في خيمة مهترئة قرب شاطئ البحر في منطقة المواصي جنوب قطاع غزة، تحاول هند، الشابة البالغة 22 عاماً، إبقاء طفلها حديث الولادة دافئاً وسط برد الشتاء القارس.
ولد طفلها مصاباً بعدوى رئوية حادة، وما يزال يقضي أيامه داخل حاضنة في أحد المستشفيات القليلة التي بقيت تعمل في القطاع. تقول هند إن وزنها كان بالكاد يتجاوز 43 كيلوجراماً عندما أنجبت، بعدما عانت سوء تغذية حاداً طوال فترة الحمل، مضيفةً أن طفلها الآخر، الذي لم يتجاوز العام ونصف العام، مريض أيضاً بسبب البرد والرطوبة التي تتسلل إلى الخيمة.
هذه القصة ليست حالة فردية، بل نموذج لما تواجهه آلاف النساء في غزة. فبحسب تقرير جديد أصدرته منظمة العفو الدولية، فإن الأثر المدمّر والمتعدد الأبعاد لما تصفه المنظمة بالإبادة الجماعية التي تواصل قوات الاحتلال الصهيوني ارتكابها في قطاع غزة منذ نحو 29 شهراً دفع النساء والفتيات الفلسطينيات إلى حافة الانهيار الجسدي والنفسي.
ويشير التقرير إلى أن سياسات الاحتلال القائمة على القصف المكثف والتهجير الجماعي وفرض القيود على دخول المساعدات الأساسية خلقت ظروفاً معيشية قاسية تهدد بقاء السكان، وتلقي عبئاً مضاعفاً على النساء، خصوصاً الحوامل والمرضعات والمصابات بأمراض مزمنة.
كارثة إنسانية متعددة الأبعاد
وفق المنظمة الحقوقية، تواجه النساء في غزة سلسلة متشابكة من الأزمات تبدأ بالتهجير القسري الجماعي المتكرر، مروراً بانهيار منظومة الرعاية الصحية الإنجابية وصحة الأمهات وحديثي الولادة، وصولاً إلى انقطاع علاج الأمراض المزمنة مثل السرطان، وانتشار الأمراض المرتبطة بالمياه الملوثة وسوء الصرف الصحي.
كما تتفاقم هذه الأوضاع بسبب القيود المستمرة التي تفرضها إسرائيل على دخول المواد الأساسية اللازمة لبقاء المدنيين، بما في ذلك الغذاء والأدوية والمعدات الطبية ومستلزمات الإيواء ومواد تنقية المياه وإزالة الأنقاض والذخائر غير المنفجرة.
وتقول الأمينة العامة للمنظمة أنياس كالامار، إن النساء في غزة يدفعن ثمناً باهظاً للحرب المستمرة، مشيرة إلى أن حياة كثير منهن تحولت إلى “صراع يومي من أجل البقاء وسط سلسلة لا تنتهي من الكوارث”.
وتضيف أن النساء الحوامل والمرضعات، والأمهات اللواتي يعتنين بأطفال صغار، والنساء المصابات بأمراض مزمنة أو إعاقات، وكذلك الأرامل والنازحات اللواتي فقدن عائلاتهن، يواجهن أوضاعاً قاسية تجعل أبسط مقومات الحياة أمراً شبه مستحيل.
وترى كالامار أن ما يحدث ليس مجرد نتيجة عرضية للحرب، بل نتيجة مباشرة لسياسات إسرائيلية متعمدة تشمل التهجير القسري الجماعي وفرض قيود صارمة على المساعدات الإنسانية والمواد الأساسية.
شهادات ميدانية واسعة
ويستند تقرير المنظمة إلى سياق قانوني دولي متصاعد. ففي مارس 2025، لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بالأرض الفلسطينية المحتلة بما في ذلك القدس الشرقية والكيان، إلى أن سلطات الاحتلال دمّرت بصورة ممنهجة ومتعمدة منظومة الرعاية الصحية الجنسية والإنجابية في غزة.
ووفق اللجنة، فإن هذه الممارسات قد تندرج ضمن أفعال محظورة بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، بما في ذلك فرض ظروف معيشية يقصد بها التدمير المادي لجماعة سكانية، وفرض تدابير تستهدف منع الإنجاب داخل تلك الجماعة.
وبين 5 و24 فبراير 2026، أجرت منظمة العفو الدولية مقابلات مع 41 امرأة فلسطينيات جميعهن مهجرات قسراً، من بينهن ثماني مريضات بالسرطان وأربع نساء حوامل و14 امرأة أنجبن بعد إعلان ما سُمّي وقف إطلاق النار.
كما تحدث الباحثون مع 26 من العاملين في القطاع الصحي في ست منشآت طبية في مدينتي غزة ودير البلح، إضافة إلى أربعة موظفين في منظمات دولية إنسانية.
وتكشف هذه المقابلات صورة قاتمة لنظام صحي منهار بالكامل تقريباً، واقتصاد مدمر، وسكان يعيشون في ظروف نزوح قاسية دون خدمات أساسية.
ووفق بيانات وزارة الصحة في غزة، استشهد 630 فلسطينياً بين أكتوبر 2025 ونهاية فبراير2026، بينهم 202 طفل و89 امرأة. ويرتفع بذلك إجمالي عدد القتلى منذ بداية الحرب في 7 أكتوبر 2023 إلى أكثر من 72 ألف فلسطيني.
في الوقت نفسه، تشير التقديرات إلى أن نحو 60% من مساحة القطاع تقع شرق ما يعرف بـ"الخط الأصفر"، وهو نطاق تسيطر عليه قوات الاحتلال وميليشيات محلية مدعومة منها، ما أدى إلى تهجير معظم السكان وفقدانهم الوصول إلى الأراضي الزراعية التي كانت مصدر الغذاء الرئيسي.
انهيار نظام صحة الأمهات
من أخطر نتائج الحرب، بحسب التقرير، انهيار خدمات صحة الأمهات وحديثي الولادة.
فبحسب تقديرات منظمة الصحة العالمية، فإن نحو 60% من نقاط تقديم الخدمات الصحية في غزة خرجت عن الخدمة. أما المنشآت التي ما تزال تعمل فتعاني نقصاً حاداً في المعدات والأدوية والكوادر الطبية، ما يضع ضغطاً هائلاً عليها.
وتفيد أحدث بيانات وزارة الصحة بأن 46% من الأدوية الأساسية غير متوفرة إطلاقاً، بما في ذلك أدوية تحفيز المخاض وعلاج نزيف ما بعد الولادة وأدوية التخدير والمضادات الحيوية.
وبرغم توزيع بعض الإمدادات الطبية من قبل صندوق الأمم المتحدة للسكان وشركائه، فإن الاحتياجات ما تزال هائلة، في ظل تقديرات تشير إلى أن نحو 37 ألف امرأة حامل أو مرضعة قد يعانين سوء تغذية حاداً قبل أكتوبر 2026.
أطباء يعملون بأدوات محدودة
يقول الدكتور ناصر بلبل، طبيب حديثي الولادة في مستشفى الحلو بمدينة غزة، إن حالات الحمل عالية الخطورة ارتفعت بشكل كبير نتيجة ضعف مناعة الأمهات بسبب سوء التغذية.
ويضيف أن ظروف النزوح أدت إلى انتشار الأمراض المعدية، بينما تعاني معظم النساء اللواتي يصلن إلى المستشفى من صدمات نفسية عميقة نتيجة فقدان أفراد من عائلاتهن وتكرار النزوح.
ويضم المستشفى 12 حاضنة للأطفال الخدج، بينها ست مخصصة للعناية المركزة، لكنها تفتقر إلى أجهزة مراقبة القلب والتنفس الضرورية.
أما في مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح، فتقول رئيسة قسم التمريض في وحدة العناية المركزة لحديثي الولادة إن الطواقم الطبية اضطرت في بعض الحالات إلى إعادة استخدام معدات طبية مخصصة للاستعمال لمرة واحدة فقط، مثل أنابيب أجهزة التنفس.
وبحسب تقديرات الأمم المتحدة، تعمل وحدات العناية بحديثي الولادة في غزة بنسبة تتراوح بين 150 و170% من طاقتها الاستيعابية، إذ يتشارك أحياناً ثلاثة أطفال في حاضنة واحدة.
النزوح والجوع عبء نفسي هائل
وتعيش آلاف النساء في مخيمات نزوح مكتظة في غزة والمواصي ودير البلح ومخيم النصيرات.
وبرغم تحسن محدود في توفر الغذاء ومنتجات النظافة منذ بداية 2026، فإن كثيراً من النساء ما زلن عاجزات عن شراء هذه المواد بسبب ارتفاع أسعارها وانهيار الاقتصاد.
وتقول معظم الأمهات الجدد إنهن عانين صعوبة بالغة في الحصول على المكملات الغذائية أثناء الحمل، ما أدى إلى فقدان الوزن أو الإصابة بفقر الدم.
إحدى الأمهات، وتدعى مريم (22 عاماً)، أنجبت طفلها الأول قبل أوانه في ديسمبر 2025، لكنها لا تستطيع إرضاعه بشكل كافٍ بسبب سوء التغذية، كما تواجه صعوبة في تأمين الحليب الصناعي أو وسائل التدفئة في خيمتها.
وتصف القابلة ميسون أبو بريك، التي تعمل في مستشفى العودة، العبء النفسي الكبير الذي تتحمله الأمهات الجدد في غزة.
وتقول إن أصعب اللحظات هي عندما تضطر إلى مساعدة أم فقدت زوجها أو عائلتها بالكامل، ثم تجد نفسها مطالبة بالاعتناء بطفل حديث الولادة بينما تعيش في خيمة أو مركز نزوح. وتضيف أن كثيراً من النساء يعانين اكتئاب ما بعد الولادة أو قلقاً حاداً نتيجة الصدمات المستمرة.
مرضى السرطان بين الحرب والانتظار
وتعد النساء المصابات بالسرطان من بين الفئات الأكثر تضرراً من انهيار النظام الصحي. فبحسب التقرير، يحتاج أكثر من 18,500 مريض في غزة إلى علاج طبي عاجل غير متوفر داخل القطاع.
لكن عمليات الإجلاء الطبي بقيت محدودة للغاية بسبب قيود الاحتلال والإجراءات البيروقراطية المعقدة.
ومنذ الفتح الجزئي لمعبر رفح في فبراير 2026، ساعدت الأمم المتحدة في إجلاء 289 مريضاً فقط مع مرافقيهم عبر معبري رفح وكرم أبو سالم. ومع ذلك توقفت هذه العمليات بالكامل بعد العدوان المشترك الذي شنته إسرائيل والولايات المتحدة على إيران في نهاية فبراير.
ويقول أحد الممرضين في غزة إن القطاع لا يضم حالياً أي مستشفى يوفر العلاج الإشعاعي لمرضى السرطان. كما لا توجد أجهزة تصوير بالرنين المغناطيسي تعمل في القطاع، ما يجعل تشخيص الأمراض الخطيرة عملية شبه مستحيلة.
ويشير تقرير منظمة الأمم المتحدة للشئون الإنسانية "أوتشا"، إلى أن الاحتلال صنّف بعض المعدات المخبرية وأجهزة التشخيص على أنها مواد "مزدوجة الاستخدام"، ومنعت إدخالها إلى غزة.
كان مستشفى الصداقة التركي المنشأة الوحيدة المتخصصة بعلاج السرطان في القطاع، لكن القصف الصهيوني أجبر الطواقم الطبية على إخلائه في أكتوبر 2023، قبل أن يستخدمه جيش الاحتلال قاعدة عسكرية ويقوم بتفجير أجزاء منه في مارس 2025.
ويقول الطبيب هاني عياش، المدير السابق للعيادات الخارجية في المستشفى، إن فقدان هذه المنشأة شكّل ضربة قاسية للنظام الصحي في غزة، إذ كانت تضم أحدث معدات علاج السرطان في القطاع.
دعوات دولية للتحرك
في ختام تقريرها، تدعو منظمة العفو الدولية الدول إلى ممارسة ضغط دبلوماسي واقتصادي على إسرائيل لوقف هجماتها ورفع القيود المفروضة على دخول المساعدات الإنسانية.
كما تطالبت بالسماح بعمليات الإجلاء الطبي وتوفير خدمات الصحة الإنجابية وصحة الأمهات، إضافة إلى دعم المنظمات المحلية التي تقودها النساء في غزة.
وترى كالامار أن النساء في غزة يواصلن رغم كل شيء الحفاظ على تماسك المجتمع، سواء من خلال رعاية أسرهن أو العمل في التعليم أو المجال الطبي داخل الخيام والمستشفيات الميدانية.
وتضيف أن شجاعة هؤلاء النساء تمثل مصدر إلهام إنساني، لكنها تشدد في الوقت نفسه على أن المجتمع الدولي تأخر كثيراً في التحرك لوقف الكارثة الإنسانية المتفاقمة في القطاع.