بقلم: د. محمد دمان ذبيح
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه، وسلم تسليما كثيرا دائما إلى يوم الدين ثم أما بعد
لا شك أن لخطبة الجمعة أهمية كبيرة، ومكانة سامية في الإسلام، فهي بمثابة الروح لجسد المجتمع بكل أطيافه وتركيباته، فهي تعمل على تقوية الإيمان، وحماية العقيدة، هذا إلى جانب التعليم، وتقويم الأخلاق، وتهذيب السلوك، وبالتالي صناعة الفرد الصالح النافع لمجتمعه على مستوى جميع الأصعدة.
وانطلاقا مما سبق فإن الذي نال هذا الشرف بكونه مرشدا، وخطيبا في الناس، عليه أن يكون قدوة حسنة بكل ما تحمل الكلمة من معنى، أو بتعبير آخر يجب أن يكون في مستوى هذا المنبر الذي ينتظره الناس من الجمعة إلى الجمعة، قال الله تعالى: ﴿وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ [النساء: 63]، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا"[1]
وعلى هذا الأساس سأحاول بإذن الله تعالى في هذه المقال المتواضع أن أقدم أهم النصائح، والتوجيهات التي تصل بالخطيب إلى هذا المستوى السامق، وذلك بأسلوب بسيط، ومختصر، سائلا المولى عز وجل أن يجعل هذا المقال في ميزان حسنات صاحبها، وأن ينفع بها خلقا كثيرا آمين.
النصيحة الأولى
كن صادقا مع ربك عز وجل، ثم مع نفسك بأنك لا تريد إلا وجه الله تعالى من وراء خطبتك.
النصيحة الثانية
ضع دائما نصب عينيك أن الخطابة رسالة، ومسؤولية داخل المسجد وخارجه، مع المصلين ومع غيرهم، وليست أبدا وظيفة كباقي الوظائف الأخرى من أجل التكسب، أو الاقتيات.
النصيحة الثالثة
تحل بالأخلاق الحميدة، وبالصبر على مشاق الدعوة إلى الله تتعالى، وكن قدوة حسنة لغيرك، واحذر أن يخالف قولك فعلك، فأنت تخطب في الناس، وتدعوهم إلى الطريق الصحيح بفعلك قبل قولك، وهذا من أعظم أسباب نجاح الخطيب في دعوته، ومحبة الناس له، وقبولهم لقوله.
النصيحة الرابعة
احرص كل الحرص على أن تشارك المجتمع أفراحه وأحزانه، وتسأل عن الغائب، وتزور المريض، وتساعد المحتاج إلخ..، لأن هذه الصلة القوية بالمجتمع، لها الدور البارز في التأثير على المصلين، وفي تحقيق أهداف الخطبة على أحسن وجه.
النصيحة الخامسة
تذكر دوما أن التحضير الجيد للخطبة من الإيمان، ومن الأخلاق الحميدة التي تعني احترامك لنفسك، ولجموع المصلين، ولا يليق أبدا بالخطيب أن يعد خطبته في صبح الجمعة، أو قبلها بسويعات إلا للضرورة القصوى.
النصيحة السادسة
قبل الخطبة صل ركعتين، وتوكل على ربك سبحانه وتعالى، واستعن به عز وجل فهو الموفق، والهادي إلى سواء السبيل، وأكثر من الدعاء قبل الخطبة، وبعدها ليجعل الله تعالى فيها خيرا كثيرا.
النصيحة السابعة
لا تبالغ في المقدمة، أو الخاتمة، أو في العناصر المعروفة لدى جل المصلين، لأن هذا سيكون على حساب الفكرة المهمة في الموضوع، أو الهدف المنشود من وراء هذه الخطبة.
النصيحة الثامنة
من الأفضل أن تبدأ خطبتك بما يجلب انتباه المصلين، من واقعة الأسبوع، أو خبر مهم، أو حدث بارز إلخ.
النصيحة التاسعة
يجب أن تقوم بترتيب عناصر الخطبة ترتيبا جيدا، مع القدرة على الانتقال من عنصر إلى آخر ببراعة، وذكاء خطابي.
النصيحة العاشرة
ركز دائما على المواضيع التي توحد صفوف المسلمين، وتزيل أسباب الشقاق بينهم، ولا تتطرق أبدا إلى المواضيع التي تؤدي إلى تشتت المجتمع، وإلى إشعال نار الفتنة بين الناس.
النصيحة الحادية عشرة
تذكر دوما أن الخطيب الناجح لا تؤثر فيه الأحداث، بل هو الذي يؤثر فيها، ويجعل منها فرصة لصناعة الأمل، والتفاؤل، والإيجابية في المجتمع.
النصيحة الثانية عشرة
لا تنس أن الإبداع، والخروج عن المألوف من المواضيع أمر ضروري في كل خطبة، أو موضوع تعالجه مع المصلين.
النصيحة الثالثة عشرة
لا تُشر بإصبعك إلى المصلين خاصة إذا كان الحديث مثلا حول قضايا الفساد، أو الأخلاق السيئة، وغيرها من المواضيع ذات الصلة بهذا المجال، والتي يرفضها المجتمع جملة وتفصيلا.
النصيحة الرابعة عشرة
تحدث دائما بلغة " نحن "، مع اجتناب لغة " أنا " و " أنتم "، لأن هذا الأسلوب سيشعر المخاطبين بأنك منهم، وبأن الجميع بقلب واحد، وبجسد واحد، فلا وجود أبدا لصور التكبر، أو تزكية النفس، ومدحها بشكل أو بآخر.
النصيحة الخامسة عشرة
يجب أن تراعي حركات الجسم، وحركة الرأس، وحركة اليدين لكي تكون منسجمة مع كل كلمة تقولها، فلغة الإشارة لها دور كبير في جذب الانتباه، مع اجتناب طبعا كثرة الحركات غير المناسبة.
النصيحة السادسة عشرة
يجب على الخطيب أن يوزع نظراته على المستمعين بالعدل، فلا يليق أبدا أن تقتصر نظراته على الذين يقابلونه فقط، بل على الجميع دون استثناء من يمنة ويسرة أيضا.
النصيحة السابعة عشرة
احرص على نبرات الصوت لكي تكون مؤثرة، وذلك بمعرفة متى ترفع صوتك، ومتى تخفضه، أو بتعبير آخر خطبتك يجب ألا تكون على وتيرة واحدة، أو بمستوى واحد من حيث الإلقاء الصوتي، مع الابتعاد كل البعد عن الصوت المرتفع بشكل مبالغ فيه.
النصيحة الثامنة عشرة
احرص على جمالية الهندام واللباس؛ فهذا أمر مهم لإنجاح خطبتك، لأنه يضفي عليك مهابة واحتراما، ولأن اللباس غير اللائق يستفز الأنظار، ويربط المستمعين به لا بخطبتك.
النصيحة التاسعة عشرة
لغتك كما تعلم هي وسيلتك المثلى للوصول إلى قلوب، وعقول المستمعين، لذا يجب أن تكون سليمة خالية من الأخطاء اللغوية، ويفهمها المخاطبون بسهولة، أي دون استعمال الألفاظ الغريبة، أو الألفاظ التي لا يفهمها إلا القليل من المخاطبين.
النصيحة العشرون
يجب أن تكون على علم تام بأحوال أمتك، وبواقع العالم برمته، وهذا حتى يكون الموضوع المختار من الواقع المعيش، أي من المواضيع التي تعبر عن اهتمامات المأمومين، وتطلعاتهم المختلفة، واحذر كما يقال إن تغرد خارج السرب.
النصيحة الحادية والعشرون
التنويع في الخطب مهم جدا، ولكن إذا وجدت حاجة، أو ضرورة إلى إعادة بعض المواضيع فلا إشكال في ذلك، فقط يجب عليك أن تعالج الخطبة بأسلوب جديد، وبطريقة تختلف عن سابقتها، حتى يتصور المخاطب وكأنه أول مرة يسمعها.
النصيحة الثانية والعشرون
حدد لخطبتك أهدافا، سواء على المستوى القريب، أو على المستوى البعيد، وهذه الأهداف يجب أن يكون تحقيقها سهلا على أرض الواقع، فإذا أردت أن تطاع فاطلب المستطاع.
النصيحة الثالثة والعشرون
لا تجعل من المنبر أداة لنشر أفكارك، وقناعاتك الخاصة، فأنت تخاطب المصلين بمختلف توجهاتهم، وتصوراتهم الذاتية، كما لا تتخذ من المنبر أيضا وسيلة للدفاع عن نفسك، أو لطرح مشاكلك مهما كان نوعها.
النصيحة الرابعة والعشرون
إياك وتجريح الأشخاص، والهيئات، أو تشويه سمعتهم، لأن هذا العمل نتائجه ستنعكس سلبا على الخطبة بشكل خاص، وعلى الدعوة بشكل عام.
النصيحة الخامسة والعشرون
اعلم أن الخطيب الذي لا يتفاعل، ولا يتحمس لما يقول يستحيل أن يصل إلى قلوب الحاضرين، أو عقولهم، أو أن يحقق أهدافه من وراء خطبته، حتى وإن أحسن اللغة استعمالا، والموضوع اختيارا.
النصيحة السادسة والعشرون
لا تنس أن مواضيع الجمعة لها خصوصيتها التي تتميز بها عن غيرها من المواضيع الأكاديمية، لذلك يجب على الخطيب أن يتحدث بطريقة مسجدية تتماشى مع المستوى التعليمي، والثقافي لكل المخاطبين دون استثناء.
النصيحة السابعة والعشرون
احرص على أسلوب التشويق أثناء خطبتك، ولعل من أهم وسائل هذا الأسلوب: تكرار جملة، أو عبارة معينة، سكتة خفيفة، القسم، الأسئلة، وأدوات التنبيه وغيرها..
النصيحة الثامنة والعشرون
حاول أن تستعمل الأسلوب القصصي في خطبتك، شريطة أن تكون القصة قصيرة وهادفة، لأن هذا الأسلوب له دوره في جذب الانتباه، وفي تقريب المعاني إلى أذهان المستمعين.
النصيحة التاسعة والعشرون
حاول أن تكون خطبتك ليست بالطويلة المملة، ولا بالقصيرة المخلة، لأن الوسطية، والاعتدال في الخطب من أهم العوامل التي تجذب انتباه المخاطبين.
النصيحة الثلاثون
احرص على الاستدلال بالنصوص القرآنية والنبوية بشكل مقبول غير مبالغ فيه، فقط عند الاستشهاد بالأحاديث يجب التأكد من ثبوتها، لأنه لا يليق بالخطيب أن يستدل، أو يستشهد بأحاديث ضعيفة لا تصح.
النصيحة الحادية والثلاثون
حاول دائما أن تغرس الأمل، والتفاؤل في نفوس المصلين مهما ساء واقع المجتمع، أو ضاق، وإياك واليأس، أو النظرات السلبية، والسوداوية.
النصيحة الثانية والثلاثون
حاول أن تجمع بين التبشير والإنذار، أو بين الترغيب والترهيب، وهذا حسب الحال والمقام، فإن كان من تدعوهم من أهل اليأس والقنوط، فركز على التبشير، وإن كان من تدعوهم من أهل الذنوب والمعاصي، فركز على الإنذار وهكذا.
النصيحة الثالثة والثلاثون
لابد أن تتميز بثقافة واسعة، ولا تقتصر فقط على حفظ القرآن الكريم، أو السنة النبوية الشريفة، أو الاهتمام بالعلوم الشرعية دون غيرها، بل يجب أن تكون على دراية بالعلوم الأخرى كعلم الاقتصاد، وعلم الاجتماع، وعلم النفس، والقانون، والإعلام الآلي وغيرها، هذا إلى جانب تعلم اللغات الأخرى خاصة الإنجليزية لأنها تساعدك كثيرا على الإلمام بواقع العالم كله، وبما يقال عن الدين الإسلامي من القريب والبعيد معا.
النصيحة الرابعة والثلاثون
عالج موضوعا واحدا في خطبتك، لأن تعدد المواضيع في خطبة واحدة معناه تشتت ذهن المخاطب، وغياب الفهم، بل غياب حتى الهدف، والغاية من هذه الخطبة.
النصيحة الخامسة والثلاثون
لا مانع من الاستفادة من أسلوب خطباء آخرين، ولكن اصنع بصمتك، واحذر التقليد الذي يقتل شخصيتك، ويقضي على فاعلية الخطبة، ومقومات نجاحها.
النصيحة السادسة والثلاثون
قد يحدث أحيانا للخطيب أن يجد نفسه مفتقدا لمهارة ما، وهذا ليس عيبا مادام الخطيب إنسانا يعتريه النقص والنسيان، وعليه في هذه الحالة أن يتعلم هذه المهارة من المختصين في هذا المجال، أو الاستفادة، والاستعانة بتجارب غيره، أو الالتحاق بالدورات التدريبية لتنمية مختلف المهارات الخطابية.
النصيحة السابعة والثلاثون
عود نفسك على الارتجال، لأن هذا الأخير له دور كبير في تحريك الخطيب والمخاطب معا، ولأن خطبة الورقة ميتة ومميتة في الوقت نفسه، وليس من ورائها إلا النوم، والسآمة والملل.
النصيحة الثامنة والثلاثون
حاول بين الحين والآخر أن تكون مستمعا لغيرك، سواء في المسجد، أو عبر وسائل الإعلام المختلفة، لأن هذا سيعينك وبشكل كبير على تنمية مهارتك الخطابية.
النصيحة التاسعة والثلاثون
لا تنتظر ردة فعل ايجابية فورية، أو عبارات الشكر، والامتنان من المصلين، فتأثيرك عليهم سيرافقهم مدى حياتهم، وأنت تخطب كما ذكرنا سابقا لوجه الله تعالى، ولا تريد أحدا أبدا من وراء خطبتك الهادفة، ودعوتك السامية.
النصيحة الأربعون
لا تنس أبدا أن الخطيب الناجح هو الذي يقال له بلسان الحال والمقال معا من طرف المخاطبين: "ياليته أكمل حديثه"، ولا يقال أبدا: "ياليته سكت".
وختاما أقول: أخي الخطيب تذكر دوما:
- أن الخطبة التي لا تنفع تضر.
- وأن كثرة المصلين حولك ، والمدح الزائد لا معنى لهما إذا كانت علاقتك بربك سبحانه وتعالى ضعيفة، أو واهية.
- كما أن هذه النصائح، والتوجيهات إن لم تجسدها على أرض الواقع، فإنها لا تنفعك، وستبقى حبرا على ورق، لذلك أتمنى أن تعمل بها، بل وتبلغها غيرك، وهذا طبعا لكي نصل بمجتمعنا إلى بر الأمان، أو إلى مصاف المجتمعات المتقدمة، والمتحضرة.
وأخيرا أسأل الله تعالى أن يحفظ كل الخطباء، وأن يرزقهم الصحة والعافية، وأن يعينهم على أداء هذه الرسالة بصدق وأمانة، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. آمين