"فضل ثابت وفهم منضبط وعمل يقرّب"
بقلم: الشيخ نشوان عادل البدراني
تحتلُّ ليلةُ النصف من شعبان مكانة ظاهرة عند المسلمين، غير أنّ حضورها في الواقع المعاصر كثيرا ما يختلط فيه ما ثبت عمّا لم يثبت، والمشروع من غيره، فيتحوّل الحديث عنها إلى طقوس موسمية أو ممارسات روتينية لا تحدث أثرا حقيقيا في تزكية النفوس ولا في تصحيح المسار بعيدا عن الضبط والتحقيق العلمي، ومن المعلوم أن الكلام في الأزمنة الفاضلة يتطلب دقة عالية من التحرير العلمي المنهجي، وتأتي ليلة النصف من شعبان في مقدّمة هذه الأزمنة التي شاع تعظيمها بين المسلمين، مع تفاوت ظاهر في فهم حدود هذا التعظيم وصوره المشروعة،
ومن هنا تأتي الحاجة إلى تناول هذه الليلة لوضع النصوص في سياقها الصحيح، واعادة توجيه الاهتمام من الجدل حول الجزئيات إلى جعلها منطلقا للعمل القلبي والعملي للإقبال على الله تعالى، فالمقال يقدم معالجة علمية رصينة لهذه الليلة، تقوم على بيان الإطار القرآني العام لتعظيم الأزمنة، ودراسة الأحاديث الواردة في فضلها من حيث الثبوت والدلالة، وعرض فهم السلف الصالح لها، ثم تصحيح أبرز المفاهيم الشائعة حولها، مع إبراز مقاصدها التربوية والإيمانية، بما يجعلها منطلقا عمليا.
أولا: الإطار القرآني العام لتعظيم الأزمنة:
لم يرد في القرآن الكريم نص خاص بتسمية ليلة النصف من شعبان أو تخصيصها بعبادة بعينها، غير أنّ القرآن قرر أصلا كليا مهما وهو أن للزمان منزلةً في ميزان الشرع، وأن الله تعالى يختار من الأزمنة ما يشاء لتعظيم الأجر فيه، قال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ ۚ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [سورة التوبة: 36]، كما ربط قرآننا الكريم بين تعاقب الليل والنهار وتجديد العبودية فقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [سورة الفرقان: 62]، وهو أصل يدل على أن الأزمنة ليست مجرد أوعية للأعمال، بل محطات مراجعة ومحاسبة وتجديد صلة بالله تعالى.
ثانيا: الأحاديث الواردة في فضل ليلة النصف من شعبان:
ورد في فضل هذه الليلة عدد من النصوص النبوية أشهرها حديث سيدنا معاذ بن جبل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ان الله ليطلع في ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن»، رواه ابن ماجه وابن حبان وغيرهما.
وقد اختلف أهل العلم في تصحيح الأحاديث، غير أن جمعا من أهل الحديث قرروا أن مجموع طرقها يقوي بعضها بعضا، فيثبت بذلك أصل الفضيلة من غير إثبات تفاصيل مخصوصة في العمل، وذهب جمهور الفقهاء من المذاهب الأربعة المتبوعة إلى استحباب إحياء ليلة النصف من شعبان، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «وأما ليلة النصف من شعبان فلها فضل، وكان في السلف من يقومها»، وفي المقابل لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثٌ يعتمد عليه في تخصيص هذه الليلة بصلاة معينة أو بعدد ركعات مخصوص أو بدعاء محدد، وكل ما ورد في ذلك إما ضعيف جدا أو موضوع، وهو ما قرّره المحقّقون من أهل العلم قديما وحديثا.
ثالثا: فهم السلف الصالح لهذه الليلة:
تميّز تعامل السلف الصالح مع ليلة النصف من شعبان بالتوازن بين تعظيم ما ثبت فضله، والوقوف عند حدود الدليل دون زيادة، فقد نقل عن جماعة من التابعين تعظيم هذه الليلة والاجتهاد فيها بالعبادة الفردية، دون نقل ثابت عنهم بإحداث شعائر جماعية أو التزام صيغ مخصوصة، يقول الإمام الأوزاعي رحمه الله: «بلغني أن الدعاء يُستجاب في خمس ليالٍ: ليلة الجمعة، وأول ليلة من رجب، وليلة النصف من شعبان، وليلة الفطر، وليلة النحر»، وهذا الأثر – وإن لم يكن نصا مرفوعا – يعكس فهما تربويا لدى السلف يربط فضل الليلة بالإقبال على الدعاء والعمل الصالح، لا بالمظاهر أو الاحتفالات.
رابعا: تصحيح المفاهيم الشائعة في ضوء الدليل:
من أبرز المفاهيم التي تحتاج إلى تصحيح في شأن ليلة النصف من شعبان ما يأتي:
1- القول بأن الآجال والأرزاق تقدر فيها، وهو قول لا دليل عليه، بل نص القرآن على أن تفريق الأقدار إنما يكون في ليلة القدر، قال تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: 4].
2- تخصيص عباداتٍ لم تثبت كصلاة معينة أو أدعية متداولة بين الناس، وهو مما لا أصل له في السنة الصحيحة.
3- تحويل الليلة إلى طقس اجتماعي أو احتفالي بما يفرغها من معناها التعبدي، ويصرف الاهتمام عن جوهرها الإيماني.
خامسا: الدلالات التربوية والإيمانية لليلة:
إذا تجاوزنا الخلافات الجزئية برز المعنى الأعمق لهذه الليلة، وهو كونها محطة سنوية لمراجعة القلوب قبل دخول موسم رمضان، فالحديث النبوي علق المغفرة على السلامة من الشرك والشحناء، وهو تعليق ذو دلالة عميقة على أن آفات القلوب قد تكون حائلا بين العبد وبين مغفرة الله تعالى، قال الامام ابن رجب رحمه الله: «وفي هذا دليل على أن الشحناء تمنع مغفرة الذنوب في هذه الليلة» وهذا توجيه يفتح بابا واسعا لإصلاح ذات البين، وتطهير الصدور.
سادسا: ضوابط إحياء الليلة عمليا:
يكون إحياء هذه الليلة على وفق الضوابط الشرعية الآتية:
1- التوبة الصادقة، ومحاسبة النفس على ما مضى.
2- إصلاح القلب من الشحناء والقطيعة، وبذل الجهد في العفو والصفح.
3- قيام الليل قياما مطلقا دون تقييد بعدد أو هيئة.
4- الإكثار من الدعاء والاستغفار مما ثبت مشروعيته في سائر الأوقات.
5- جعل الليلة منطلقا عمليا للاستعداد لشهر رمضان.
خاتمة:
تبين من خلال هذا العرض أن ليلة النصف من شعبان لها أصل ثابت في الفضيلة، غير أن هذه الفضيلة لا تستلزم إحداث عبادات مخصوصة أو الخروج عن المنهج الموروث عن سلفنا الصالح، كما يظهر بجلاء أن المقصد الأسمى منها هو المقصد القلبي والتربوي القائم على التصفية، وإصلاح ذات البين، والاستعداد الروحي لموسم الطاعات، وبذلك تكون ليلة النصف من شعبان فرصة سنوية لمراجعة المسار، ومحطة للترقي الإيماني، لا موسما للطقوس ومجالا للخلاف المفضي إلى الفرقة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* الشيخ نشوان عادل البدراني؛ عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين. ومدير ادارة المجمع الفقهي العراقي/ نينوى.