الحمد لله رب العالمين، أكمل دينه وأتم نعمته ورضي لنا الإسلام دينًا، والصلاة والسلام على الهادي البشير، خير من صلى وصام، وخير من طاف بالبيت الحرام، وبعد..

        لقد امتنَّ الله تعالى على هذه الأمة بفريضة الحج؛ فجعلها ركنًا من أركان الإسلام، ورسالةً لتعزيز التوحيد، وتطهيرًا للنفوس من الخطايا والذنوب، وشعارًا لوحدة الأمة والمساواة بين أبنائها على اختلاف ألسنتهم وألوانهم، يرفعون أصواتهم بنداء واحد وتلهج قلوبهم قبل ألسنتهم بالتلبية: "لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ، وَالنِّعْمَةَ، لَكَ وَالْمُلْكَ، لاَ شَرِيكَ لَكَ ".

        إنه الإذعان الكامل والانقياد التام لأمر الله عز وجل {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} (آل عمران: 97)، والاستجابة لنداء سيدنا إبراهيم -عليه السلام- الذي أذَّن في الناس، كل الناس، بالحج؛ فيستجيب لندائه من وفقه الله لاتباع خاتم الأنبياء والسير على نهجه، قال تعالى: {وأَذِّن في الناس بالحج يأتوك رجالًا وعلى كل ضامرٍ يأتينَ من كلِّ فجٍ عميقٍ} (الحج: 27).  وها هم أتباع النبي الخاتم يُهْرَعون للنداء من كل حدب وصوب، ويجتمعون من كل أصقاع الأرض؛ استجابة لنداء من سمَّاهم ربهم بالمسلمين من قبل، مِلَّتُهم الحنيفية السمحاء، وأبوهم أبو الأنبياء إبراهيم، عليه وعلى حبيبنا وقدوتنا محمد أفضل الصلاة وأتم السلام.

        إن هذا الجمع المبارك في تلك البقعة المباركة وفي هذا الوقت المبارك يستحضر في النفوس عميق الإيمان، ويستدعي من القلوب مرافئ اليقين، ويستنهض فيها محبة الله تعالى ومحبة عباده الصالحين، بعد أن تجردوا من الدنايا وخلعوا رداء الدنيا؛ فزالت بينهم الفوارق، وارتقت أرواحهم وسمت نفوسهم، يطوفون حول البيت العتيق، ويقفون في صعيد واحد في خير يوم طلعت فيه الشمس، يتلمَّسون رضا مولاهم، ويترقَّبون مغفرته ورضوانه، ويرجون رحمته ويخافون عذابه.

        إنها رسالة الأمة الواحدة للبشرية كلها وللناس جميعًا؛ أنْ هَلُّموا واستجيبوا لنداء ربنا وربكم، فلسنا عِرقًا أو جنسًا يتعالى على الخلق، ولكننا أمة ينخرط فيها من استجاب لنداء ربه، ويلحق بها من آمن بالله الواحد القهار، يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: «أيها النّاسُ إن رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وإنّ أَبَاكُمْ واحِدٌ، كُلكُّمْ لآدمَ، وآدمُ من تُراب».

        إن اجتماع الحجيج في صعيد واحد إنما هو فرصة أتاحتها تلك الشعيرة الربانية؛ ليتدارس المسلمون شؤون دينهم وأحوال أمتهم، ويتدارسون فيها أصول عقيدتهم الصافية وشريعتهم الوافية وطريقهم المستقيم، فتجتمع كلمتهم ويلتئم شتاتهم، وها هو النبي صلى الله عليه وسلم يرسم هذا الطريق في حجته فيقول: " فاعقلوا أيها الناس قولي، فإني قد بلغت، وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدًا؛ كتاب الله وسنة نبيه».

        يقول الإمام حسن البنا:" إن أمتنا اليوم بحاجة لتفعيل غايات الحج الكبرى؛ ليكون مؤتمرًا جامعًا يناقش قضايا الأمة الكبرى والتوحُّد على كلمة سواء أمام الأخطار، فطالما تعالت أصوات الغرب من كل جانب بكلمات اخترعوها لأنفسهم، وابتدعوها يريدون بها التهام الضعفاء والعدوان على الآمنين، هذه الأمة لأحق بهذه النعوت والأوصاف، لا بدعة تُبتدع ولا خدعة يُستتر من ورائها، ولكن حقًّا مقدسًا سجّله الله في كتابه يوم أنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ..} (آل عمران: 110).

 

ستة وسبعون عامًا على تأسيس المشروع الصهيوني

        إن أمتنا الإسلامية اليوم وهي تطالع هذا الموقف المهيب، حقيق لها أن تجتمع إرادتها وتستجمع طاقتها لمواجهة الأخطار التي تحيط بها، والتي يتقدمها بلا منازع المشروع الصهيوني الغادر، الذي تمر خلال هذه الأيام الذكرى السادسة والسبعون لتأسيسه وغرسه في كيان الأمة.

        لقد أبلى أهل فلسطين عامة وأبناء غزة العزة خاصة بلاءً كبيرًا؛ فبذلوا أقصى الطاقة وأوسعوا منتهى الجهد، وضحَّوا بالأرواح والمهج من أجل مقاومة هذا المشروع، وبقيت الأدوار الواجبة على الأمة لا يرتفع الحرج عنها إلا بإعادة بناء الأمة من جديد والسعي الدؤوب لاستعادة وحدتها والتئام شملها واسترداد لُحْمتها؛ لتكون مهيبةً مهيأة للتخلص من هذه الثلمة التي مُنٍي بها جسد الأمة، والتي لا تلتئم إلا باجتماع القلوب، ووحدة المساعي للخلاص من هذا المشروع الشيطاني.

        إن أخطار المشروع الصهيوني لم تتوقف عند حدود فلسطين واحتلال المسجد الأقصى المبارك، واستمرار العدوان على قطاع غزة الذي يقدم كل يوم مزيدًا من التضحيات، ويرتقي فيه مزيد من الشهداء، ولكنها امتدت إلى محيط المنطقة كلها في لبنان وسوريا، بل وامتدت لتشعل نار الحرب من خلال العدوان على إيران، بل والتحرش بمصر وتركيا والجزائر والصومال، ودفع المنطقة كلها إلى حافة الهاوية، والفوضى العارمة.

 

من يوقف العبث بأركان الأسرة المصرية ؟

        وفي مصر حيث تزداد التحديات وتتوسع المظالم وينتشر الفقر بين جنبات المجتمع كأنه وحش كاسر وتتعاظم الأزمات، حتى طالت هذه المرة كيان الأسرة الذي جعله الإسلام من أقدس الروابط، وحث على التئامها وجمع شتاتها والحفاظ عليها، وجعلها الركن الركين من استقرار الأمة كلها وبقاء شوكتها وريادتها في العالمين، فإنْ صحت نسبة الأسرة المسلمة إلى دينها كانت يومئذ الأمة أقرب إلى تحقيق مرادها والوصول إلى أهدافها.

        فاليوم يتعرض هذا الصرح الكبير إلى تحديات هائلة ومحاولات لتفتيته وإضعافه، وهو ما بدا واضحًا من السعي الدؤوب لسلطة الانقلاب التي لم تكتف بتدمير مقدرات الوطن الاقتصادية، وتقزيم دور مصر العالمي على جميع الأصعدة، فبدأت في تدمير نسيج الوطن وضرب خاصرة المجتمع بتعديلات مشبوهة على قانون الأحوال الشخصية.

        وبدلًا من علاج المشكلات والعوار الذي يعتري قوانين الأسرة التي تم تشويهها على مدار عقود من الاستبداد؛ توجهت سلطة الانقلاب إلى مزيد من العوار القانوني والسعي نحو تدمير الأسرة المصرية بشكل لا يصدقه عاقل، ولا يقبله منصف وطني، بمخالفتها الصريحة لمقاصد الشريعة الإسلامية.

        إن هذه التعديلات الجديدة، التي لم تمر على مؤسسات شرعية متخصصة أو تخضع حتى لنقاش اجتماعي صحيح من العلماء والاختصاصيين، تسعى بشكل واضح لصناعة الاختلافات داخل الأسرة بدلًا من تجفيف منابع الشقاق والخلاف فيها ورأب الصدع داخلها، فيتحول الزواج من ميثاق غليظ تحكمه الرحمة والمحبة، إلى ساحة من الصراع بين الزوجين؛ من خلال دس تشريعات يتم فيها التوسُّع في حالات الطلاق.

        إن الواقع الذي تعيشه الأسرة اليوم في مصر يعاني من تزايد حالات الطلاق التي وصلت إلى ما يقرب من 750 حالة طلاق يوميًّا، بمعدل حالة طلاق كل دقيقتين! فضلًا عن وجود تسعة ملايين طفل يعانون مشكلات الانفصال بين الأزواج ويعيشون في بيوت غير مستقرة.

        وبدلًا من السعي لعمل تشريعات واتخاذ إجراءات لرأب الصدع وسد فجوات الخلاف بين أركان الأسرة، والسعي لتخفيض حالات الطلاق؛ تسعى حكومة الانقلاب لفتح المجال لمزيد من حالات الطلاق.

        إننا نوجه نداءً عاجلًا إلى الشعب المصري كافة وإلى مؤسساته الدينية وعلى رأسها مؤسسة الأزهر الشريف؛ أن تستنفر قوتها وتسعى بدأب وبلا تردد للدفاع عن كيان الأمة والمكوِّن الرئيس لها وهو الأسرة؛ للعودة إلى أحكام الشريعة الإسلامية الغراء التي حمت حقوق جميع الأطراف في البيت المسلم، في ظل العلاقة القائمة على السكن والرحمة والمودة، كما رسمها القرآن الكريم وسنة النبي صلى الله عليه وسلم.

 

طغيان وقضاء مسيَّس

        ومع استمرار مسلسل العبث بمقدرات الدولة وثروات البلاد ما زالت تمارس سلطة الانقلاب التنكيل والبطش بكل معارض أو مخالف لتوجهاتها، أو رافض لما آلت له الأوضاع في مصر؛ لتستمر سياسة الاعتقال والإخفاء القسري، وترتفع معدلات إحالة القضايا إلى المحاكم الصورية المسيَّسة، التي تصدر أحكامًا عشوائية لا تَمُتُّ لصحيح القانون بصلة، ولا تحترم إجراءات التقاضي الصحيحة، بل تتخلص من المعتقلين بالقتل بالإهمال الطبي تارة، أو بإصدار أحكام قاسية وطويلة الأمد؛ في محاولة لقتل روح الأمل في نفوس المعتقلين، أو بإصدار وتنفيذ أحكام بالإعدام على المعتقلين دون محاكمات شفافة أو وقائع ثابتة.

        وقد رصدت التقارير الحقوقية أكثر من 1200 حالة وفاة داخل مقار الاحتجاز والسجون المصرية، إما بسبب التعذيب أو الإهمال الطبي المتعمد، بينما يترقب 105 أشخاص تنفيذ حكم الإعدام بعد أن صدرت بحقهم أحكام باتَّة من قضاء مسيَّس غير مختص، ناهيك بإحالة أوراق المئات إلى المفتي لتأكيد أحكام الإعدام في محكومين آخرين، فضلًا عن عشرات حالات القتل والتصفية خارج القانون في مرسى مطروح وصعيد مصر وسيناء، بما رصدته التقارير الدولية.

        إن استمرار سلطة الانقلاب في عدائها للشعب المصري وتنكيلها بالمجتمع وحكمه بالحديد والنار، ومنعه من التعبير أو المطالبة بحقوقه؛ إنما هو محاولة يائسة لتدجينه وإخضاعه لطغمة فاسدة ومستبدة، ولكنها لن تصل في النهاية إلى مبتغاها أو تحقق ما تسعى إليه؛ فإرادة الشعوب – بحول الله – غالبة، ومساعيه للخلاص من الظلم والبغي لن ينطفئ نورها أو يَخْفُت أوراها، ولكنها ستظل متوهِّجةً تترقب لحظة الخلاص، وإن غدًا لناظره قريب {ويَقُولُونَ مَتَى هُو قُلْ عَسَى أنْ يَكُونَ قريبًا} (الإسراء: 51).

والله أكبر ولله الحمد،،،


أ. د. محمود حسين
القائم بأعمال فضيلة المرشد العام لجماعة " الإخوان المسلمون "

الأحد 30 ذو القعدة 1447 هجرية - الموافق 17 مايو 2026م

 


اضغط هنا لتحميل الرسالة PDF