شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ (البقرة: 185)

        الحمد لله رب العالمين الذي أنعم علينا وتفضل فبلغنا شهر رمضان المبارك، والصلاة والسلام على رسولنا الكريم الذي كان يبشر أصحابه بقدوم رمضان، فيقول فيما رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: "قد جاءكم شهر رمضان، شهر مبارك، افـترض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه الشياطين، فيه ليلة خـير من ألف شهر، من حُرم خيرها فقد حُرم".

فهنيئًا لمن أدرك رمضان وهنيئًا لأمتنا الإسلامية هذا الشهر الكريم.

        لقد كان شهر رمضان كما هو شهر الصبر والطاعة، فهو شهر الجهاد والانتصارات، وقد أبلي المسلمون فيه بلاء حسنًا، فكانت غزوة بدر الكـبرى في العام الثاني الهجري، و كان فتح مكة في العام الثامن من الهجرة، ثم فتح الأندلس (92 هـ) ومعركة بلاط الشهداء (114 هـ) وفتح عمورية (223 هـ) ثم معركة حطين (583 هـ) ومعركة عين جالوت (658 هـ)، وفي عصرنا الحديث حيث ألحق الجيش المصري بالعدو الصهيوني هزيمة كـبرى في العاشر من رمضان (1393 هـ - الموافق 6 أكتوبر 1973 م)، وأخيرا ما سطَّره المجاهدون الأحرار الصابرون المرابطون خلال معركة طوفان الأقصى الأخيرة على مدى عامين وما تخللهما من نكاية في عدوهم تجلت خلال أيام هذا الشهر الفضيل.

        بل إن شهر رمضان كما هو شهر الطاعة والجهاد فهو شهر الحرية، حيث ننال فيه حريتنا رغم القيود التي يمكن أن تكبل الأبدان، فالحرية الحقيقية هي الانتصار على الشهوات والتغلب على مطالب المادة والانطلاق إلى رحاب الروح، يقول الإمام حسن البنا يرحمه الله: "ها هو رمضان أستاذٌ يملي عليكم مبادئ الرجولة الصحيحة، ويربّي فيكم الإرادة القوية، ويُعَوِّدُكُمْ الاحتمال والصبر، ويرسم لكم طريق الحرية، ويكشف عن بصائركم حُجَب المادة؛ حيث تسمو إلى أفق الملائكة".

        وفي رمضان أُنزل خير كتاب على خير نبي، محمد صلى الله عليه وسلم، فكان هداية للخلق ونورًا للقلوب وجلاء للهموم ومضاء للعزيمة، فهو كتاب الله وحبله المتين الممدود إلى البشرية كلها، من استمسك به واعتصم فقد نجا، وهو دستورٌ لمن آمن به، ومصدر عزة لمن اتبع طريقه، ونجاة لمن اقتفى هداه.

 

القرآن الكريم .. كتاب هداية وعمل وأخلاق

        وقد نزل هذا الكتاب الخالد في رمضان؛ ليكون هذا الشهر مرحلة فارقة في حياة البشرية كلها، ويقود الناس إلى الحق ويصرفهم عن الغواية، ويقربهم من الفطرة السوية، وينفرهم من مزالق الشيطان.

        ولم يكن هذا الكتاب المجيد آيات تتلى أو نصائح تسدى فحسب، ولكنه كان سلوكًا وعملًا على الأرض يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم، وقد كان المثلَ الأعلى في التخلق بأخلاقه والامتثال لأمره صفوةُ الخلق صلى الله عليه وسلم الذي قالت عنه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: "كان خلقه القرآن"، وقال عنه الصحابة "كان قرآنًا يمشي على الأرض".

        إن هذا الكتاب الخالد نزل من لدن حكيم خبير؛ ليكون هداية للخلق ومنقذًا لهم من حمأة الشهوات الماجنة، والانحرافات الباطلة، والتنكب عن الفطرة السليمة والابتعاد عن منهج الله القويم؛ فكان كتاب رشد وعمل، يضبط حركة الحياة، كما هو غذاء للقلوب ونور لمن قرأه وتلاه سواء بسواء.

        إن حالة الانهيار الأخلاقي التي شهدها العالم عندما أعرض عن هداية السماء في هذا الكتاب الكريم، وتنكب سبيل هذا النور المبين- تؤكد أن الانحراف عن هديه مؤذن بالخراب، وموجب للدمار،  وها هي تسريبات المدعو "إبستين"، التي فاقت كل الحدود وأظهرت حالة الانحراف الصارخ عن الفطرة السوية، تؤكد أن العالم بحاجة إلى هداية القرآن الكريم الذي يحمل وحده مهمة إنقاذ البشرية من حمأة الرذيلة ومستنقع الخطيئة واستباحة الحرمات، بعد أن تكشفت الوجوه على حقيقتها، ونزعت المسوح الخادعة التي ادعت الفضيلة وطالبت يومًا بحقوق المرأة وحقوق الإنسان، وهي أبعد ما تكون عن الأخلاق الكريمة، وبل وأبعد ما تكون عن مظان الإنسانية.

        وفي الوقت الذي يواجه فيه العالم الانحطاط في القيم والأخلاق وانتهاك القانون الدولي والاعتداء على سيادة الدول والهيئات والأفراد والشعوب وابتزاز القادة والزعماء المستبدين المصنوعين، نجد أن سلطة المستبدين الظالمين في بلادنا  تدفع عشرات ملايين الدولارات من عرق الشعب ودمه لتفتري وتهاجم الدعاة المخلصين من الأحرار السجناء والكرام الشهداء المعاصرين، وبالتزامن نجد  أذرعها تهاجم بوقاحة عقيدة الأمة وتراثها وتاريخها والأئمة والدعاة السابقين فتصنع أفلام الأكاذيب الباطلة في بلادنا، وأذرعها يسابقون الزمن في محاربة القيم الإسلامية إما بإظهار الجهلة والسفهاء بأنهم يمثلون الشعب المصري المسلم  ويمثلون الإسلام وفي الوقت نفسه تتخذهم مبررًا وسببًا لإطلاق مجموعات منحرفة من دعاة العلمانية المتطرفين لتهاجم السنة النبوية المطهرة وتفتري على الدعاة والأئمة وأكابر العلماء؛ فصارت السنة النبوية تُهاجم، وعلماء الأمة في تلفاز الدولة ومنصاتها أعراضهم مستباحة.

لقد استباح أبواق الصهاينة كل شيء؛ القرآن والسنة والأئمة والتاريخ والحضارة والثقافة وكل ما يمت للإسلام بصلة، وصاروا يتلاعبون بالألفاظ والأقوال ويستعملون التهديد والوعيد، بل صاروا يتهمون الأزهر نفسه بالإرهاب! فهؤلاء لن يقفوا عند حد ما دامت هناك سلطة غاشمة تدعم الباطل علنًا، وأموال تتدفق، وعلماء مترددون خائفون أو للباطل يداهنون ويجاملون السلطة التي خضعوا لها.

فماذا حدث للأزهر ورجاله؟ وماذا حدث لهيئة الإفتاء والمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية؟ يحدث كل هذا في ظل الصمت وعدم الصدع بكلمة الحق والجهر بالرفض أو بالرد.

        لقد جاء القرآن الكريم ليؤكد أن الأخلاق مطلقة لا تخضع للأهواء، ففي الوقت الذي يكيل فيه أدعياء الحضارة بين الناس بمكيالين ويقيسون بمقياسين، يرشد الله تعالى في كتابه إلى أن الأخلاق الصحيحة لا تفرق بين حبيب وبغيض أو بين قريب وبعيد أو بين قوم وآخرين أو جنس وغيره، فالجميع عند الله سواء، كما هم عند المهتدين بالدستور الخالد القرآن الكريم كذلك سواء، يقول الله تعالى:  ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّـهَ ۚ إِنَّ اللَّـهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (المائدة: 8) ويقول سبحانه:  ﴿إِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۖ وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152) وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153)﴾ (الأنعام: 152-153)، فلا انحياز لقريب على بعيد ولا محاباة لقوم دون قوم، ولا عداوة تمنع من أداء الحقوق للمخالفين.

       

شهر البذل والعطاء

        إن صيام رمضان ليس عبادة للجسد فحسب ولكنه عبادة للروح واختبار حقيقي لكل بواعث الإيمان وتحفيز لكل معاني الأخوة الصادقة والبذل والتلاحم بين المسلمين، يقول الله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ (الإنسان: 8) ويقول صلى الله عليه وسلم: «من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة» (رواه مسلم).

        فها هي معاناة المسلمين ماثلة أمام الجميع في غزة حيث يتربص العدو بأهلها ويتعنت في إعادة الحياة الطبيعية وفتح المعابر بشكل كامل، بعد عامين من الحرب الضروس التي أنهكت الجميع وقضت على كل مقومات الحياة الحقيقية في القطاع ، وفي القدس الشريف حيث تتصاعد انتهاكات الاحتلال الصهيوني لحرمة المسجد الأقصى المبارك باقتحام المستوطنين وتقييد حرية العبادة ، وتوسيع حدود بلدية الاحتلال في القدس وراء ما يسمى بالخط الأخضر ، وفي الضفة الغربية حيث تتزايد وتيرة حصار المدن والقرى لتكون امتدادا للمستوطنات وفرضا لواقع جديد لم يسبق أن يحدث منذ عام 1967 م

        وها هم إخواننا في السودان يعانون في ظل حرب فُرضت على شعب يتلقى الضربات تلو الضربات ويعالج المؤامرات التي تحاك ببلاده، تسعى لتقسيمها وتتحرك بكل قوة لإضعافها وتشتيت كيانها، وسط معاناة الملايين من الشعب السوداني من الجوائح والأمراض والفاقة، جرَّاء حرب مقيتة تستهدف كيان الدولة ووحدة الشعب ، وفي الصومال حيث تجري محاولات التقسيم على قدم وساق بدعم صهيوني سافر  بهدف التغلغل في المنطقة والسيطرة على المداخل الاستراتيجية لدول المنطقة.

        وفي اليمن حيث تعاني الملايين من مستويات خطيرة من الجوع جرَّاء استمرار الحرب وقلة الموارد وتدهور الاقتصاد، وفي أفغانستان حيث يعاني أكثر من نصف السكان من نقص الغذاء في ظل تدهور الوضع الاقتصادي ونقص المعونات الإنسانية.

        إن الأخوّة الإيمانية والمشاعر الصادقة والإحساس الحي تستوجب منا النفرة لمد يد العون إلى كل المتضررين والمحتاجين من المسلمين وغيرهم، خاصة في موسم الخيرات والرحمات، الذي تتضاعف فيه الحسنات وتزيد فيه المثوبة على الأعمال الصالحة، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه فيما رواه البخاري ومسلم أنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان"، فأروا الله منكم نصرة لإخوانكم واستشعارًا بواجبنا نحوهم ﴿ فَفِرُّوا إِلَى اللَّـهِ ۖ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ (الذاريات: 50)

 

الأحرار في سجون الظالمين

        ومع إقبال شهر رمضان المبارك مازال الأحرار يعانون في المعتقلات التي امتلأت بخيرة أبناء مصر، حيث لم تكتف سلطة الانقلاب بما دمرت من مقدرات مصر وما أهدرت من ثرواتها وما فرطت في مواردها، وما أثقلت به كاهلها من ديون يستعصي سدادها، بل لم يكفها فتح السجون لكل صاحب رأي حر، فأمعنت في التنكيل بالمعتقلين وحرمانهم من أبسط مقومات الحياة، فتزايدت حالات التعذيب ومنع الدواء والطعام، فضلاً عن الحبس الانفرادي للعديد من المعتقلين.

        إن المعاناة اليوم لم تعد من نصيب من يرفع رأسه ويعبر عن رأيه فحسب، بل باتت من نصيب الشعب كله في ظل حالة من الإفشال والاستنزاف لموارد مصر، حيث ضعفت الإيرادات وقل مستوى الدخل القومي، بينما تصر سلطة الانقلاب على توجيه النفقات نحو  بناء القصور والمشروعات غير الإنتاجية، ونحو بناء مزيد من السجون والمعتقلات التي تضاعف عددها منذ الانقلاب حيث وصلت إلى 88 سجنًا بنهاية عام 2025، ووصل عدد الوفيات داخل المعتقلات لما يزيد على 1200 حالة ووصل عدد المختفين قسريًّا نحو 20000 حالة من كافة شرائح المجتمع، وتجاوز عدد أحكام الإعدام 1600 حكم تم تنفيذ 105 منها على أبرياء بلا سند أو قرينة تؤكد أي جريمة اقترفوها.

        إن جماعة "الإخوان المسلمون"، وهي تبذل الجهد وتستفرغ الطاقة في كافة المسارات في قضية المعتقلين؛ لتشد على أيدي كل حر كريم أن يبادر بتقديم مزيد من الجهد والدعم القانوني والإعلامي للمعتقلين، ومضاعفة الجهد بلا كلل ولا ملل إلى أن يأذن الله بفرج قريب.

        كما وأننا ونحن بين يدي شهر رمضان الكريم في أشد الحاجة إلى التضرع إلى الله بالدعاء فرادى وجماعات، قانتين لله أن يفرِّج كرب إخواننا المعتقلين والمسجونين ظلمًا في كل مكان، وأن يخرجهم من محنتهم سالمين غانمين غير مفتونين، وأن يربط على قلوبهم ويثبتهم على الحق، وأن يجعل لهم فرجًا ومخرجًا قريبًا بحوله وقوته.

        إننا على يقين بأن التضرع إلى الله والتذلل بين يديه والرجاء في رحمته خير مخرج لما يعانيه المظلومون وأسرهم، وما تعانيه الأمة كلها من تحديات وصعاب، ونذكِّر بقول الإمام الشافعي رحمه الله:

أَتَـهزَأُ بِالدُّعـاءِ وَتَزدَريـــــــهِ                 وَمـا تَدري بِما صَنَعَ الدُّعَاءُ

سِهامُ الليلِ لا تُخطِي ولكن                 لَها أَمَــــدٌ وَللأَمَدِ انقضــاءُ

﴿وَاللَّـهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: 21)

والله أكبر ولله الحمد،،،


أ. د. محمود حسين
القائم بأعمال فضيلة المرشد العام لجماعة " الإخوان المسلمون "

الأربعاء 30 شعبان 1447 هجرية - الموافق 18 فبراير 2026م

 


اضغط هنا لتحميل الرسالة PDF