كشف تقرير مدركات الفساد عن عام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية من مقرها في برلين في 10 فبراير 2026، أن مصر لم تتحرك خطوة واحدة عن موقعها المتأخر عالمياً المسجل لعام 2024، لتقف عند 30 نقطة من معدل 100 نقطة وتصبح الدولة رقم 130 من بين 182 دولة مسجلة في مؤشر مدركات الفساد.

 

أوضح المؤشر الصادر في اليوم العالمي لمكافحة الفساد، أن سجل الفساد في مصر خلال العقد الماضي ظل راكداً عند مستوى متدنٍ للغاية، بما يعكس اتساع فجوة الشفافية وضعف فعالية المؤسسات الرقابية في الدولة، وتضييق المساحة المتاحة للمجتمع المدني من صحافيين ومنظمات غير حكومية ومبلغين عن المخالفات في الكشف عن إساءة استخدام السلطة، رغم تصاعد الانتقادات الداخلية والخارجية المراقبة لمؤشرات الفساد.

 

سجلت مصر 30 نقطة فقط على المؤشر لعام 2025، وهو المستوى نفسه الذي حققته في 2024، وما قبلها -تقريباً- في أعوام متلاحقة، ليصبح هذا الرقم شاهداً على عشر سنوات من الجمود عند نقطة متدنية من مستويات الشفافية وقدرة الحكومة على الحد من الفساد.

 

رصد مؤشر مدركات الفساد منذ 2015 وحتى 2025 بقاء الأداء المصري دون أية قفزة نوعية، وأي تحسن يُذكر في ترتيبها العالمي والإقليمي، ليظل مركز مصر في الثلث الأخير من دول العالم، وعلى بُعد من المتوسط العالمي البالغ نحو 43 نقطة من 100 نقطة.

رسالة سياسية واقتصادية

 

يعتبر خبراء أن بقاء مصر في تلك المرتبة المتدنية ليس مجرد مؤشر فني، بل رسالة سياسية واقتصادية عميقة الخطورة، موضحين أن المؤشر يعتمد على تقييمات خبراء ورجال أعمال ومؤسسات بحثية محلية ودولية رصينة، من بينها البنك الدولي والمنتدى الاقتصادي العالمي، والتي رصدت خلال السنوات الماضية وجود مصر في موقع لا يتغير، في حين تحقق دول مجاورة، من الخليج العربي إلى المغرب، تحسناً تدريجياً يعزز ثقة المستثمرين ويخلق بيئة تنافسية جاذبة.

ويظهر المسار الزمني لمصر في مؤشر مدركات الفساد خلال العقد 2015–2025 حقائق صادمة، حيث انحصر موقعها في المؤشر عام 2025 ما بين 30 و32 نقطة، ومن عام 2016-2019 ظلت تدور بين 32 و35 نقطة، وخلال الفترة من 2020–2023 استقرت بصورة دائمة عند نفس النقطة السابقة دون أي اختراق، ثم تدنت في عامي 2024 و2025 عند 30 نقطة.

وتأتي هذه الأرقام الصادمة عن مصر بمؤشر مدركات الفساد، في حين يعلن نظام الانقلاب أنه أنفق على مدار عشر سنوات مليارات الجنيهات على رقمنة الأجهزة الرسمية والشركات والبنوك، لدعم برامج الحكومة الإلكترونية ومبادرات "الإصلاح الإداري"، ما يطرح السؤال: كيف تتم كل هذه النفقات وتكون النتيجة صفرية؟.

ويتزامن ذلك مع تراجع مخيف بمؤشر الشفافية، في وقت أصبحت الأوضاع الاقتصادية أكثر هشاشة، والبيروقراطية أكثر تعقيداً، والرقابة البرلمانية والمجتمعية بلا  تأثير.

تهديد الاستقرار الاجتماعي

 

ويهدد استمرار مستويات الفساد الحالية الاستقرار الاجتماعي والسياسي؛ حيث إن الفساد يرفع تكلفة المعيشة، ويضعف توزيع الموارد، ويُقنّن اللامساواة، وفي ظل بقاء مصر عند مستوى 30 نقطة من أصل 100 يعني أن "الدولة تخسر ثقة المستثمرين والمواطنين معاً"، خاصة أن نظام الانقلاب يضع  المعارضين للفساد في زاوية المخالفين لتوجهات الدولة، بما يعمق الهوة بين فئات المجتمع، حيث تتمتع قلة بخيرات البلد، وغالبية كاسحة تتجه إلى الفقر وتنحدر فئة أخرى نحو الفقر المدقع، بما يجعل عيشة الناس مستحيلة في ظل انتشار الفساد المتصل دوماً بالمحسوبية وإهدار المال العام.

في السياق ذاته، لا يكتفي تقرير "الشفافية الدولية" بالتسجيل الرقمي لمعدلات الفساد، بل يحلل سياق الفساد في مصر، مشيراً إلى ستة أسباب أساسية لعدم حدوث أي تحسن، منها غياب الشفافية في الإنفاق العام مستنداً إلى تقارير منظمات دولية تشير إلى ضبابية في البيانات المتعلقة بالعقود الحكومية والمشتريات العامة، خصوصاً المشروعات الكبرى التي لا تخضع لإفصاح كامل أو منافسة شفافة.

 

يشير التقرير إلى غياب حماية المبلغين، حيث تعمل مصر بلا قانون فعّال يحمي من يكشف الفساد، ما يجعل المخالفات تُدفن بصمت، داعماً لما يؤكده المركز المصري للدراسات الاقتصادية الذي نشر أكثر من تقرير خلال عام 2025، ينتقد غياب إطار قانوني يحمي من يبلغون عن الفساد.

 

ويبين التقرير تراجع دور الإعلام والمساءلة، مؤكداً أن البيئات التي تقيد الإعلام الرقابي تسجل أداءً ضعيفاً على مؤشر مدركات الفساد، وأن غياب صحافة حرة يفتح المجال لانتشار الفساد دون مساءلة. كما يوضح أن تعقيدات البيروقراطية واتساع سلطات الأجهزة التنفيذية، في ظل سيطرة الجهات الحكومية على قطاعات الأراضي والتراخيص والمشتريات الحكومية والخدمات المحلية، تشكل بيئة خصبة للفساد على مستوياته كافة بداية من الصغير والمتوسط.

 

يشدد التقرير على أن فجوة البيانات العامة عن الأعمال الحكومية والمالية للدولة تعد من أبرز النقاط التي تكررها منظمة الشفافية الدولية، والتي تتعلق بغياب قواعد بيانات مفتوحة تمكن الباحثين والجمهور من تتبع الإنفاق العام، وذلك بالتوازي مع ضعف استقلال الأجهزة الرقابية لافتقارها إلى قدرٍ كافٍ من الاستقلال المالي والسياسي، بما يقلل قدرتها على ملاحقة الفساد داخل الدولة ذاتها.