بدأت أمريكا والكيان الصهيوني حرباً مباشرة ضد إيران، بعد مسار تفاوضي طويل اتسم بالمراوحة وكسب الوقت، في ظل تصاعد خطاب سياسي وأمني مهّد للمواجهة داخلياً في واشنطن وتل أبيب، وركّز على تبريرات واهية تتعلق بالأمن القومي وملف البرنامج النووي، قبل أن تنقلب الأمور سريعاً إلى إعلان صريح عن أهداف تتجاوز الردع إلى محاولة تغيير بنية النظام السياسي في طهران.

وأعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو عن حملة عسكرية واسعة تستهدف مواقع داخل الأراضي الإيرانية بداعي تعطيل قدرات طهران النووية والتصدي لما يُزعم أنه "تهديد وجودي"، لكن الخبراء يرون أن هذه المبررات لم ترسخ شرعية واضحة في المجتمع الدولي، وأن الخطاب السياسي بدا في بعض جوانبه محاولة لإعادة إحياء سرديات استخدمتها إدارة سابقة في مواقف مماثلة.

كلمتا ترامب ونتنياهو تحدثت بوضوح عن مقاربة تتجاوز الضربات العسكرية المحدودة، إذ وجّهت دعوة مباشرة إلى الشعب الإيراني للاستفادة من الهجمات من أجل إحداث تغيير داخلي، وهو خطاب يستبطن هدف إسقاط النظام أو إضعافه جذرياً.

 

وقال الكاتب الصحفي علي أبو رزق في تعليق مباشر على اندلاع الحرب إن "جولات التفاوض السابقة لم تكن سوى أدوات لشراء الوقت وصناعة مبررات واهية في الداخل الأمريكي"، مضيفاً أن "كلمة الرئيس الأمريكي ونتنياهو توحي بأن الهدف الرئيسي للحرب هو إسقاط النظام الإيراني".

 

وأضاف أبو رزق أن الدعوة الموجّهة للشعب الإيراني للاستفادة من الضربات كمدخل للانقلاب على قيادته تفتقر إلى فهم الديناميات الداخلية في إيران.

ووفق الخبراء؛ فإن قراءة تجارب سابقة، من الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينيات إلى المواجهات الأخيرة، تشير إلى أن الضغوط الخارجية غالباً ما عززت التماسك الداخلي بدلاً من تفكيكه، إذ أظهرت جولات التصعيد السابقة قدرة ملحوظة لدى الدولة الإيرانية على احتواء الصدمة الأمنية وتعبئة الرأي العام تحت عنوان السيادة الوطنية.

 

سرعة الرد الإيراني ومعادلة الردع

 

يرتبط مسار الحرب ومدتها – وفق الخبراء- بطبيعة الرد الإيراني الأولي وحجمه ودقته، وبمدى قدرة الجيش الإيراني على امتصاص الضربة الواسعة وتوجيه ضربات مضادة ذات أثر تدميري، خصوصاً عبر الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة.

المؤشرات الأولية توحي بأن الرد الإيراني جاء بوتيرة أسرع مما توقعت تل أبيب، ما يعكس حرصاً على تثبيت معادلة ردع وعدم السماح بتكريس صورة التفوق الأحادي.

وفقاً للباحث السياسي أحمد الكومي، فإن إيران "بدأت الرد في وقت أسرع مما توقع الصهاينة"، في إشارة إلى الهجوم الإيراني بالصواريخ الباليستية والمسيرات على الكيان، والذي تلاه سريعا هجمات صاروخية على القواعد الأمريكية في قطر والكويت والإمارات والبحرين.

 

تتوافق هذه القراءات مع تقييمات مركزية لخبراء عسكريين غربيين ترى أن طهران تمتلك بنية دفاعية وقدرات ردع تمكنها من توسيع نطاق الرد عبر الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، وقد تستخدم هذه القدرات لضرب أهداف في قواعد أمريكية في المنطقة أو داخل الأراضي المحتلة، ما يشير إلى أن المواجهة قد تتجاوز حدود الاشتباك التقليدي بين جبهتين.

أبعاد الحرب: جغرافيا، استراتيجية، وتماسك داخلي

من منظور جغرافي واستراتيجي، يؤكد خبراء أن مساحة إيران الكبيرة وتنوع تضاريسها يصعبان على القوة المعتدية تحقيق حسم سريع عبر الضربات الجوية وحدها، ما يجعل الحاجة لوجود قوات برية فاعلة ضرورة إذا أرادت الولايات المتحدة والكيان الصهيوني فرض نتائج ملموسة في الداخل الإيراني.

يربط ابو رزق بين هذا العامل وتجارب الحرب الإيرانية-العراقية وحرب الـ12 يوماً بين إيران والاحتلال، مشيراً إلى أن "التماسك الداخلي للشارع الإيراني والتفافه حول قيادته السياسية هو العامل الأول في هذه المواجهة، وليس التفوق العسكري الأمريكي وحده".

هذه التقديرات تقع في صلب التحليلات الغربية أيضاً؛ إذ يحذر خبراء من أن اندلاع حرب مفتوحة قد يؤدي إلى نتائج غير متوقعة مع انتشار العنف عبر الشبكات الإقليمية وتفاعل القوى غير الحكومية، وهو ما يدفع البعض إلى اعتباره "سباق ردع بدون سقف زمني".

كلفة الحرب وشرعيتها

تتجاوز مطالعات التكلفة الاقتصادية حدود التحليلات العسكرية الضيقة، إذ تشير تقديرات إلى أن الانتشار العسكري الأمريكي في المنطقة يتطلب موارد مالية ضخمة يومياً، ما يجعل استمرار العمليات العسكرية المتواصلة لفترة طويلة عبئاً اقتصادياً يمكن أن يثقل كاهل الولايات المتحدة، وهو عامل يشكل أحد المواقف النقدية الرئيسية ضد خيار الحرب.

 

من جانب آخر، يجادل محللون أمريكيون بأنه لا يوجد دليل مستقل يدعم بعض الادعاءات التي طرحتها إدارة ترامب حول قدرات إيران الصاروخية على ضرب الأراضي الأمريكية، وهو ما يشير إلى أن جزءاً من السرد السياسي لخوض الحرب مبني على تقديرات محل النزاع.

استنتاجات أولية

تكشف التقديرات الحالية أن الحرب، وإن بدأت بضربات فجائية، فإن مسارها لا يزال مفتوحاً على أكثر من سيناريو: من الاستمرار في الاستنزاف العسكري والاقتصادي إلى اندلاع مواجهة أوسع تشمل شبكات إقليمية، أو حتى تحولها إلى حرب بالوكالة في مناطق متنازع عليها. فيما يبقى تأثير الصمود الإيراني الداخلي أحد أهم المتغيرات التي يمكن أن تحدد معالم هذه الحرب في مراحلها المقبلة.

تجدر الإشارة إلى أن تقييمات الخبراء ما زالت تتباين، وأن المشهد في تطور مستمر، ما يستدعي متابعة دقيقة للمواقف الرسمية وتحليلات مراكز الدراسات المتخصصة.