شهدت الأسواق المصرية موجة خروج جديدة للأموال الساخنة بلغت 2.9 مليار دولار منذ 19 فبرايرالماضي، وقعت 50% من تحركاتها على مدار 6 أيام، عقب اندلاع الحرب الصهيونية الأمريكية على إيران في ظاهرة متكررة تعكس اعتماداً متزايداً على تدفقات المستثمرين في أدوات الدين الحكومية، لسد فجوة تمويلية سنوية تتراوح بين 15 ملياراً و20 مليار دولار.

وبرغم تراجع وتيرة خروج الأجانب من أدوات الدين الحكومي الخميس، بعد استلام مصر 2.3 مليار دولار (قرض المرونة) عن المراجعة الخامسة لبرنامج الإصلاح الاقتصادي الموقع مع صندوق النقد الدولي، ظلت موجة البيع لأدوات الدين مستمرة مع تباطؤ نسبي للتخارج؛ مما أدى إلى ضغوط واضحة على سعر الصرف تسببت في تراجع الجنيه بنسبة 1.7% أمام الدولار خلال أسبوع.

وزاد سعر الدولار إلى 49.95 جنيهاً في البنك المركزي وكسر حاجز الخمسين في البنوك ليصل إلى 50.30 جنيهاً، مع انخفاض الاحتياطي النقدي الذي تجاوز لأول مرة 52.6 مليار دولار؛ حيث وُجِّه قرض صندوق النقد لسداد مستحقات شركات البترول الأجنبية ودفع نحو مليار دولار أقساطاً وفوائد دين مستحقة لصندوق النقد، مع احتجاز 300 مليون دولار لمواجهة حالة الطوارئ التي فرضتها الحرب.

فسر خبراء بنوك أسباب خروج الأموال الساخنة بعزوف المستثمرين عالمياً عن المخاطرة، واتجاه الأجانب لبيع ما لديهم من أسهم وسندات في مصر أسوة ببقية الأسواق الناشئة مع تصاعد الحرب، مدفوعين بارتفاع علاوات المخاطر عالمياً، وتراجع تقييمات الأسهم وأدوات الدين، وتوقعات باستمرار الضغوط في المنطقة على المدى القريب.

لجوء إلى الملاذات الآمنة

أشار محللون إلى أن حركة الخروج الحالية تقودها مجموعتان واضحتان؛ إحداهما ترى أزمة الحرب قصيرة الأجل وتفضل البقاء في أدوات نقدية أو سندات خزانة بالجنيه، بينما فضلت الأخرى الخروج الكامل صوب الذهب أو سندات الخزانة الأمريكية ذات الأمان المرتفع، منوهين إلى أن البدائل الإقليمية لا توفر حماية حقيقية مع وقوع مصر ودول الخليج والمنطقة في منطقة المخاطر التي تفاقمت بعد إغلاق مضيق هرمز وتراجع شركات النقل البحري عن العودة إلى مسار قناة السويس، وارتفاع أسعار النفط والغاز الذي سيحد من أرباح الشركات ويزيد تكاليف استيراده للاستخدام المحلي.

يؤكد محللون في البنوك أن متوسط الخروج اليومي خلال الفترة من 19 فبراير الماضي بلغ 100 مليون دولار، بينما زادت وتيرته بنحو 250 مليون دولار يومياً عقب اندلاع الحرب التي شهدت موجات بيع ارتبطت مباشرة بتصعيدات عسكرية وتصريحات دولية أثرت على معنويات الأسواق.

مؤشر لأزمة كبرى

 

قال خبير الاستثمار وائل النحاس إن خروج الأموال الساخنة حالياً هو مؤشر لأزمة كبرى يمكن أن تواجهها مصر أسوة بما حدث مع بداية الحرب الروسية في أوكرانيا، والتي شهدت خروج نحو 22 مليار دولار خلال أيام من اندلاع الحرب، مشيراً إلى أنه في حالة تأثر دول الخليج مع إطالة فترة الحرب والتدمير الذي تحدثه في منشآت النفط وتوقف الغاز القطري، قد تلجأ إلى سحب ودائعها المسجلة احتياطيا في البنك المركزي، مضيفاً أن مصر أصبحت تواجه أزمة حقيقية في ظل حكومة تتعامل مع هذه الكوارث بمؤشرات على الورق، ولن تستطيع تلبية طلبات الدولة من العملة الصعبة.

يذكر النحاس أن خروج الدولار بهذه الوتيرة من مصر، في ظل مؤشرات بزيادة أسعار النفط والغاز واستمرار الحرب لمدة أسبوع، سيرفع سعر الدولار إلى ما بين 50-51 جنيهاً، وفي حالة إطالة أمد الحرب لمدة شهر سيرتفع إلى ما بين 55-56 جنيهاً، وإذا لم تضع الحرب أوزارها لأشهر أخرى سيرتفع بمعدلات هائلة قد تصل إلى 80 جنيهاً في نهاية العام، مدفوعاً بتراجع عائدات تحويلات المصريين في الخارج وأنشطة السياحة ومدفوعات المرور بقناة السويس وزيادة طلب الحكومة على الدولار لشراء احتياجاتها من السلع الأساسية وخاصة النفط والغاز التي ستتضاعف قيمتها في الأسواق الدولية.

فخ متكرر

 

في تصريح من رئيس سابق لبورصة الأوراق المالية لـ"العربي الجديد"، فضل عدم ذكر اسمه، حمّل حكومة الانقلاب مسئولية الوقوع في فخ أزمة الأموال الساخنة للمرة الرابعة خلال 6 سنوات على التوالي، مؤكداً أنها لم تتعلم من تجاربها المريرة التي شهدتها عقب أزمة انتشار وباء كوفيد-19 والحرب الروسية الأوكرانية؛ حيث تعمل على سد الفجوة التمويلية للموازنة العامة بنحو 20 مليار دولار سنوياً عبر الاقتراض وطرح أدوات دين حكومية بفائدة مرتفعة، منوهاً إلى أن خروج الأموال الساخنة بهذه الوتيرة هو مؤشر لأزمة كبرى ستواجه مصر في حالة استمرار الحرب وارتفاع حاجة الدولة لشراء النفط والغاز ومستلزمات الإنتاج والسلع وتمويل المشروعات الكبيرة المفتوحة والتي تحتاج إلى الدولار في أغلب مكوناتها.

وتوقع المصدر ألا تطول الحرب لفترة زمنية؛ لأن الأطراف المتحاربة لن تستطيع تحمل توابعها بسهولة، ومع ذلك يؤكد أنه من الوارد أن يشهد العالم أزمة مالية واقتصادية مكلفة، تستدعي أن تلتزم الدولة بعدم الانجراف نحو القروض والديون وأن تبدأ تقشفاً فعلياً في المصروفات العامة، وإلا وقعت في فخ الدولار المرتفع والديون شديدة الخطورة.