شهدت سورية في العام الماضي حركة عودة واسعة للاجئيها من محتلف أنحاء العالم، شملت 1.3 مليون منهم، وفقاً لتقرير أصدرته المفوضية السامية للأمم المتحدة لشئون اللاجئين أخيراً، ما يعادل نحو ثلاثة أمثال عدد العائدين في عام 2024، لينخفض عدد اللاجئين السوريين من أكثر بقليل من ستة ملايين إلى 4.9 ملايين مع نهاية عام 2025.
وتعكس أرقام المفوضية الأممية رغبة لدى السوريين في العودة، إلا أنّ هذا القرار مرهون بتحديات وصعوبات، ولا يُعَدّ قراراً سهلاً بالنسبة إلى عائلات كثيرة، خصوصاً تلك التي تعيش حالة مستقرّة في دول اللجوء بعد الحصول على جنسية أو ارتباط أبنائها بالدراسة الجامعية مثلاً.
قرار العودة ليس سهلاً
يقول اللاجئ السوري في فرنسا محمد الطحان المتحدّر من حلب شمالي سورية لـ"العربي الجديد" إنّ "قرار العودة، وإن كان يراود كلّ شخص (لاجئ) غير أنّه ليس سهلاً"، مضيفاً أنّه "في الغالب لا يخصّ فرداً واحداً بل يحتاج إلى ترتيبات للعائلة كلها".
ويشير الطحان إلى أنّ "الأمر يزداد صعوبة بعد كلّ هذه السنوات في بلاد المهجر، بعدما عمل كلّ فرد وكلّ أسرة على إعادة بناء نفسيهما وترتيب أوضاعهما في المجتمعات الجديدة".
ويتابع الطحان أنّ "لدينا اليوم أجيالاً جديدة لا تعرف سورية أو بالكاد تعرفها، إذ انخرط الأطفال والشبّان في المدارس والجامعات وسوق العمل، وصارت عملية إقناعهم بترك هذه الحياة التي لم يعرفوا غيرها أمراً بالغ الصعوبة". إلى جانب ذلك، يتحدّث عمّا "يتداوله الناس عن صعوبات الحياة في سورية وقلة فرص العمل فيها، بالإضافة إلى صعوبات السكن، سواء بالنسبة إلى من كان يملك منزلاً وتهدّم، أو من يحتاج إلى استئجار مسكن وسط الارتفاع الفاحش في الأسعار".
ويوضح اللاجئ في فرنسا: "بالنسبة إليّ، لم يعد لديّ أقارب كثيرون في سورية اليوم، ومعظمهم هنا في فرنسا أو ألمانيا ودول أوروبية أخرى. كذلك فإنّ أولادي انخرطوا في الحياة هنا وأحدهم تزوّج من مواطنة فرنسية، ومن الصعب إقناعهم بالعودة إلى سورية"، لافتاً إلى أنّ "منزلنا في شرق حلب شبه مدمّر، ولا فرص عمل لهم بخلاف ما هي حالهم اليوم هنا؛ أولادي الثلاثة منخرطون في سوق العمل".
أسباب "قوية" للعودة إلى سورية
في المقابل، يقول المواطن السوري فيصل البكور إنّ "أسباب العودة إلى سورية كانت أقوى من أسباب البقاء في هولندا، مشيراً بحديثه لـ"العربي الجديد" إلى أنّ "العلاقات الاجتماعية هي من بين الأسباب الأساسية للعودة، بالإضافة إلى تكوين أسرة بعيداً عن النمط الأوروبي للتربية، إلى جانب صرامة القوانين في أوروبا".
يضيف أنّ "الرغبة في التملّك والاستقرار في الوطن من بين الأسباب التي تدفع إلى العودة"، كذلك يتحدّث عن "نقطة إيجابية أخرى وهي أنّني أستطيع مغادرة سورية إلى هولندا كوني حاصلاً على جنسيتها".
ومن دوافع العودة إلى سورية ما يرتبط بالعائلة. ويقول حكم المحمد، الذي عاد إلى الوطن أخيراً في زيارة قصيرة توجّه فيها إلى ريف دمشق، لـ"العربي الجديد" إنّ "الشوق للأهل، والرغبة في العيش في سورية، إلى جانب صعوبة العيش في بلاد اللجوء، كلّها دوافع فعلية للعودة والاستقرار". لكنّ ثمّة صعوبات تواجه العودة، أبرزها بحسب المحمد "صعوبات المعيشة وتكاليف السكن وقلّة فرص العمل وجودة التعليم التي ما زالت متدنية، إلى جانب ترقّب تحسن الأوضاع الأمنية". ويتابع المحمد أنّ "العودة تتطلب التأسيس لعمل وكذلك تأمين مسكن مناسب للعائلة. وفي الوقت الراهن تُعَدّ مثل هذه الأمور صعبة التحقيق، وقد أعمل لسنوات إضافية في خارج سورية حتى أتمكّن من العودة إليها والاستقرار فيها".
ظروف الحياة "معقولة"
من جهتها، تخبر المواطنة السورية عائشة البكار، من ريف دمشق، بأنّها عادت مع ابنتَيها إلى الغوطة الشرقية في ريف دمشق بعد أن توفي زوجها في ألمانيا، مشيرةً إلى اعتقادها بأنّ "ظروف الحياة صارت معقولة في سورية بعد رحيل النظام السابق".
وتضيف أنّ "السبب الرئيسي لمغادرتنا سورية في عام 2012 كان الخوف من الاعتقال، إذ كان زوجي ينشط في العمل الإنساني ومساعدة النازحين"، علمأً أنّها استقرّت مع عائلتها فترة من الزمن في تركيا قبل أن تكمل طريقها إلى أوروبا.
وتلفت البكار إلى أنّ أقارب لها كانوا قد عادوا إلى سورية في وقت سابق، الأمر الذي جعلها تتّخذ القرار نفسه. وتتابع: "عملت بمساعدة أقارب ومعارف لترميم منزل العائلة في بلدة سقبا، وسجّلت ابنتَي في المدرسة؛ في المرحلتَين الإعدادية والثانوية". وعلى الرغم من الصعوبات التي تواجهها اليوم، تقول البكار: "لستُ نادمة على قرار العودة، وأظنّ أنّ الأمور تتّجه إلى الأفضل يوماً بعد يوم".
ووفقاً لبيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشئون اللاجئين، شهدت محافظات حلب وحمص وإدلب حركة عودة مكثّفة للاجئين حتى أواخر مايو 2026، فقد عاد إلى إدلب نحو 239 ألفاً، ونحو 233 ألفاً إلى حلب، ونحو 206 آلاف إلى حمص، ونحو 286 ألفاً إلى دمشق، فيما عاد نحو 212 ألفاً إلى محافظة ريف دمشق ونحو 166 ألفاً إلى محافظة حماة.