يشهد المجتمع الفلسطيني داخل الأراضي المحتلة عام 1948 موجة غير مسبوقة من العنف والجريمة المنظمة، حيث تتسارع وتيرة جرائم القتل، بينما يزداد شعور الأهالي بالقلق وانعدام الأمان في بلداتهم.

عشرات الضحايا سقطوا خلال الأشهر الماضية، فيما أصبحت مشاهد إطلاق النار والابتزاز شبه يومية، ما أفقد الناس أبسط مقومات الحياة والأمان، وسط اتهامات متصاعدة لحكومة الاحتلال وأجهزتها الأمنية بالتقاعس المتعمد والتواطؤ مع عصابات الجريمة.

 

سياسة صهيونية ممتدة

 

عضو لجنة المتابعة العليا محمود مواسي أوضح أن انتشار العنف ليس ظاهرة عشوائية، بل جزء من سياسة إسرائيلية ممتدة تهدف إلى تفكيك المجتمع الفلسطيني داخل الداخل المحتل، خاصة بعد زيادة المشاركة الفلسطينية في الفعاليات الوطنية المناهضة للاحتلال.

وقال: "التحول الجماهيري أربك الاحتلال، فاعتمد أدوات بديلة للسيطرة، من بينها تغذية عصابات الإجرام بالسلاح، حيث مصدر نحو 80% من الأسلحة المستخدمة في الجرائم هو جيش الاحتلال نفسه".

هذا الواقع أدى إلى ظهور عصابات منظمة تهيمن على الأحياء والمدن، وتفرض الإتاوات على أصحاب المحال التجارية، وتسيطر على السوق السوداء، مهددة كل من يقاوم بالقتل أو السرقة.

و تنتشر هذه العصابات في الجليل والمثلث والمدن الساحلية، وتضم مئات العناصر المسلحين الذين يسيطرون على تجارة السلاح والمخدرات والقروض الربوية، ويحولون الأحياء إلى ساحات خوف، وفق تقارير متطابقة.

الأرقام الرسمية تعكس حجم الكارثة: ففي عام 2025 قتل 252 فلسطينيًا في حوادث مرتبطة بالجريمة، فيما سجلت بداية عام 2026 نحو 25 قتيلًا.

وتشير الإحصاءات إلى أن أكثر من 90% من القتلة يفرون من العقاب، مقارنة بنسبة 45% في الوسط اليهودي، ما يزيد شعور الفلسطينيين بالهشاشة والأمان المحدود.

تحول خطير

الكاتب والباحث ساهر غزاوي يربط تصاعد العنف بسياسات الاحتلال منذ عام 2000 بعد هبّة الأقصى، مشيرًا إلى تجاوز عدد ضحايا الجريمة 2000 قتيل منذ ذلك العام، مقابل 85 حالة فقط بين 1980 و2000، وهو تحول خطير يعكس تآكل البنى الاجتماعية والاقتصادية والنفسية للأسر الفلسطينية.

 

ويؤكد غزاوي أن سياسة التفكيك تشمل السماح بانتشار السلاح، تقاعس الشرطة عن إنفاذ القانون، وتعميق حالة الإحباط الاجتماعي، ما حول الجريمة إلى ظاهرة بنيوية متجذرة، خصوصًا في ظل حكومة الاحتلال الحالية وتولي إيتمار بن غفير حقيبة الأمن الداخلي.

ويحذر غزاوي من تآكل المناعة الاجتماعية داخل المجتمع الفلسطيني في الداخل، في ظل تحولات اقتصادية قائمة على الاستهلاك والثراء السريع، ما دفع بعض الأفراد إلى الانخراط في السوق السوداء، الاستدانة من عصابات الإجرام، والدخول في دوامة العنف المستمرة.

 

ويعتبر أن غض الطرف عن الجريمة المنظمة ليس عجزًا، بل قرار سياسي لإشغال المجتمع الفلسطيني بالفوضى وضبطه، بدل توفير الأمن والحقوق الأساسية.

حراك شعبي

 

في مواجهة هذا الواقع، تصاعد الحراك الشعبي الفلسطيني، بدءًا من مبادرات محلية في سخنين، قبل أن يمتد إلى تل أبيب، من خلال مظاهرات واحتجاجات حاشدة تحت شعار "الرايات السوداء"، شارك فيها آلاف الفلسطينيين، حامِلين رسالة سياسية واضحة: تحميل الاحتلال ومؤسساته الأمنية المسئولية الكاملة عن تصاعد العنف وسفك الدماء، والمطالبة باستعادة الأمن والأمان، خصوصًا مع اقتراب شهر رمضان.

التحركات الشعبية لم تقتصر على التظاهر فحسب، بل شملت تنظيم اعتصامات ومسيرات متواصلة، مع دعوات للعصيان المدني وتصعيد الحراك المنظم، إلى جانب جهود توعوية ودينية واجتماعية لإعادة بناء منظومة القيم والمسؤولية الجماعية، وتعزيز صمود المجتمع أمام هذه الظاهرة.

 

ويشير مراقبون إلى أن هذا الحراك الجماهيري أربك الاحتلال، وأجبره على التعامل مع قضية الجريمة بوصفها ملفًا سياسيًا وليس مجرد مشكلة اجتماعية.

 

في السياق نفسه، سلطت التحركات الضوء على ظاهرة الإتاوات وابتزاز الأرزاق، حيث تضطر المحال التجارية لدفع مبالغ شهرية للعصابات مقابل "الحماية"، وإلا تتعرض لإطلاق نار أو التخريب.

 

وأصبحت هذه الظاهرة في الناصرة، سخنين، والمدن الشمالية الأخرى، جزءًا من نمط حياة يومي، يفرضه انتشار الجريمة المنظمة وسط غياب الردع أو المحاسبة.

 

ويؤكد قادة المجتمع الفلسطيني أن سلطات الاحتلال، بما فيها الشرطة والشاباك، تتعمد غض الطرف عن هذه العصابات، فيما يحصل بعض عناصر الشرطة على رشاوى من المجرمين، بينما يظل المجتمع العربي في الداخل معرضًا للابتزاز والقتل دون حماية حقيقية.

 

وتوضح الوقائع أن معظم الأسلحة غير المرخصة المستخدمة في جرائم الداخل الفلسطيني مصدرها المستودعات الرسمية لجيش وشرطة الاحتلال، ما يضاعف شعور الأهالي بالخذلان.

 

في النهاية، يواجه المجتمع الفلسطيني في الداخل مأزقًا مزدوجًا: جرائم منظمة تهدد الأرواح والممتلكات، وسياسات احتلالية تغذي هذه الجريمة لأغراض السيطرة السياسية والاجتماعية.