لم يكن شهر رمضان في قطاع غزة يومًا مناسبة عابرة، كان موسمًا اجتماعيًا وروحيًا واقتصاديًا تتبدّل فيه إيقاعات الحياة، وتزدحم الشوارع قبيل الغروب، وتتسع الموائد بقدر ما تتسع القلوب.

 

غير أن رمضان هذا العام يأتي مثقلًا بتحولات عميقة فرضتها الحرب وتداعياتها، حتى باتت عبارة "رمضان عمره ما كان هيك" توصيفًا دقيقًا لحالٍ جماعي يتقاسمه السكان.

 

التغير لا يقتصر على المشهد الخارجي، بل يمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية، ومن حركة الأسواق إلى المزاج النفسي العام.

 

موائد على قدر الممكن

 

في إحدى مناطق النزوح جنوب القطاع، تقول أم رائد ابو سلطان(45 عامًا)، وهي أم لخمسة أطفال، إن أول ما تغيّر في رمضان هذا العام هو "الإحساس بالاستعداد".

 

وتوضح: "كنا نستقبل رمضان قبل أسابيع، نشتري حاجات البيت، نجهّز بعض المؤونة، نخطط للعزائم. اليوم لا يوجد تخطيط، هناك فقط تدبير يوم بيوم”.

 

تشير إلى أن المائدة التي كانت تضم أصنافًا متعددة، باتت تقتصر على أطباق أساسية، وتقول: "نركّز على ما يسدّ الجوع، الأولاد يسألون أحيانًا عن أشياء اعتادوا عليها، لكنهم صاروا يفهمون الوضع".

 

وتضيف أن القلق بات حاضرًا حتى في لحظة الإفطار: "نفطر ونفكّر في اليوم التالي، لا في بقية الشهر".

 

هذا التحول، بحسبها، لا يمسّ الجانب المادي فقط، بل يغيّر معنى الطقس الاجتماعي المرتبط بالشهر، حيث تقلّصت الزيارات وتراجعت الدعوات العائلية بفعل النزوح وتشتت الأسر.

 

أسواق بلا موسم

 

في سوق دير البلح يوضح أبو أحمد القاضي، وهو صاحب محل حلويات، أن رمضان كان يمثل الذروة السنوية لحركته التجارية.

 

ويقول: "في السنوات الماضية، كنا نضاعف الإنتاج في رمضان، الطلب كان كبيرًا، والناس تعتبر الحلويات جزءًا أساسيًا من أجواء الشهر".

 

أما هذا العام، فيشير إلى أن الإقبال محدود، وأن أولويات الإنفاق تغيّرت جذريًا. يقول: "الناس تركّز على الضروريات، حتى من يملك المال، يتردد في صرفه في ظل عدم وضوح المستقبل".

 

ويرى أن الأزمة الاقتصادية العامة، إلى جانب تراجع القدرة الشرائية، انعكست بوضوح على ما يسميه "الاقتصاد الرمضاني"، الذي كان يعتمد على حركة الأسواق الليلية والبسطات والمهن الموسمية.

 

العبادة كمساحة تماسك اجتماعي

على الصعيد الروحي، يؤكد سميح أبوالعطا وهو امام مسجد في دير البلح، والذي اضطر لإقامة صلاة التراويح في ساحة مفتوحة بعد تضرر المسجد، أن الإقبال على الصلاة لا يزال حاضرًا، بل إن بعض الليالي تشهد أعدادًا لافتة.

 

ويقول: "الناس تبحث عن مساحة طمأنينة، في ظل الضغط النفسي والمعيشي، تصبح الصلاة فرصة لإعادة التوازن”.

 

ويضيف أن مضمون الخطب تغيّر بدوره، ليركّز على مفاهيم الصبر والتكافل والثبات، أكثر من الجوانب الوعظية التقليدية، متابعا: "نحاول أن نقرأ الواقع كما هو، وأن نقدّم خطابًا يلامس هموم الناس مباشرة".

 

أثر نفسي ممتد

 

من جانبه، يشير الاختصاصي النفسي عبد الله الخطيب إلى أن رمضان، بوصفه شهرًا ذا طقوس خاصة، يلعب دورًا مهمًا في تشكيل ذاكرة الأطفال.

 

ويوضح بالقول: "حين تتبدل الطقوس بشكل حاد، يشعر الطفل بفقدان غير مفهوم بالكامل. هو يدرك أن شيئًا ما مختلف، حتى لو لم يستطع التعبير عنه بدقة".

 

ويلفت إلى أن استمرار التوتر والضغوط المعيشية قد يربط في ذهن بعض الأطفال بين الشهر الفضيل ومشاعر القلق أو عدم الاستقرار، ما يستدعي اهتمامًا خاصًا من الأسر للحفاظ على الحد الأدنى من الأجواء الإيجابية داخل البيت أو مكان النزوح.