تمرّ علينا الذكرى الخامسة عشرة لثورة يناير، التي خرج فيها الشعب المصري مطالبًا بحقه المشروع في الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية، في لحظة شديدة الدقة من تاريخ مصر، تتقاطع فيها أزمات داخلية خانقة مع تحولات إقليمية ودولية متسارعة، بينما يرزح المواطن المصري تحت أعباء اقتصادية ومعيشية متفاقمة، وضغوط سياسية وأمنية خانقة فرضتها سلطة ما بعد انقلاب الثالث من يوليو 2013.

وفي هذه الذكرى.. تؤكد جماعة "الإخوان المسلمون" أن يناير لم تكن لحظة سياسية عابرة، ولا شأنًا فئويًّا أو تنظيميًّا، بل كانت تعبيرًا صادقًا عن رغبة شعبية واسعة، وأن الجماعة كانت وستظل جزءًا أصيلًا من الشعب المصري، شاركته ثورته في مواجهة الانقلاب، وتتقاسم معه آلام الحاضر وآمال المستقبل، دون ادِّعاء وصاية أو احتكار للحق، إيمانًا بأن مصر لا تُبنى إلا بإرادة جميع أبنائها.

وتشدِّد الجماعة على موقفها الثابت بأن الاستبداد هو أساس أدواء الأمة، وأن التداول السلمي للسلطة أساس تقدُُّم الشعوب، وسبيل إنهاء الصراعات، وأن الآلية الديمقراطية التداولية هي صورة من صور تطبيق مبدأ الشورى، الذي يُعد أساس الحكم في الإسلام. وقد كانت يناير نموذجًا فذًا لهذا التغيير السلمي، الذي حافظ على وحدة الوطن وسلامة أراضيه، وسعى لنهضته وبنائه على أسس سلمية.

وتؤكد الجماعة أن تحقيق الحريات العامة، التي تتأسَّس على حقوق المواطنة الكاملة، من تعددية فكرية وحزبية وتنظيمية، واعتراف بالآخر، وتسليم بنتائج الاقتراع، هو السبيل إلى انسجام المجتمع، والضامن لسلامته، وخير علاج لاحتقاناته.

وانطلاقًا من مسؤوليتها الوطنية.. تدعو جماعة "الإخوان المسلمون" جميع القوى الوطنية والسياسية والمجتمعية، على اختلاف توجهاتها، إلى تجاوز منطق الإقصاء والاستقطاب، والتكاتف من أجل بلورة رؤية وطنية جامعة، تنقذ مصر من أزمتها، وتعيد الاعتبار لإرادة الشعب، وتفتح أفقًا حقيقيًّا لدولة الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية، التي خرج المصريون من أجلها في يناير.. ليتحقق الأمل وينطلق الوطن إلى ساحات البناء ويسترد كرامته وكرامة أبنائه ﴿وَاللَّـهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: 21).

أ. د. محمود حسين
القائم بأعمال فضيلة المرشد العام لجماعة " الإخوان المسلمون "
السبت، 6 شعبان 1447 هـ، 24 يناير 2026 م