في خطوة تعد تحولاً دبلوماسيًا ذا دلالات سياسية عميقة، أعلنت الولايات المتحدة أنها ستقدم خدمات قنصلية داخل مستوطنات الضفة الغربية المحتلة للمرة الأولى، في إجراء يمثل أكثر من مجرد تيسير إداري للمستوطنين من حملة الجنسية الأمريكية.

 

القرار الذي يتزامن مع توسيع سلطات الاحتلال لسيطرتها على الضفة وبتسارع ملحوظ منذ نهاية 2023، يعكس بوضوح لا لبس فيه موقف واشنطن من الاستيطان الصهيوني من رفض شكلي إلى قبول عملي يُعطي شرعية ضمنية للمستوطنات في وقت تتسارع فيه مخططات الضم والتهويد والإفراغ الديموجرافي للأراضي الفلسطينية.

 

وتؤشر هذه الخطوة تؤشر إلى سياسات أميركية متساهلة تتماهى مع الاستراتيجية الإسرائيلية التوسعية، وتضعف سقف الضغط الدولي على سياسات الاحتلال في الضفة الغربية.

 

وأعلنت سفارة الولايات المتحدة في القدس المحتلة أنها ستبدأ هذا الأسبوع تقديم خدمات جوازات السفر داخل مستوطنة "إفرات" جنوبي بيت لحم، التي تسكنها أعداد كبيرة من المستوطنين الذين يحملون الجنسية الأمريكية، ضمن جهودها للوصول إلى "جميع المواطنين الأمريكيين في الخارج”.

 

وأكدت السفارة أنها تعتزم تقديم خدمات مماثلة في مستوطنة "بيتار عيليت" قرب بيت لحم، إضافة إلى رام الله، في خطوة وصفتها وسائل إعلام الاحتلال بأنها تحوّل جوهري في الموقف الأمريكي من المستوطنات، فيما لاقى القرار تنديداً فلسطينياً واسعاً، وسط تأكيد على أن هذه الخطوة تعد "اعترافاً عملياً بشرعية" الاستيطان وسيطرة الاحتلال على الضفة الغربية.

 

تكريس سيادة الاحتلال

 

وتعليقاً على ذلك، قالت حركة حماس إن الخطوة "تمثل سابقة خطيرة وتماهياً سافراً مع مخططات الاحتلال التهويدية، واعترافاً عملياً بشرعية الاستيطان، وسيطرة الاحتلال على الضفة الغربية"، وأضافت أن "هذا القرار الجديد يكشف التناقض الصارخ في مواقف الولايات المتحدة التي تدّعي رفض ضم الضفة الغربية، بينما تتخذ خطوات ميدانية تعزز الضم وتكرس السيادة الإسرائيلية على أرضنا المحتلة”.

وأردفت الحركة أن "تقديم خدمات رسمية أمريكية داخل المستوطنات يعدّ انتهاكاً علنياً للقانون الدولي الذي يجرّم الاستيطان، ومحاولة لفرض وقائع سياسية جديدة تمهّد لتصفية الحقوق الوطنية لشعبنا". وحذرت من "خطورة هذه الخطوة وتداعياتها، خاصة في ظل التصريحات الأمريكية التي تشجع الاحتلال على توسيع سيطرته، الأمر الذي يتطلب موقفاً دولياً ضاغطاً لوقف هذا التغول والعدوان على شعبنا وأرضنا”.

إقرار أمريكي بتهويد الضفة

أما أمين عام حزب المبادرة الوطنية، مصطفى البرغوثي، فوصف القرار بأنه "غير مسبوق في السياسة الأمريكية تجاه القضية الفلسطينية".

وأضاف، في تصريح لوكالة الأناضول، أنه "أكبر تطور خطير في السياسة الأمريكية، فإدارة ترامب انتقلت من الموقف التقليدي الذي كان يرفض الاستيطان أو يعارضه إلى موقف يتعامل مع المستوطنات ويقبلها”.

 

وشدد البرغوثي على أن هذا "خرق فاضح للقانون الدولي، إذ أدان مجلس الأمن والأمم المتحدة المستعمرات والمستوطنات الإسرائيلية”، منبهاً إلى أن القرار "يدل على أن الولايات المتحدة تسمح لإسرائيل بضم وتهويد الضفة الغربية”.

 

وأردف أن "تصريحات السفير الأمريكي مايك هاكابي "كانت واضحة جداً، إذ تحدث عن إسرائيل الكبرى التي تضم أكثر من نصف مصر وثلث السعودية ونصف العراق وثلثي سورية ولبنان والأردن". وحذر من أن هذا الحديث "يعكس نية واشنطن التعامل مع المشروع الصهيوني بقبول تغييرات جذرية في واقع الضفة الغربية”.

تطبيع الاستيطان دبلوماسياً

 

من جهته، يقول رئيس هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، مؤيد شعبان، إن توسيع الخدمات القنصلية ليشمل مستوطنات قائمة على أراضٍ فلسطينية مستولى عليها ينطوي على إخلال بمبدأ عدم الاعتراف بالوضع غير المشروع، وهو مبدأ راسخ في القانون الدولي يفرض على الدول الامتناع عن أي إجراء يضفي طابعاً رسمياً أو عملياً على نتائج انتهاكات جسيمة.

 

وأضاف شعبان، أن هذه الخطوة تتناقض مع الالتزامات المعلنة بدعم حل الدولتين، إذ تسهم عملياً في ترسيخ واقع استيطاني يقوض إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة.

 

وشدد أن هذه الإجراءات لا يمكن فصلها عن سياق أوسع يسعى إلى إعادة تعريف الأرض المحتلة باعتبارها مجالاً إدارياً قابلاً للتطبيع الدبلوماسي، بما يحول السيطرة الفعلية إلى شكل من أشكال الاعتراف الضمني، ويمنح المستعمرات غطاءً سياسياً إضافياً.

 

وحث شعبان، المجتمع الدولي على الاضطلاع بمسؤولياته القانونية والأخلاقية في مواجهة منظومة الاستيطان، ورفض أي إجراء يسهم في شرعنتها أو التعامل معها كواقع طبيعي

 

خلفيات سياسية أوسع

 

وبرغم إعلان واشنطن أنها تسعى فقط إلى تسهيل خدمات للمواطنين، يرى محلّلون أن هذا التغيير في الممارسة القنصلية ليس قرارًا تقنيًا بحتًا، بل يحمل رسالة سياسية ضمنية. ففي سياق مساعي حكومة الاحتلال اليمينية لضمّ الضفة الغربية وتوسيع المستوطنات، يشكل القرار الأميركي مساهمة في تطبيع الأمور على الأرض، من خلال جعل الخدمات الرسمية تقدم داخل مناطق تعتبرها الغالبية العظمى من المجتمع الدولي أراضٍ محتلة وغير مشروعة تحت القانون الدولي.

 

ويأتي الموقف الأمريكي بعد سنوات من السياسات المتساهلة تجاه الاستيطان، لا سيما منذ تسلم حكومة الاحتلال الحالية مهامها في أواخر 2022، ودفع التيار اليميني الديني بقوة باتجاه دمج المستوطنات في بنية الدولة، في ما يسميه بعضهم ضمًا فعليًا بدون إعلان رسمي.

 

وتُظهر تحليلات خبراء أن واشنطن لم تفرض منذ 2020 – وحتى الآن – أي عقوبات فعلية أو قرارات تحدّ من توسع المستوطنات، بل اكتفت بتصريحات رفض شكلية بينما واصلت إعطاء دعمها سياسي، مثل الاعتراف نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس المحتلة في 14 مايو 2018 في الدورة الرئاسية الأولى لدونالد ترامب.

 

ويتسق هذا التحوّل في الممارسة الأمريكية مع سياسات واشنطن السابقة التي لامست الاستيطان من دون مواجهة فعّالة. ورغم أن بعض إدارة ترامب، سبق أن قالت إن ضم الضفة يُعيق السلام، إلا أنها في الوقت نفسه لم تدفع باتجاه وقف البناء الاستيطاني، وعززت من روابطها السياسية والعسكرية مع الكيان الصهيوني الغاصب.

 

وتعد المستوطنات الصهيونية في الضفة وفق القانون الدولي غير قانونية بموجب اتفاقية جنيف الرابعة وقرارات مجلس الأمن، ومنها القرار 2334 الذي أكد عدم مشروعية الاستيطان وطالب بوقفه. ولذلك، يرى مراقبون أن الخطوة الأمريكية تُعد انتهاكًا ضمنيًا للقواعد الدولية عندما تُعامل المستوطنات كما لو كانت جزءًا من دولة الاحتلال.