الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على الهادي البشير الذي أرسله ربه رحمةً للعالمين.

        الحمد لله أن أذن لنا بعبادته، وأعاننا على الصيام والقيام، فهنيئا لمن وفقه الله إلى طاعته وهنيئا لمن صام الشهر وقامه إيمانا واحتسابا، وهنيئا لمن أدرك ليلة القدر فقامها إيمانا واحتسابا، وهنيئا لمن أدرك يوم الجائزة، ووفقه الله فيه لصلة الأرحام وتفقد الفقراء وإشاعة المحبة والفرحة بين الناس.

        لقد شرع الله عز وجل الأعياد لحِكمٍ ومقاصد أولها شكره سبحانه على نعمه، وتوفيقه لطاعته، وتكافلا بين المسلمين وتأكيدا لوحدة الأمة، كما شرع لنا فيه إشاعة الفرحة، رغم ما تعانيه الأمة من آلام وما يمر بها من أزمات وما يعتريها من نكبات، إلى أن يأذن الله بأن تتعانق فرحة العيد مع فرحة النصر المبين والفرج القريب لأمتنا، يوم نرى زوال الطغاة المتجبرين ويرد الله فيه كيد المعتدين وتتحرر الأوطان من المحتلين الغاصبين ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ ۖ قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيبًا﴾. (الإسراء: 51)

        يأتي العيد هذا العام وأمتنا الإسلامية تمر بمرحلة فاصلة ومتغيرات دقيقة وتحديات جسيمة فالعدو يـتربص بها ويسعى لاستئصالها وإضعافها وإضرام نيران العداوة  والبغضاء بين بلدانها في مخططات مفضوحة، وتحركات محمومة ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَـيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (الأنفال: 30).  "ومكر أولئك هو يبور" (فاطر: 10)

        ورغم كل ما يحاك لهذه الأمة من مكر وخداع، إلا أن وعد الله حق ونصره آت لا ريب فيه شرط انتصارنا لدينه واتباعنا لأوامره وسيرنا على نهجه وتخلقنا بما شرع لنا من أخلاق وسن لنا من نصرة المظلوم والأخذ على يد الظالم والانحياز إلى الحق ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج: 40) ويقول صلى الله عليه وسلم: "انصر أخاك ظالما أو مظلوما فقال رجل: يا رسول الله أنصره إذا كان مظلومـًا، أفرأيت إذا كان ظالمـًا كيف أنصره؟ قال: تحجزه - أو تمنعه - من الظلم فإن ذلك نصرَه".

        إن الأمة اليوم مدعوة لنصرة المظلوم والوقوف بجانبه والانحياز لما يحمل من حق في تحرير الوطن واستقلاله يقول صلى الله عليه وسلم: "ما من امرئٍ يخذل امرءًا مسلمـًا عند موطن تُنتهَك فيه حُرمتُه، ويُنتَقَص فيه من عِرضه، إلا خذله الله عز وجل في موطن يحب فيه نُصرته، وما من امرئٍ ينصر امرءًا مسلمـًا في موطن ينتقص فيه من عرضه، ويُنتهك فيه من حرمته إلاَّ نصره الله في موطن يحب فيه نصرته".

وإن أوجب الواجبات أمام الأمة في نصرة المظلوم هي ضبط البوصلة وإدراك ما يحاك لها والتوحد من أجل مواجهة التحديات، فالواقع يفرض على الجميع؛ حكاما ومحكومين، أحزابا وجماعات، أن تأخذ بكل الأسباب للوحدة والترابط والاجتماع على كلمة سواء لمواجهة معركة المصير الواحد ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾. (يوسف: 21)

 

إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا

        إن التطورات الأخيرة التي تشهدها المنطقة بإشعال الكيان الصهيوني نار الحروب فيها وتأجيج الصراع بين مكوناتها والسعي حثيثا لإضرام المواجهات بين دولها، هو الخطر الأكبر الذي يتهدد الأمة وينخر في كيانها ويستهدف وحدتها والتحامها.

        إن جماعة الإخوان المسلمون التي عبرت عن موقفها بشكل جلي وواضح في بيانها حول الأحداث الأخيرة، تدرك خطورة هذا المشروع الصهيوني الذي أِشعل المنطقة من خلال استهداف إيران، وما تبع ذلك من ضرب إيران لمقدرات دول الخليج وتدمير منشآتها المدنية وإزهاق الأرواح بين سكانها وترويع الآمنين من أهلها، بما يصب في صالح الصهاينة، ويتماهى مع الاستراتيجية الأمريكية التي تسعى لاستنزاف مقدراتنا وإضعاف دولنا من خلال إطالة أمد الصراع وإشعال الحروب بينها.

        إن وضوح الرؤية لدى دول المنطقة وإدراكها للعدو الحقيقي والتوحد في مواجهته والتصدي لمخططاته وعدم الوقوع في شراك التناحر بينها ووقف العدوان على دولها، هو البداية الحقيقية لمواجهة هذا المشروع الذي يدرك الجميع عداوته لأمتنا بينما يحجم الكثيرون منا عن اتخاذ الإجراءات التي تحفز على مواجهته والتصدي لأطماعه، يقول الله تعالى "إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا"، فلا يكفي أن نعرف عدونا، ولكن علينا أن نتخذه عدوا ونفوت عليه مخططاته ونقاوم مشروعه بكل السبل الممكنة.

        إن هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ أمتنا تستوجب من الحكومات أن تعود إلى شعوبها وتلتحم بإرادتها وتتترس بقوتها، وتسعى إلى التعاضد معها بهدف ترسيخ الوعي بطبيعة الصراع وإدراك ما يحيط بالأمة من عقبات، وما يواجهها من تحديات، كما تستوجب من الجميع توثيق الصلة بالله تعالى وحسن اللجوء إليه والسير على منهجه والاعتصام بحبله، فهذا هو الطريق الوحيد الذي يحمي الأمة من مصير مجهول.

 

الأقصى بلا مصلين

        إن فراغ المسجد الأقصى المبارك من المصلين خلال شهر رمضان ومنع الصلاة والاعتكاف فيه بعد أن كان عامرا بالزوار والمصلين، ومنع أكثر من نصف مليون مرتاد للمسجد من ممارسة عباداتهم على أرضهم المغتصبة تحت سمع ومرآى من العالم يعد سابقة لم تحدث منذ ستين عاما، مع استمرار العدوان على الأقصى ومحاولات تهويده والانتهاكات المستمرة لقدسيته، ومحاولة تغيير معالم المكان والزمان فيه، والسعي لإعادة الهيكل المزعوم- كل ذلك لا يدع عذرا لمتخاذل ولا حجة لصامت أو متردد..

        فالعدو يعلن عداءه بلا مواربة ويتخذ الإجراءات الإجرامية بوضوح وجلاء ويتعدى على المقدسات، ويسعى لتوسيع دائرة الاستيطان استغلالا لاشتعال المنطقة بالحروب، وانشغال المسلمين عن مقدساتهم، فهجمات المستوطنين على القرى الفلسطينية لم تتوقف واعتداءاتهم بالقتل والاستيلاء على مئات الهكتارات مستمرة وسط دعم من حكومة الاحتلال وسعي لبناء مزيد من المستوطنات في ظل واقع ينذر بكارثة محققة تغمض فيها كافة المنظمات الدولية، بل والعالم أجمع العيون عنها.

        إن صمت العالم عما يحدث من انتهاكات بما يتعارض مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، لا ينبغي أن يتبع بصمت مثله من المسلمين حكومات وشعوب، فالوحدة والنفرة في مثل الخطوب هي واجب لا يتأجل.

 

المواطن يدفع الثمن دائماً

        وفي مصر حيث يأتي العيد على الشعب وسط معاناة تتزايد وقيود تتراكم ومظالم تتضاعف، وأسعار ترتفع بما لا يطيقه الناس، بما يجعل الحليم حيرانا، بينما سلطة الانقلاب تراوغ وتتذرع بالمتغيرات الدولية والإقليمية والحروب التي تقع في المنطقة لتحملها أوزار ما اقترفته يداها من فساد وإفساد وإسراف في الإنفاق على المشروعات الوهمية وتوسع في سياسات الاقتراض بلا ضابط، وكأن الدولة في ظل الانقلاب وصلت لدرجة من الهشاشة الاقتصادية ما يجعلها عاجزة عن استيعاب الأزمات والأحداث، فلا تجد أمامها من طريق سوى الضغط على المواطنين والكادحين بكل قوة وبطش.

        إن سياسة سلطة الانقلاب الفاشلة جعلت الدولة بكل مقدراتها في مهب الريح لا تستطيع مواجهة التحديات أو توفير الأمان الاقتصادي للمستثمرين بسبب الفساد وانعدام الرؤية وهشاشة الاقتصاد وهو ما أدى إلى الخروج المتسارع من السوق المصري بما تجاوزت قيمته 7 مليار دولار خلال أيام معدودة، في الوقت الذي تصمد فيه اقتصادات الدول التي تقع الحرب على أرضها.

إن دولة يقوم اقتصادها على الديون من المؤسسات الدولية والاعانات وإهدار الأموال في غير الأولويات لن تصمد كثيرا أمام أبسط التحديات ليكون المواطن هو ضحية هذه السياسات المتخبطة والفاسدة.

 

من أخبار الجماعة

        أقامت جماعة الإخوان المسلمون إفطارها السنوي خلال شهر رمضان المبارك، والذي تزامن مع الذكرى 98 لتأسيس الجماعة، وحضره لفيف من النخب السياسية والدعوية من مختلف البلدان العربية والإسلامية.

        وشارك في حفل الإفطار عدد من الضيوف بكلمات أكدوا فيها على ضرورة الوحدة بين مكونات الأمة الإسلامية خاصة خلال هذه المرحلة الحساسة والدقيقة التي تمر بها، والتي تستوجب من الجميع الالتحام في مواجهة المخاطر التي تحيط بأمتنا العربية والإسلامية.

وأكدت جماعة الإخوان المسلمون في كلمتها على المخاطر التي تحيط بالأمة الإسلامية كما أكدت على إدانة الحرب الأخيرة ضد إيران وإدانة ضرب إيران أهدافا مدينة في دول الخليج، كما ركزت الكلمة على تاريخ الجماعة الممتد في ظلال الذكرى 98 لتأسيس الجماعة والدور الذي قامت به على مدار تاريخها لنشر الوعي في الأمة والسعي لنهضتها واستعادة مجدها.

        كما وجه الدكتور طلعت فهمي، المتحدث الإعلامي للجماعة، الشكر لكل الحضور والمشاركين في إحياء ذكرى تأسيس الجماعة من كل من مصر وتركيا ولبنان وتونس والسودان وفلسطين وأندونسيسا وباكستان والجزائر وتركستان وآركان وبنجلاديش وكشمير وجميع الهيئات والمؤسسات من مختلف دول العالم، كما استعرض تاريخ العطاء للجماعة خلال مسيرتها وامتداد أثرها في المشارق والمغارب حتى صارت ملهمة لجماعات وهيئات كثيرة.

        وكان من بين المشاركين بالكلمات الدكتور أيمن نور زعيم حزب غد الثورة والأستاذ إسلام الغمري القيادي بحزب البناء والتنمية والدكتور محمد شرف رئيس جبهة الضمير وممثلين عن أحزاب العدالة والتنمية والسعادة والرفاه التركية، كما شارك بالكلمة ممثل الجماعة الإسلامية في باكستان ونقيب المحامين الأتراك في اسطنبول، وعدد كبير من الدعاة الذين أرسلوا كلمات مسجلة للمشاركة في الفعالية.

والله أكبر ولله الحمد،،،


أ. د. محمود حسين
القائم بأعمال فضيلة المرشد العام لجماعة " الإخوان المسلمون "

الخميس 29 رمضان 1447 هجرية - الموافق 19 مارس 2026م

 


اضغط هنا لتحميل الرسالة PDF