع الصهيوني بشكل علني وصريح.

        وفي اليمن حيث كان تحرك المشروع الصهيوني حثيثًا ومدعومًا من الأيدي الإقليمية نفسها؛ لتفتيته وانتقاص أطرافه والسعي لإعلان تقسيمه بعد أن كان يمنًا موحدًا، سعيًا للبحث عن موطئ قدم في هذه المنطقة الاستراتيجية، ومحاصرة الدول العربية التي ما زال فيها بقية من قوة، والتحكم في مصائر دولها وشعوبها واستعبادها بالكامل.

        وفي الصومال كانت التحركات واضحة جلية، بل معلنة بلا مواربة وبشكل مباشر في هذه المرة ومن غير وسطاء، عندما أعلن الكيان الصهيوني اعترافه بما يسمى دولة الصومال الجديد غير المعترف بها دوليًّا؛ بهدف الانتقاص من وحدة دولة الصومال وسعيًا لاختراق مناطق استراتيجية تمس الأمن القومي العربي عامة وتمس الأمن القومي المصري بشكل خاص.

        إن السياسة التي ينتهجها المشروع الصهيوني في التقسيم والتفتيت وصناعة الفوضى في المنطقة ليست بعيدة عن الاستراتيجية الأمريكية المعلنة منذ منتصف التسعينيات والتي طرحت مشروع الشرق الأوسط الجديد، وصناعة ما أسموه حينها بالفوضى الخلَّاقة التي استهدفت بشكل واضح هدم كيانات دول المنطقة والسعي في خرابها، ومنع كل محاولات الإصلاح والنهضة فيها حتى لا تكون مهددة للمصالح الأمريكية، فقامت بتنفيذ هذه الاستراتيجية في العراق وسوريا واليمن والسودان وليبيا، وحاولت العبث بها في مصر من خلال الانقلاب الدموي العنيف على أول تجربة ديمقراطية في مصر.

        ولولا توفيق الله لجماعة "الإخوان المسلمون" لانضمت مصر إلى مشروع الفوضى، فقد أبت الجماعة الانجرار إلى العنف وأدركت منذ اليوم الأول للانقلاب المشؤوم - الذي كان نتنياهو يسوِّق له في مؤسسات المجتمعات في أمريكا وأوروبا ويعتبره أكبر عمل لصالح الكيان في تاريخه - أن الجرائم التي ارتكبها الانقلاب الأثيم من مصادرة للحريات وجرأة على الدماء والأعراض والأموال والأخلاق وأعراف المجتمع إنما كانت بهدف جر مصر إلى مستنقع التقسيم والتفتيت، فتمسكت الجماعة بمنهجها السلمي رغم ما أصابها ويصيبها حتى اليوم من عنت وتضييق؛ حسبة لله وحفاظًا على وحدة مصر وتماسك بنيانها الاجتماعي، ويقينًا بأن الانقلاب ما هو إلا نفخة أفعى ستذهب أدراج الرياح في ظل حصانة التربية والعمل الإسلامي العميق في المجتمع، الذي تأصَّل وتجذَّر بجهود علماء مصر بكافة اتجاهاتهم خلال مئة عام، وانتشرت آثاره في الأمة بأسرها.

 

شعوب العالم في مرمى سياسات الهيمنة

        إن السياسة الأمريكية في محاولة صناعة الفوضى للهيمنة تختلق الذرائع والمبررات الاستعمارية والعدوانية؛ فتارة مكافحة الإرهاب وتارة مكافحة المخدرات وتارة نشر الديمقراطية، وإذا لم تجد في الواقع ما يدعمها تسترجع من التلمود أو الأساطير اليونانية وتسميه: تاريخ الشعوب القديمة! فسياسة الهيمنة لا تستهدف منطقتنا العربية وحدها، ولكن ها هي قد امتدت إلى كثير من بلدان العالم، وازدادت وتيرتها وتعطشها للسيطرة والجباية مع وصول الإدارة الأمريكية الحالية للحكم برئاسة دونالد ترامب، فكان ما طالعه العالم من الاعتداء على فنزويلا واختطاف رئيسها في جنح الظلام، والحديث السافر عن الحصول على مقدرات وثروات فنزويلا بل وحكمها.

        والسياسة نفسها يتم الآن إنفاذها على إيران، حيث تتجدد التهديدات بوضع خيارات أمام الشعب الإيراني: إما الرضوخ إلى الإرادة الأمريكية في إسقاط النظام، أو الاستعداد لدخول حرب قاسية سيعاني الشعب الإيراني وشعوب المنطقة من حوله ويلاتها.

        وأخيرًا كانت آخر المحاولات في إعلان تصنيف جماعة "الإخوان المسلمون" جماعة إرهابية؛ لتضامنها مع إرادة الشعب الفلسطيني وحقه في تقرير مصيره وسعيه إلى التحرر الوطني والاستقلال.

        إن هذه المحاولات المتكررة لتقويض إرادة شعوب العالم والتعامل معها كقطع من الشطرنج أو كقطيع من الأغنام هي سياسة لم تحقق أهدافها مع الشعوب في القديم ولن تبلغ مبتغاها اليوم، فالشعوب الحرة خارج أمريكا وداخلها صارت أكثر وعيًا ورفضًا لسياسات الهيمنة والاستحواذ؛ التي تدل على الضعف والانحطاط القانوني والأخلاقي وانتهاك القانون الدولي الذي يعدُّونه أحد أسرار قوة أمريكا التي وضعت كثيرًا من مبادئه في الماضي.

        بل إننا نؤكد أن الشعب الأمريكي اليوم بات أكثر وعيًا بخطورة تلك السياسات على حاضره ومستقبله، وهو ما يعبر عنه بشكل دائم ومستمر من حراك في الشارع وصيحات تخرج من وسائل الإعلام تؤكد أن هذا الواقع الذي تحاول الإدارة الأمريكية الحالية فرضه لن ترضاه شعوب العالم، بل ولن يقبله الشعب الأمريكي، وسوف تعاني الدول التي تنجر إليه -ظنًّا أنه في صالحها- من ويلاته.

 

يناير ثورة الضمير الوطني الحر

        وتمر علينا في هذه الأيام ذكرى ثورة يناير المباركة التي كانت شاهد حق على قدرة الشعوب على التحرر من الاستعباد والاستبداد، وأكثر تعبيرًا عن قدرة المصريين على إحداث تغيير سلمي استشرفته شعوب العالم وعلقت به الآمال.

        إن المحاولات المستمرة للقضاء على معالم تلك الثورة التي تكاتفت فيها قوى الشعب المصري على اختلاف مكوناتهم، والسعي الحثيث لصناعة الخوف والفرقة بينهم؛ لن تفلح في طمس معالمها أو التخويف من آثارها.

        إن تلك المحاولات لن تفلح في محو ذاكرة الشعوب مما أحيته الثورة في النفوس من معالم الأمل في مستقبل جديد يشارك فيه الجميع، ومدادها السعي الدؤوب لانتزاع الحرية ورفض الظلم والتصدي للطغيان.

        لقد كانت ثورة يناير بداية طريق طويل نحو التحرر من الطغيان والفساد، وستظل ترسم الوجه الباسم لمصر العظيمة، والتي تجلت فيها كل معاني الإخاء والمواطنة الصحيحة والتضحية النبيلة، وسيظل دم الشهداء الأبرار شاهدًا على إجرام الطغاة والفاسدين ومن عاونهم إلى يوم الدين.

        لقد سَرَتْ روح يناير – رغم كل الجهود التي بذلها الانقلاب – إلى أجيال جديدة لم تعاصرها، ولكنها أدركت الطريق وتعرفت على معالمه، وعلمت أن من واجبها أن تستكمله سعيًا وأملًا لا يتسرب له اليأس والقنوط؛ حتى باتت يناير إرثًا شعبيًّا يرسم طريق الحرية، ويتحدى كل ظالم غشوم، إلى أن يقضي الله أمرًا كان مفعولًا ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ ۖ قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيبًا﴾ (الإسراء: اﻵية 51]،  ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: اﻵية 21).

والله أكبر ولله الحمد،،،


أ. د. محمود حسين
القائم بأعمال فضيلة المرشد العام لجماعة " الإخوان المسلمون "

اﻹثنين 30 رجب 1447 هجرية - الموافق 19 يناير 2026م

 


اضغط هنا لتحميل الرسالة PDF