بقلم: د. إسماعيل صديق عثمان
تحت غطاء محاربة الإرهاب والتطرف تم تسويق النظرة للإسلام باعتباره دين متحجِّر وثابت ولا يتجاوب مع التغيُّرات، وأنه دين بربري وبدائي ومتحيز، واتهم بالعنف والعدوانية ومصادمة الحضارات، بل وأنه دين (غيريّ)؛ أي أنه لا يحتوي على قيم يتشاركها مع الثقافات الأخرى، فلا يؤثِّر عليهم ولا يتأثر بهم!، ويسعى أعداء الإسلام ومناصريهم بالداخل لتبرير الممارسات التمييزيّة ضد المسلمين وعلماءهم واستثنائهم وعزلهم من المجتمعات، واستعملوا مصطلحات كثيرة في عداوتهم ضد الإسلام حتى صارت شائعة عند البعض وصار استخدامها أمرًا طبيعيًّا ! وروجوا لمفاهيم فرض العلمانية والليبرالية، وما يسمى بالديانة الإبراهيمية .وبعضهم ذهب بعيداً للترويج للإلحاد، والإنصهار في الثقافة الغربية، بينما رفع آخرون راية دعم الكيان الصهيوني وفرض مشروع التطبيع والتقارب مع أعداء الإسلام، ومحاربة الجماعات الإسلامية النشطة – أياً كانت جماعات جهادية أو دعوية، حركية أم سياسية – وبالتالي محاربة الرموز والقادة المستقلين النشطين في خضم هذه الحرب الشاملة على الإسلام.
وهكذا بدأت معاناة العالم المسلم المعاصر والداعية المعتدل من فتن كثيرة كقطع الليل، وغربة وعزلة مما جعل اليأس والإحباط يدخل على نفوس بعض الدعاة، فترك بعضهم الدعوة إلى (الله عز وجل) -والتي هي حسب الوسع والطاقة- ولعل الأمر لم يقف عند هذا الحد بل أدى ببعضهم -عياذا بالله- إلى الضعف والنقص في الدين من آثار التمكين لأهل الباطل والفساد، وخوفاً من ظاهرة الطعن في العلماء، والحط من مكانتهم، ودعوة الناس للعزوف عنهم، والمطالبة بإسكاتهم، وهو سلاح كان وما يزال بيد أهل النفاق والأهواء وأعداء المسلمين، لدعم الحلفاء في المنطقة الإسلامية.
والمعروف أن غربة المسلم المطلقة في كل الأرض لا تكون إلا قبيل قيام الساعة، فقبلها لن تخلو الأرض من قائمين بالحق ولو كانوا قلة مع كثرة المخالفين، وبالتالي فالأذى الذي يتعرضون له عظيم؛
وغربة المسلم اليوم تتفاوت في شدتها وفي عظم أجر أهلها، وأشد أنواعها غربة أهل العلم والعلماء المجاهدين الصابرين في عالم اليوم. وكأنهم من عناهم وقال عنهم النبي -ﷺ-: (إن من ورائكم أياماً: الصبر للمتمسك فيهن يومئذ بما أنتم عليه أجر خمسين منكم، قالوا: يا نبي الله أوَ منهم؟ قال: بل منكم).
وتتجلى مظاهر هذه الغربة اليوم في غربة أهل الحق ودعاة الإسلام، وتسلط الأعداء عليهم، وإيذاؤهم لهم بأشد أنواع الأذى..
وكذلك في غربة العقيدة، فالمتمسك بعقيدة السلف قليل من الناس؛
وغربة السلوك والأخلاق الفاضلة مع انفتاح الدنيا وكثرة الشهوات، بل وإقبال الدنيا على المبطلين، وتغير نظرة الناس لهم فهم الناجحين المرموقين الذين يعلو لهم الهتاف والتصفيق، وتتزين لهم الحياة وتسهُل، بينما -معظم- أهل العلم مهملون لا يحس به أحد، وليس لهم قيمة -إلا عند القلة- وهكذا يشتد البلاء وتعظم الفتنة، ولا يتوقع معها ثبات إلا لمن عصمه الله وثبته، فأهل العلم الشرعي الصحيح والداعون له قلة، في ظل انتشار الجهل وتلاطم أمواج الشبهات، وتكالب الأعداء وتمكنهم وتسلطهم على أهل الخير بالأذى والابتلاء، لكبح المد الإسلامي وإعاقته مما سُمّيَ بـ (مكافحة الإرهاب) ومحاربة الإخوان والقضاء على التطرف الديني، والهدف والغاية هو الإسلام الذي جنّد له الأعداء جنود حتى من أبناءه الذين ينتمون له -اسماً- لإعادة الاعتبار إلى الفكر الاعتزالي فامتلأت بهم القنوات الفضائية؛ وشبكة الانترنت،
وعادت الفلسفة اليونانية القديمة تزاحم الآفاق وعاد الجدل القديم المتجدد بين الفرق الإسلامية المختلفة في شتى العصور أيضاً، مع الأفكار والاتجاهات المنحرفة -وان اختلفت الأسماء- حتى لا يبقى المسلم محافظاً على دينه قريب من تعاليمه لا يؤثّر أو يدعو إلى دينه - آمراً بمعروف أو ناهياً عن منكر- أو في أحسن الأحوال يختار الاعتزال عن الدنيا والناس في مكان بعيد يعبد فيه ربه، محققاً حديث الصادق -ﷺ-:
(مِنْ خَيْرِ معاش الناس لهم: رجل ممسك عنان فرسه يطير على متنه، كلما سمع هيعة أو فزعة طار على متنه يلتمس الموت والقتل مكانه. أو رجل في رأس شعفة من الشعاب، أو بطن واد من هذه الأودية: يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة، ويعبد ربه حتى يأتيه اليقين، ليس من الناس إلا في خير).
ومع يقيننا أن خصوم الدين لم -ولن- يكونوا على ودٍ معه ولا مع متبعيه؛ فنحن في حاجة ملحة اليوم للعودة إلى القرآن الكريم وامعان النظر فيه لمعالجة ما نحن فيه من ابتلاء، وإلى قراءة للواقع بعيدة عن: (تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين)،
وفي حاجة للوقوف على مفاهيم الدين الإسلامي الذي يدفع للقوة والعزة بعيداً عن الشتات والهوان.
وفي حاجة لتحصيل العلم الشرعي الصحيح؛ والتزود منه للنهوض بأنفسنا وديننا، فلا معنى للعلم إذا لم يكن مقروناً بالعمل؛ أو كان هدفه التوظيف لنيل المكاسب الدنيوية، فعلماء السوء كما قال ابن القيم رحمه الله: (علماء السوء جلسوا على باب الجنة يدعون إليها الناس بأقوالهم، ويدعونهم إلى النار بأفعالهم)،
ونحن في أشد الحاجة كذلك لاستدعاء واستصحاب قصة عبد الله بن حذافة (رضي الله عنه) حين بكى من غير جزع لما قرر الملك الروماني إلقاءه في قدر يغلي بزيت متمنياً أن لو كانت له أكثر من نفس تعذب في سبيل الله، ولكنه مع ذلك وفي ذات الوقت رضي بتقبيل رأس الملك بعد أن اشترط عليه إطلاق سراح أسرى المسلمين، ولقد مدح صنيعه وتصرفه عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)، وكافأه بتقبيل رأسه قائلاً: (حق على كل مسلم أن يقبِّل رأس عبد الله بن حذافة، وأنا أبدأ، فقام فقبل رأسه)،
فالدعوة عند ابن حذافة (رضي الله عنه) لم تقف عند الشهادة والموت في سبيل الله، لكنها تمثلت في إحياء المسلمين، وهكذا نحتاج لاعتماد هذا النهج فـي معـالجـة القضـايـا المعاصرة؛ وغيره اقتفاءً لأثر أصحاب رسول الله ﷺ؛
نحتاج كل ذلك ومثله معه لمجابهة تحدياتنا المعاصرة وواقعنا المؤلم. والنظر إليه وتقديره بميزان الضعف والقوة حتى لا تهلك الأمة،
قال هلال بن خباب: سألت سعيد بن جبير؛ قلت: (يا أبا عبد الله ما علامة هلاك الناس؛ قال: إذا هلك علماؤهم)،
واستهداف العلماء في عصرنا لم يستثن أحداً حتى من يشهد له منهم بالاعتدال؛ من رموز الفكر والدعوة والإصلاح من أعضاء الاتحاد العالميّ لعلماء المسلمين، والذي يُعد أكبر المؤسسات العُلمائية المعاصرة، فقد اعتبره البعض ضمن المؤسسات الراعية للإرهاب مع السعي لتشويه سمعة أفراده زورا وبهتاناً، والحق أن من يقرأ تاريخ الاتحاد وينظر في مسار عمله الفكري والإصلاحي يدرك أنه الأبعد عن الإرهاب، والأقرب إلى دعوة الناس إلى الإسلام المعتدل بعيداً عن التطرف وخطابات الكراهية والعنصرية، وكل مؤتمراته وفعالياته ولقاءاته تشهد على الخطاب الإنساني والحضاري في نشر العلم الصحيح وجمع كلمة المسلمين، بل والخطاب القائم على ما دعا اليه الدين الإسلامي من سلام وإصلاح للإنسانية جمعاء، والساعي لتحقيق معنى خيرية أمة الحق أمة محمد -ﷺ- والتي شهد الله لها بالخيرية: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}، والله غالب على أمره.
* أ.د. إسماعيل صديق عثمان إسماعيل؛ أستاذ العقيدة والأديان، جامعة بحري - السودان. عضو الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين.