تتصاعد اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية بوتيرة غير مسبوقة، وسط حماية مباشرة من قوات الاحتلال الصهيوني، في مشهد بات يجسد واقعا يوميا يعيشه الفلسطينيون بين الاعتداء على الأرواح والممتلكات، واقتحام المنازل، وسرقة المواشي، وفرض التهجير القسري على التجمعات السكانية، لا سيما في مسافر يطا والأغوار ومناطق جنوب الخليل. وفي ظل هذا التصعيد، تتوالى التحذيرات الحقوقية والدولية من خطورة سياسات الاحتلال التي تدفع نحو تفريغ مناطق واسعة من سكانها الفلسطينيين، بينما تتزايد الدعوات لمحاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات.
مسافر يطا.. إرهاب منظم تحت حماية الاحتلال
تحولت مسافر يطا إلى واحدة من أكثر المناطق استهدافا في الضفة الغربية، مع تكرار هجمات المستوطنين التي تشمل الاعتداء على الأهالي، واقتحام المنازل، وتخريب الممتلكات، وسرقة المواشي، وإجبار العائلات الفلسطينية على الرحيل، في ظل حماية توفرها قوات الاحتلال للمهاجمين.
ويرى مراقبون أن ما يجري في المنطقة يتجاوز كونه "احتكاكات" بين مستوطنين وفلسطينيين، ليعكس نمطا منظما من الاعتداءات الهادفة إلى فرض واقع جديد على الأرض عبر الإرهاب والتهجير.
تحريض علني على التهجير
وفي سياق تصاعد خطاب التحريض، نشر المستوطن إليشاع يارد تغريدة عبر منصة "إكس" دعا فيها إلى تنفيذ هجمات وتهجير الفلسطينيين من الضفة الغربية، مطالبا بقراءة الفصل الأسبوعي من التوراة من الإصحاح 33، الذي يتضمن دعوة إلى التهجير، في خطوة تعكس تصاعد الخطاب الداعي إلى استهداف الفلسطينيين وإفراغ أراضيهم.
موقف الأمم المتحدة
أكد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشئون الإنسانية "أوتشا" أن اعتداءات المستوطنين، إلى جانب إجراءات الاحتلال، أسهمت في ارتفاع وتيرة تهجير الفلسطينيين في الضفة الغربية.
وأوضح المكتب أن استمرار العدوان على مخيمات الضفة، وتشديد القيود على الحركة، وعمليات الهدم، والتوسع الاستيطاني، وعنف المستوطنين، كلها عوامل أدت إلى تهجير مزيد من الفلسطينيين، وفاقمت مخاطر الحماية، وقلصت فرص الوصول إلى السكن وسبل العيش والخدمات الأساسية.
وأشار "أوتشا" إلى أن عمليات الهدم منذ بداية يوليو/تموز الجاري أدت إلى تهجير 67 فلسطينيا وهدم 24 منشأة، بينها منشأتان مولتهما جهات مانحة لدعم الفلسطينيين المحتاجين.
كما أوضح أن هجمات المستوطنين وعمليات الهدم منذ مطلع العام الجاري تسببت في تهجير أكثر من 3200 فلسطيني، بمعدل 17 شخصا يوميا، وهو ضعف المعدل المسجل خلال السنوات الثلاث الماضية.
وجدد المكتب الأممي دعوته إلى احترام القانون الدولي الإنساني، وضمان حماية المدنيين والبنية التحتية المدنية.
اعتداءات متزامنة في نابلس والخليل ورام الله
وشهدت عدة مناطق في الضفة الغربية، الجمعة، سلسلة هجمات جديدة للمستوطنين، أسفرت عن إصابات بين الفلسطينيين.
ففي بلدة بيت فوريك شرق نابلس، أصيب مواطنان بعد تعرضهما للضرب على أيدي مستوطنين هاجموا المواطنين والمزارعين، قبل أن تقتحم قوات الاحتلال البلدة وتطلق الرصاص وقنابل الغاز، وتغلق حاجز بيت فوريك أمام حركة المركبات.
وفي خربة أصفي بمسافر يطا جنوب الخليل، أصيب تسعة فلسطينيين، بينهم أربع نساء، إثر هجوم شنه مستوطنون حاولوا سرقة أغنام تعود لعائلة عوض، فيما اعتقلت قوات الاحتلال الطفل محمد إسماعيل عوض (15 عاما) عقب اقتحامها المنطقة لحماية المستوطنين وقمع الأهالي.
كما أصيب عدد من المواطنين، بينهم أطفال ونساء، في هجوم آخر للمستوطنين على منطقة حوارة في مسافر يطا، تزامن مع اعتقال قوات الاحتلال عددا من المواطنين.
وفي السياق ذاته، أفادت منظمة "البيدر" الحقوقية بإصابة عدد من المواطنين، بينهم أطفال ونساء، إثر هجوم نفذته مجموعات من المستوطنين على تجمع بدوي، مؤكدة استمرار الاعتداءات التي تستهدف التجمعات البدوية وسكانها وممتلكاتهم.
حماس: إرهاب المستوطنين سياسة رسمية
ورحبت حركة المقاومة الإسلامية حماس بتقرير منظمة العفو الدولية الذي وثق ارتكاب الاحتلال جريمة تطهير عرقي بحق الفلسطينيين في الضفة الغربية.
وأكدت الحركة أن إرهاب المستوطنين ليس أعمالا فردية، بل جزء من حملة ممنهجة تقودها وتدعمها حكومة الاحتلال رسميا، معتبرة أن صمت المجتمع الدولي وتقاعسه عن وقف هذه الانتهاكات يشكل وصمة عار ويمنح الاحتلال غطاء لمواصلة جرائمه.
وطالبت حماس بتفعيل الملاحقة القانونية لقادة الاحتلال أمام المحكمة الجنائية الدولية، وفرض عقوبات رادعة عليهم، وقطع العلاقات مع الاحتلال.
أرقام تكشف اتساع دائرة الاعتداءات
وتعكس الإحصائيات الرسمية حجم التصعيد المتواصل في الضفة الغربية، إذ سجل النصف الأول من عام 2026 نحو 11,074 اعتداء نفذتها قوات الاحتلال والمستوطنون، وفق هيئة مقاومة الجدار والاستيطان.
وبحسب الهيئة، نفذ المستوطنون منذ مطلع العام 3,488 اعتداء، أسفرت عن استشهاد 17 فلسطينيا، وتهجير 18 تجمعا بدويا بالكامل و8 تجمعات جزئيا، إلى جانب إقامة 42 بؤرة استيطانية جديدة، غالبيتها رعوية، بينها أربع بؤر أقيمت في أراض مصنفة (ب).
واقع يتجه نحو مزيد من التهجير
ومع استمرار الاعتداءات اليومية، واتساع رقعة الاستيطان، وتزايد عمليات الهدم والتهجير، يحذر الفلسطينيون والمؤسسات الحقوقية من أن الضفة الغربية تشهد سياسة ممنهجة تستهدف تقويض الوجود الفلسطيني، في ظل غياب إجراءات دولية فاعلة تكفل حماية المدنيين ووقف الانتهاكات المتواصلة.