أعاد تحقيق استقصائي بثّه برنامج للقصة بقية على شاشة الجزيرة فتح ملف الأسلحة المحرمة التي استخدمتها إسرائيل في عدوانها على قطاع غزة، بعد أن قدّم معطيات موثقة حول "تبخر" جثامين مئات الشهداء تحت وطأة قصف ذي تأثيرات حرارية وفراغية فائقة.

 

ووفق ما عرضه التحقيق، فإن تقارير الدفاع المدني في غزة وشهادات مسعفين وأهالٍ وثّقت تبخر جثامين أكثر من 2842 شهيدا، إذ لم تعثر الطواقم سوى على رذاذ دماء وبقايا بشرية محدودة في مواقع الاستهداف، رغم توثيق وجود أعداد أكبر داخل المنازل أو الملاجئ المقصوفة.

 

الأجساد تبخرت بالكامل

 

وأفاد متحدث الدفاع المدني محمود بصل بأن الفرق الميدانية واجهت حالات متكررة يُبلَّغ فيها عن عدد محدد من الأشخاص داخل مبانٍ مستهدفة، بينما يُنتشل عدد أقل من الجثامين، ما قاد إلى استنتاج أن بعض الأجساد تبخرت بالكامل تحت تأثير القصف، وهو نمط لم يكن مألوفا في الحروب السابقة وفق شهادته.

 

روايات إنسانية

 

وعرض التحقيق أيضا روايات إنسانية توضح فداحة الظاهرة، من بينها شهادة الفلسطيني رفيق بدران الذي قال إن جثامين أطفاله الأربعة اختفت إثر قصف دمّر عشرات المنازل، ولم يجد في الموقع سوى رمال سوداء وبقايا متناثرة.

 

كما عرض شهادة أم فلسطينية بحثت عن جثمان ابنها في المستشفيات وثلاجات الموتى عقب قصف مدرسة "التابعين" في حي الدرج شرقي غزة في أغسطس 2024، قبل أن تتأكد من اختفائه دون أثر.

 

ماذا يقول الخبراء؟

 

على المستوى التقني، استند التحقيق إلى آراء خبراء، بينهم كبير مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية سابقا يسري أبو شادي، الذي أوضح أن الأسلحة التي تجمع بين حرارة فائقة وضغط مرتفع قادرة على تدمير الخلايا البشرية بالكامل، إذ تؤدي الحرارة الشديدة إلى تبخر السوائل داخل الجسم، بينما يتسبب الضغط الهائل في تمزيق الأنسجة وتحويلها إلى رماد.

 

وأشار إلى تسجيل ظواهر مشابهة في نزاعات سابقة، بينها معارك الفلوجة خلال الغزو الأمريكي للعراق، حين استخدمت أسلحة ذات تأثير حراري عالٍ.

 

الذخائر الحرارية

 

ووفق التقديرات الأولية، فإن احتمال تحلل الجثث إلى رماد يتم بعد وقت من الوفاة بسبب توفر ظروف تخلقها القنابل الحرارية، وهو ما يستدعى فتح تحقيق دولي لتقديم وصف دقيق لنوعية السلاح المستخدم من إسرائيل.

 

وتتبع التحقيق كذلك أنواعا محددة من الذخائر يُشتبه في استخدامها، من بينها قنابل أمريكية الصنع مثل Mark 84 bomb وBLU-109، إضافة إلى قنابل موجهة من طراز GBU-39 وصواريخ AGM-114 Hellfire، وهي ذخائر تحدث انفجارات عالية الحرارة داخل الأماكن المغلقة، وتولّد موجات ضغط متعاقبة تعقبها كرة نارية تنتشر في الفراغات، ما يضاعف أثرها على الأجسام البشرية مقارنة بالقنابل التقليدية.

 

الأورومتوسطي يوثق الجريمة

 

ما وثقه تحقيق الجزيرة، سبق أن سلط المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان الضوء عليه في إبريل 2024، إذ دعا إلى تشكيل لجنة تحقيق دولية من خبراء مختصين حول الأسلحة التي تستخدمها إسرائيل، بما في ذلك احتمالية استخدامها لقنابل تولّد حرارة شديدة تؤدي إلى تبخّر أجساد الضحايا في إطار هجومها العسكري واسع النطاق على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر الماضي.

 

وقال المرصد الأورومتوسطي إن شهادات وثقها ومعلومات أولية جمعها كشفت جانبًا مخفيًا من المستويات المروعة للقتل الذي تمارسه إسرائيل في قطاع غزة، يتعلق بتُبخر أو انصهار أجساد الضحايا بفعل قنابل تسقطها طائرات حربية إسرائيلية على المنازل السكنية.

وأوضح الأورومتوسطي أن لجوء جيش الاحتلال إلى إحداث دمار هائل في مربعات سكنية بأكملها خلال هجماته على قطاع غزة يؤدي إلى أعداد ضخمة من القتلى والمصابين، يثير مخاوف من احتمال استخدامه "أسلحة حرارية" أو ما يعرف باسم "القنابل الفراغية"، والتي تشتهر في المجال العسكري بفاعليتها في تدمير الكهوف ومجمعات الأنفاق الأرضية.

 

وأشار إلى أن آلاف الضحايا ما يزالون في عداد المفقودين، إمّا لعدم القدرة على انتشالهم من تحت الأنقاض؛ لعدم توفر المعدات والإمكانات الفنية، أو لعدم العثور على جثامينهم في أماكن أزيلت منها الأنقاض، أو لإخفائهم قسرًا من جيش الاحتلال.

 

شهادات حية

 

ووثق المرصد الأورومتوسطي عدة حالات لضحايا استشهدوا في غارات صهيونية مدمرة لمبانٍ سكنية، ولدى محاولة انتشال جثثهم اتضح اختفاء البعض منهم أو احتمال تحولهم إلى رماد، وهو ما يثير علامات استفهام بشأن ماهية القنابل المستخدمة في هذه الهجمات.

 

ومن ذلك، ما أفاد به "أحمد عمر" الذي استشهد 15 شخصًا من عائلته، بينهم والداه، في قصف إسرائيلي على منزلهم في مدينة غزة يوم 15 أكتوبر الماضي.

 

وقال "عمر" إن طواقم الدفاع المدني وأقارب العائلة قامت بمحاولات مضنية لانتشال جثث الضحايا بفعل الهجوم الصهيوني، إلا أن ثلاثًا منهم لم يُعثر على أي أثر لأجسادهم على الرغم من تواجدهم في المنزل نفس لحظة الهجوم الصهيوني، وهم كل من "رغد صالح فروانة" (14 عامًا)، وعلا صالح فروانة (7 أعوام) و"رهف أحمد قنيطة" (8 أعوام).

 

وقال جمال عوني الذي استشهد سبعة من أفراد عائلته في قصف صهيوني في 6 يناير 2024، على منزل نزحت إليه العائلة في مدينة دير البلح وسط القطاع، إن كل المحاولات للعثور على جثمان ابنته "شيماء" (28 عامًا) باءت بالفشل وتبين لهم وكأن جثتها قد تبخرت.

 

ووفق خبراء حقوق الإنسان؛ فإن استخدام متفجرات حرارية فراغية في مناطق مكتظة بالسكان يثير شبهة انتهاك مبدأي التمييز والتناسب المنصوص عليهما في القانون الدولي الإنساني، خاصة إذا ثبت أن أثرها لا يمكن حصره في أهداف عسكرية محددة.

 

إعادة تعريف مفهوم الضحية

 

تحقيق "المتبخرون" لا يكتفي – وفق متابعين- بإضافة رقم جديد إلى حصيلة الضحايا، بل يعيد تعريف مفهوم الضحية ذاته، إذ يتناول بشرا محيت آثارهم المادية بالكامل، ما يحرم عائلاتهم من حق التعرف والدفن، ويفتح الباب أمام توصيف قانوني يتجاوز الإحصاء العددي إلى مساءلة طبيعة السلاح المستخدم وأثره على الحق في الحياة والكرامة الإنسانية.

تحقيق "المتبخرون" يثير اهتمام منصات دولية

وتصدر التحقيق الذي حمل عنوان "المتبخرون" تغطيات منصات دولية بارزة، إذ تناولته شبكة يورونيوز بعنوان لافت اختزل المأساة بعبارة "لم يبقَ سوى الرماد"، منبهة إلى أن المادة الاستقصائية تقدّم تفسيرا علميا لحالات حيّرت طواقم الإسعاف والدفاع المدني في غزة على مدى أشهر، حين وثّقت أسماء مفقودين دون العثور على جثامينهم.

ونقلت الشبكة عن محللين قولهم إن ما أورده التحقيق قد يضع إسرائيل أمام مساءلة قانونية أكثر تعقيدا، إذا ثبت استخدام ذخائر محظورة أو ذات آثار عشوائية في مناطق مدنية مكتظة.

كما ركّزت TRT World على البعد التحليلي للتقرير، مسلطة الضوء على طبيعة الأسلحة ذات الحرارة والضغط المرتفعين، وانعكاساتها المدمرة على المدنيين.

وأبرز موقع "ميدل إيست آي" البعد السياسي للتحقيق، موضحا أن خطورته لا تقتصر على توثيق نمط قتل غير تقليدي، بل تمتد إلى تتبع سلسلة الإمداد العسكري، ولا سيما الإشارة إلى ذخائر أمريكية الصنع ورد ذكرها مدعومة بقرائن ميدانية وشهادات خبراء.

كذلك تناولت وكالة الأناضول خلاصات التحقيق، مشيرة إلى أنه استند إلى تحليل فني وبيانات ميدانية تفسّر اختفاء الأجساد بالكامل بفعل شدة الانفجارات والحرارة الناتجة عنها.

وفي ظل استمرار العدوان الصهيوني وتعذر انتشال آلاف الجثامين من تحت الأنقاض، يبقى السؤال القانوني مفتوحا بشأن حدود المساءلة الدولية، وما إذا كانت الأدلة البصرية والتقنية التي عرضها التحقيق ستتحول إلى مادة اتهام في ساحات القضاء الدولي؟.