يشهد قطاع غزة مرحلة شديدة الحساسية، تتداخل فيها الاعتبارات السياسية والأمنية والإنسانية، في ظل اتفاق لوقف إطلاق النار لم يخرج بعد من دائرة الهشاشة.

 

فعلى الرغم من توقف العمليات العسكرية الواسعة، إلا أن سلوك الاحتلال الصهيوني واستمراره في القصف اليومي جرائم القتل يدلل على أنه لا يعطي أي قيمة للاتفاق.

 

وبين تمسّك المقاومة الفلسطينية، ومعها الشعب الفلسطيني، بإنجاح الاتفاق والانتقال به إلى مراحله اللاحقة، ومساعي الاحتلال لتعطيله أو الالتفاف عليه، تتبلور عدة سيناريوهات تفرض نفسها على المشهد الراهن.

 

ثلاثة سيناريوهات

 

في هذا الإطار، قدّم مدير المؤسسة الفلسطينية للإعلام، الكاتب والمحلل السياسي إبراهيم المدهون، قراءة تحليلية للمركز الفلسطيني للإعلام تستند إلى الوقائع الميدانية والمعطيات السياسية، محذرًا من مسار خطِر قد ينتهي بتكريس واقع عدواني دائم تحت غطاء اتفاق شكلي.

 

وقال المدهون إن السيناريوهات المتوقعة في غزة معقّدة ومفتوحة على احتمالات متعددة، في ظل سعي الاحتلال الصهيوني إلى إفشال اتفاق وقف إطلاق النار وتخريبه، وصولًا إلى إعادة الحرب والهجوم الشامل.

 

وأضاف أن السيناريو الأول يتمثل في استمرار الاتفاق والانتقال إلى المرحلة الثانية، إلا أن هذا الاحتمال يبقى ضعيفًا في الوقت الراهن، نظرًا للرفض الصهيوني الواضح لأي استحقاقات حقيقية تفرضها هذه المرحلة، إلى جانب اعتماد سياسة التملص المستمر من الالتزامات الواردة في الاتفاق.

 

وأوضح أن السيناريو الثاني يقوم على عودة الحرب واستئناف الهجوم الصهيوني الواسع على قطاع غزة، بما يعني إفشال الاتفاق بالكامل، إلا أن هذا السيناريو بدوره لا يُعدّ مرجحًا في المرحلة الحالية، ليس فقط بسبب التزام المقاومة الفلسطينية بوقف إطلاق النار، وإنما أيضًا نتيجة رفض البيئة الدولية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، لعودة الحرب في هذا التوقيت، فضلًا عن التخوّف الصهيوني من تبعات أي قرار دولي قد يصدر دعمًا للشعب الفلسطيني.

 

السيناريو الأرجح

 

وأشار المدهون إلى أن السيناريو الثالث هو الأرجح حاليًا، ويتمثل في الحفاظ على الشكل العام لاتفاق وقف إطلاق النار، مع التلاعب بمضمونه ومحتواه.

 

وأضاف أن الاحتلال يسعى، من خلال هذا المسار، إلى فرض قواعد اشتباك جديدة تضمن له حرية الحركة الميدانية، مع الإبقاء على الحصار، واستمرار التحكم بإغلاق المعابر، ومنح نفسه هامشًا مفتوحًا للقتل والاغتيال والتدمير، إلى جانب تشديد الخناق والتضييق المتدرج على الشعب الفلسطيني.

 

وأكد أن هذا السيناريو يتيح للاحتلال التهرب من استحقاقات الاتفاق دون تحمّل كلفة سياسية أو عسكرية كبيرة، مع الإبقاء على قطاع غزة تحت ضغط دائم، وتحويل وقف إطلاق النار إلى حالة غير مستقرة وقابلة للتآكل المستمر.

 

ومنذ وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر الماضي، قتلت قوا الاحتلال 605 مواطنين، منهم 192 طفلا و83 امرأة، وأصابت 1537 آخرين بجروح.

 

معبر رفح كنموذج للخروقات المنهجية

 

وفي سياق الحديث عن التطبيق العملي للاتفاق، قال المدهون إن ما يحدث حاليًا في معبر رفح يُعدّ خرقًا واضحًا وصريحًا لاتفاق وقف إطلاق النار.

 

وأوضح أن الاتفاق نصّ على فتح المعبر منذ اليوم الأول، وتشغيله بشكل كامل وفي الاتجاهين، بما يضمن حرية وأمن وسلامة المسافرين، إلا أن الاحتلال الصهيوني تعمّد تعطيل فتح بعض مرافق المعبر، وحوّله فعليًا من معبر سفر مدني إلى حاجز أمني.

 

وأضاف أن سياسات التفتيش المفرط، والتحقيق، والتضييق، والمنع من السفر أو العودة، بل والاعتقال في بعض الحالات، تأتي ضمن سياسة ممنهجة تهدف إلى الضغط على الفلسطينيين ودفعهم نحو الهجرة القسرية، وليس مجرد إجراءات أمنية مؤقتة.

 

رفض تحويل الخرق إلى أمر واقع

 

وشدّد المدهون على ضرورة رفض الآلية التي فُتح بها معبر رفح، وعدم القبول بتحويل هذا النموذج إلى واقع دائم.

 

وأضاف أن المطلوب هو العمل الجاد لمنع فرض قواعد اشتباك جديدة على المسافرين الفلسطينيين، سواء عبر الإذلال، أو التفتيش الأمني، أو التحكم في حركة السفر والعودة، محذرًا من أن السكوت عن هذه الممارسات يعني السماح للاحتلال بتكريسها سياسيًا وأمنيًا.

 

وأشار إلى أن هذا الملف يتطلب تحرّكًا واضحًا من الوسطاء، وعلى رأسهم الوسيط المصري، لأن ما يجري لا يُخالف الاتفاق الأخير فحسب، بل يشكّل أيضًا انتهاكًا للتفاهمات السابقة، وعدوانًا مباشرًا على الفلسطينيين، وعلى السيادة المصرية، باعتبار أن معبر رفح معبر فلسطيني–مصري، وليس خاضعًا للهيمنة أو الابتزاز الصهيوني.

 

دور الوسطاء وحدوده الراهنة

 

وقال المدهون إن دور الوسطاء في هذه المرحلة بالغ الأهمية، مشيرًا إلى الجهود التي يبذلونها، إضافة إلى الدور التركي، في محاولة تثبيت الاتفاق ومنع انهياره.

 

وأضاف أن الولايات المتحدة الأمريكية لا تزال تشكّل عامل إعاقة أساسيًا، عبر إضعاف دور الوسطاء، وتوفير الغطاء السياسي للاحتلال الصهيوني، ودعمه في خروقاته المتواصلة.

 

ورغم ذلك، أشار إلى أن الوسطاء نجحوا في كشف جانب من السلوك الصهيوني، وكان لبياناتهم الأخيرة التي حمّلت الاحتلال مسئولية إدارة العدوان أثر سياسي وإعلامي ملموس، إلا أن المرحلة الحالية تتطلب دورًا أكثر فاعلية واتساعًا.

 

متطلبات المرحلة المقبلة

 

ولخّص المدهون المطلوب من الوسطاء في ثلاثة مسارات رئيسية.

 

المسار الأولً: كشف خروقات الاحتلال بشكل واضح ومنهجي أمام الرأي العام الدولي، والتعامل معها بوصفها سياسة ممنهجة تهدف إلى إفشال الاتفاق، لا حوادث فردية عابرة.

 

والمسار الثاني: العمل على تشكيل آلية رقابة فعّالة أو قوة إقليمية ودولية، تكون مهمتها الدخول إلى الميدان لضمان تنفيذ الاتفاق، والعمل كقوة استقرار وحفظ سلام حقيقية.

 

أما المسار الثالث فهو ممارسة ضغط مباشر وجاد على الولايات المتحدة الأمريكية، لمنعها من الاستمرار في توفير الغطاء السياسي لخروقات الاحتلال، باعتبار أن هذا الدعم يمثّل العامل الأخطر في المرحلة الراهنة.

 

وختم المدهون بالتأكيد على أن الاحتلال الصهيوني منزعج بوضوح من دور الوسطاء، ويسعى إلى تجاوزهم أو تفريغ دورهم من مضمونهم، عبر الإبقاء على حالة الفوضى والغموض في تنفيذ الاتفاق، بهدف الوصول إلى هدفه الأساسي المتمثل في حرية العدوان على غزة دون رادع أو تدخل أو مساءلة.

 

وأشار إلى أن المعركة الحالية لم تعد محصورة في مسألة وقف إطلاق النار فحسب، بل باتت معركة سياسية وإعلامية وقانونية تهدف إلى منع الاحتلال من تحويل الاتفاق إلى أداة جديدة لإدارة العدوان بدل إنهائه.