الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين وبعد..
نتقدم بخالص التهنئة لأمتنا الإسلامية بمناسبة العام الهجري الجديد، مستذكرين معالم الهجرة النبوية الشريفة الـتي وضعت حَجَر الأساس للدولة الإسلامية الأولى، فغـيَّرت وجه العالم، وأنقذت البشرية من براثن الجهل، وقوانين الغاب، وحضارات المادة ، وأخذت بيدها إلى نور العلم والإيمان، وشريعة العدل والرحمة.
إننا ونحن نستقبل العام الجديد نستحضر بكل فخر واعتزاز تاريخ أمتنا العريق {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} (آل عمران: 110)، حيث وضع نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم لبنتها في المدينة المنورة، فآخى بين المهاجرين والأنصار وخطَّ المواثيق والعهود مع يهود المدينة، وأسس الأسواق ومنع الاحتكار والغش، وخاطب الملوك والأمراء ورؤوس القبائل، ثم جاء من بعده الخلفاء الراشدون، ثم بلغ الإسلام ما بلغ، حيث اتسعت دولته وترامت أطرافها، وعمت حضارته الآفاق في عهد الخلافة الأموية والعباسية والعثمانية.
وكطبيعة الدورات الحضارية، ووفق سنن الله في التدافع بين الحق والباطل؛ تسلط على أمتنا الأعداء من داخلها ومن خارجها؛ لمحاربتها وحرْفِها عن أداء رسالتها، لكننا نؤمن بيقين أن هذه الأمة الوسط سوف تستعيد مكانتها وتتبوأ ريادتها وتعود لسابق مجدها، وأننا في مرحلة عابرة لن تدوم بإذن الله، مهما تعالت أصوات المتكبرين، وارتفعت رايات المبطلين، وأن وعد الله لعباده المؤمنين بالنصر لن يتخلف إنْ تمسكوا بكتاب ربهم وسنة نبيهم وشِرعة دينهم {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ ۖ قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيبًا} (الإسراء : 51).
ولكي تستعيد الأمة دورها الحضاري والإيماني الذي اختصها الله به؛ فإنها مطالبة اليوم بأن تجمع شتاتها وتوحِّد صفها، سيرًا على منهاج من سبقونا من الصحب والتابعين، ووفاءً للأمانة الـتي أوكلها الله للناس: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} (اﻷحزاب: 72).
إن أمتنا اليوم في أشد الحاجة إلى هجرة جديدة حقيقية، تُهجر فيها الذنوب والمعاصي إلى الطاعات ورضا الله عز وجل، ويُهجر فيها الجهل والتخلف إلى العلم، ويُهجر فيها الحرص على الدنيا إلى التضحية بكل غالٍ ونفيس، ويُهجر فيها الذل والتبعية إلى العزة والاستقلال، وتُهجر فيها الدعة والتواكل والكسل إلى الأخذ بكل الأسباب والوسائل ، ويتم فيها التعامل مع الحاكم كأجير، كما كان نهج الراشدين رضوان الله عليهم؛ لتكون للشعوب مكانتها وحريتها، وحينها يتجدَّد الأمل ويتبدَّد الظلام، ويأذن الله بميلاد جديد لهذه الأمة، فليس بعد الظلمة إلا النور، وإنا على هذا الدرب ماضون، لا نيأس؛ فليس اليأس من أخلاقنا، وحقائق اليوم أحلام الأمس، وأحلام اليوم حقائق الغد .
واجبات الوقت أمام تحديات متزايدة
إن الأمل الذي يحمله كل صادق ويعتلج في صدر كل غيور، لا يجعلنا بمنأى عن إدراك التحديات الخطيرة التي تتزايد وتتعاظم تبعاتها يومًا بعد يوم، فها هو الكيان الصهيوني الغاصب يواصل -بدعم أمريكي- إشعال الحروب في المنطقة؛ ضمانًا لهيمنته وإضعافًا لدولنا وإخضاعًا لشعوبنا.
ففي غزة يسعى العدو للسيطرة على نحو 70% من القطاع، ضاربًا عرض الحائط بكل الالتزامات، ومتغافلًا عن جميع الوسطاء، ومتجاهلًا كل الضامنين، وغير مكترث بالقرارات الدولية، رافضًا الالتزام بأي جداول زمنية للانسحاب، مستهدفًا تحويل غزة إلى "معازل أمنية".
وفي الضفة والقدس الشريف يسعى الاحتلال لتكثيف الاستيطان، والسيطرة على مزيد من الأراضي، وفي لبنان تستمر الحرب العدوانية التي تنتهك سيادتها وتسعى للسيطرة على مزيد من أراضيها، وتوجيه الضربات إلى عُمقها الجغرافي وتكوينها الديموغرافي والاجتماعي وارتكاب الفظائع، وانتزاع تنازلات سيادية وسياسية عجز الاحتلال عن تحقيقها في ميدان النزال.
كما استمرت الخروقات العسكرية الصهيونية والأمريكية لاتفاق الهدنة مع إيران، وما ترتب عليها من اعتداء إيراني على عدد من دول الخليج حتى الأيام القليلة الماضية، وقبل الحديث عن اتفاق بين واشنطن وطهران.
إن واجب الوقت يحتم على الحكومات العربية والإسلامية، خاصة الدول الضامنة للاتفاقات، أن تمارس دورها بكل قوة لإلزام الاحتلال بكافة التعهدات، والانتقال من موقع الوساطة الشكلية إلى الضغط الحقيقي لوقف العدوان، وضمان إدخال المساعدات الإنسانية إلى غزة دون قيود، وإذا لم تتحرك الأمة – شعوبًا وحكومات – لتشكيل جبهة ضغط حقيقية تتجاوز لغة البيانات الدبلوماسية، فإن "قضم غزة" سيكون المخطط التجريبي الأول لما سيحدث لعواصم ومناطق أخرى، وإذا لم تفرض دول المنطقة مجتمعة معادلة أمنية مستقلة؛ فإنها ستجد نفسها مضطرة لدفع أثمان هائلة لمعركة لم تخترها، ولصالح مشاريع دولية وإقليمية لا تضع أي اعتبار لاستقرار هذه الشعوب ونمائها.
الرئيس مرسي .. حكاية وطن
إن هذا الواقع الذي نمر به اليوم يذكِّرنا – ونحن نعيش في ظلال ذكرى استشهاد الرئيس الدكتور محمد مرسي – بأن نهضة الشعوب تكمن في استقلال إرادتها واختيار حكامها، وحقها في امتلاك غذائها ودوائها وسلاحها، و يؤكد ذلك أن السنة التي حكم فيها الرئيس الشهيد لم تكن مرحلة عابرة في تاريخ مصر، ولكنها كانت -ولا تزال- معلمًا بارزًا لمرحلة توقف عندها التاريخ؛ فغيَّرت مجراه، وكانت بمثابة الحد الفاصل بين عصور الاستبداد والحكم العسكري وبين مرحلة الحكم المدني التي شكلت واقعًا جديدًا وإطارًا مختلفا عن السياق الذي مرت به مصر منذ عام1952، وأن هذا العام قد كشف عن آماله وتطلعاته نحو الاستقلال والحرية والعيش بكرامة، كما أزال الغبار عن معدن الشعب المصري وعن وجدانه الحقيقي وهُوِيَّته الأصيلة واهتمامه بقضايا أمته الجريحة.
لقد تركت مرحلة الاستبداد التي مرت بمصر عبر عقود مظلمة آثارًا غائرة وملامح قاتمة وتأثيرات مفجعة حتى يومنا هذا؛ حيث تراكمت المظالم والهزائم والنكسات، وارتفعت وتيرة الفشل الاقتصادي والتردي الاجتماعي والتدهور القيمي، والابتعاد عن مقومات الهوية المصرية والإسلامية الأصيلة.
إنها مرحلة ما زالت تغرس أنيابها في كيان مصر كلها، وتترك آثارها على شعبها ظلمًا وبغيًا وطغيانًا، وقد كانت ثورة يناير 2011 بمثابة الوقت المستقطع من سلسلة الهزائم، والسبب الذي تعلَّق به شَعْبٌ ذاق الويلات بعد عقود من المحن والأثقال التي ناءت عن حملها الجبال.
لقد أفرزت "يناير" أول تجربة ديمقراطية في تاريخ مصر؛ لتكون بمثابة الأمل الذي بدا للمصريين بعد عقود عجاف وسنوات خدَّاعات، فعاد المغتربون وتحمس الشباب واجتمعت إرادة الشعب على كلمة سواء، وانتُخب برلمان ورئيس بأعلى درجات الحضور الشعبي والمشاركة الجماهيرية.
وقد كان حَدْسُ الشعب المصري صائبًا عندما وقع اختياره على عالم كبير وقائد فذ وراعٍ يدرك حجم المسؤولية التي كُلِّف بها، والأمانة التي وضعها الشعب على كاهله؛ فلم يفتر ولم يتوان، بل بذل وضحى وأخلص لشعبه.
ثم جاء الانقلاب على هذا الأمل؛ ليكون طعنة في قلب شعب حر أبي، قدم الشهداء وضحى بالغالي والنفيس بغية الوصول إلى لحظة الخلاص من الاستبداد، فما لبث أن عاد إليه على يد بٌغاة ضّنُّوا على الشعب بهذا المُنجز وبخلوا عليه بهذه النقلة الحضارية التي ترقبها على مدار عقود من الزمان، .وغلبت شهوتهم في القهر والاستكبار والتعذيب وأكل المال الحرام على انحيازهم لشعبهم المنهك الذي يكتوي بنيران الأسعار والحوادث التي بلغت أعلى معدلاتها عالميًّا في مصر.
إن شعلة هذا الأمل لن تنطفئ، ولن يخفت نورها في نفوس الكبار الذين كانوا وما زالوا يقدِّمون التضحيات ويدفعون الأثمان تلو الأثمان؛ حِسْبةً لله تعالى ورغبة في ارتقاء الوطن إلى مسالك المجد.
رؤيتنا.. جماعة واحدة ..قيادة واحدة
تمرّ الجماعة اليوم بمرحلة دقيقة من تاريخها، شهدت فيها تباينات داخلية وتحديات خارجية أثّرت على وحدة صفّها وأدائها العام، وأمام هذا الواقع الذي يتهدَّدها تقف مستحضرة أصولها الراسخة وتجربتها التاريخية في مواجهة المحن والأزمات، والتي أكدت فيها علي أن العاصم - بعد الله عز وجل وتوفيقه - هو الاجتماع والوحدة لا الفرقة والانقسام، وأن التحام الصف ووحدته على أصول الجماعة وثوابتها؛ بات ضرورة ملحة لا مناص منها ولا سبيل لتأجيلها ولا مجال لتجاهلها، وأنّ تعدد الاجتهادات داخل الجماعة يمكن أن يكون مصدر قوة لا انقسام، إذا أُدير بالشورى والمؤسسية، وأن استعادة وحدة الجماعة الفكرية والتنظيمية والوجدانية، وإعادة بناء الثقة بين أبناء الجماعة؛ هدف أسمي يؤسِّس لإدارة جماعية رشيدة وشورى حقيقية؛ كي تستعيد الجماعة دورها الإصلاحي في ضوء مقاصد الإسلام وثوابته.
ومن هذا المنطلق فإننا نؤكد علي ما يلي:
أولاً: أن جماعة "الإخوان المسلمون" وحدة واحدة وكل لا يتجزأ، وأن مجلس الشورى العام بكامل هيئته المعتمدة-في الداخل والخارج-هو المرجعية الأعلى للجماعة، وما يقرره بالأغلبية ملزم للجميع أفراداً ووحدات.
ثانياً: أن الجماعة لها قيادة واحدة، ممثلة في فضيلة المرشد العام الدكتور "محمد بديع" -فك الله أسره- وإخوانه، ومجلس الشورى العام هو الوحيد صاحب الحق في اختيار القائم بعمل فضيلة المرشد العام في ظل الوضع الحالي للجماعة، وأن الأصل في إدارة الجماعة هو نتاج هياكلها الإدارية المنتخبة والقائمة، وليس ما تنتجه بعض ظروف الواقع، فالمسؤولية في الجماعة تكليف لا تشريف.
ثالثاً: الجماعة لا تبني مواقفها أو تصوراتها على هوى النفس أو النزعات الفردية المرفوضة، بل كانت وما زالت- بعون الله- تبنى مواقفها وقراراتها وفق منهاجها ولوائحها ونظامها الأساسي الذي يضبط العمل بكافة مؤسساتها وفروعها المختلفة على كافة المستويات، وعلى الجميع أن يلتزم بها.
رابعاً: أن اللوائح والنظم تحتاج إلى تطوير ومراجعة دائمة، ولكن وفقًا لما يتم تحديده والتوافق عليه عبر الحوار داخل مؤسسات الجماعة، ومجلس الشورى العام هو صاحب الحق الأصيل في إدخال ما يلزم من تعديلات عليها.
خامساً: أن منهج الجماعة في التغيير في مجتمعاتنا المسلمة هو منهج سلمي متدرج، لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال تربية الفرد تربية إسلامية صحيحة، باعتباره أداة التغيير، وإصلاح المجتمع بالوسائل المشروعة؛ لأن العنف لا يولّد إلا عنفًا وخرابًا يتعارض مع مقاصد الإسلام وغاياته السامية.
مع التمييز بين المقاومة المشروعة ضد الاحتلال والعدوان الخارجي والعنف الداخلي بين أبناء الوطن الواحد، فالأول "جهاد مشروع"، والثاني "فتنة محرّمة"، وهذا المبدأ ليس مجرد شعار يُرفع أو خيارًا ظرفيًّا، بل هو منهج أصيل وعقيدة راسخة تنطلق من فهم عميق لرسالة الإسلام في الإصلاح والرحمة والمؤاخاة وتحقيق العدل، وقد انعكس ذلك في سلوك الجماعة وأدبياتها ومواقفها على مدار تاريخها الطويل.
سادساً: أن الجماعة أكدت مرارًا وتكرارًا حرصها الشديد على لمِّ الشمل وعودة الأمور لتكون جماعة واحدة بقيادة واحدة ومجلس شورى واحد ضمن الثوابت والقيم المتعارف عليها، وأننا نقدِّر كافة الجهود والمبادرات التي تهدف إلى تحقيق هذا الهدف، والجماعة لديها المرونة الكاملة في التعامل مع كافة ما يطرح من أفكار أو مبادرات بناء على ما تقدم من منطلقات وأسس، والتي تمثل الحد الأدنى الذي تتحقق به عودة الجماعة كيانًا واحدًا وقيادة واحدة، بشكل صحيح ومؤسسي.
والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.
والله أكبر ولله الحمد،،،
أ. د. محمود حسين
القائم بأعمال فضيلة المرشد العام لجماعة " الإخوان المسلمون "
الإثنين 29 ذو الحجة 1447 هجرية - الموافق 15 يونيو 2026م