انطلقت، اليوم الأحد، أولى جلسات مجلس الشعب السوري وسط اهتمام سياسي واسع، باعتبار أن هذا الاستحقاق ليس مجرد افتتاح لدورة برلمانية، بل بداية عمل أول مؤسسة تشريعية تتشكل بعد سقوط نظام بشار الأسد، وذلك في ظل الإعلان الدستوري الذي رسم ملامح المرحلة الانتقالية وحدد مسارها حتى إقرار دستور دائم وإجراء انتخابات عامة.
وافتتح الجلسة رئيس اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب محمد طه الأحمد، فيما أدى أعضاء مجلس الشعب القسم بحضور الرئيس أحمد الشرع.
وقال الشرع في كلمة له إن سورية "تكتب تاريخاً مجيداً يعبر عن بطولاتها ونحن أمام مسؤولية لبناء الوطن والفرد وتغليب المسؤولية ونحن شركاء في بناء المسئولية، والمجلس اليوم منبر للحق والعدالة". ودعا إلى جعل هذا المجلس "نموذجاً في المسئولية والكفاءة، وأن يسهم في ترسيخ ثقافة الحوار وسيادة القانون واحترام المؤسسات"، وقال "يجب أن نعمل بروح الفريق الواحد وأن نجعل من خدمة الشعب هدفاً لكل سياسة وبناء الدولة معياراً لكل قرار"، كما حث على "الانتقال إلى ترسيخ الدولة وبناء مؤسساتها على أسس المسئولية والكفاءة".
من جانبه، وصف الأحمد الجلسة بأنها "تاريخية تمثل دماء الشهداء ولحظة تاريخية فارقة نعلن فيها للعالم أن سورية نفضت عنها غبار الحرب"، ورأى الأحمد أن "القيمة الحقيقية لا تقاس بالكلمات، بل تقاس بحجم التضحيات التي قدمها الشعب السوري العظيم". ودعا أسامة العساف أكبر أعضاء مجلس الشعب سناً أعضاء اللجنة القانونية المؤقتة للإشراف على العملية الانتخابية وفرز الأصوات ووضع الضوابط الانتخابية للمكتب الرئاسي للمجلس.
ويأتي انعقاد الجلسة بعد اكتمال تشكيل المجلس بواقع 207 أعضاء بعد تسمية الشرع سبعين عضواً ضمن ما يعرف بـ"الثلث الرئاسي"، فيما بقيت ثلاثة مقاعد مخصصة لمحافظة السويداء شاغرة نتيجة تعذر استكمال العملية الانتخابية فيها. ويستند المجلس الجديد إلى أحكام الإعلان الدستوري والنظام الانتخابي المؤقت الصادر بالمرسوم رقم (143) لعام 2025، والذي نص على أن يتألف المجلس من 210 أعضاء، يُعين ثلثاهم عبر هيئات ناخبة شُكلت في المحافظات، فيما يعين رئيس الجمهورية الثلث المتبقي. وتقول اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب إن هذه الصيغة جاءت لتلبية متطلبات المرحلة الانتقالية، من خلال الجمع بين التمثيل المحلي والاستفادة من شخصيات أكاديمية وقانونية وإدارية يصعب وصولها عبر الانتخابات غير المباشرة.
وبرغم الجدل الذي رافق إعلان "الثلث الرئاسي"، ولا سيما في ما يتعلق بآلية التعيين ومستوى التمثيل، أكدت اللجنة العليا أن الاختيار استند إلى معايير الكفاءة والخبرة والتنوع، مع تعزيز حضور المرأة والمكون الكردي والمهجرين وذوي الشهداء والمعتقلين السابقين، إلى جانب شخصيات أكاديمية وقانونية واقتصادية يُنتظر أن تسهم في صياغة التشريعات اللازمة للمرحلة المقبلة.
جلسة تأسيسية
تمثل الجلسة الأولى نقطة الانتقال من مرحلة تشكيل المجلس إلى مباشرة صلاحياته الدستورية، إذ تبدأ بدعوة رئيس اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب الأعضاء إلى أداء القسم الدستوري، قبل أن يتولى أكبر الأعضاء سناً رئاسة الجلسة مؤقتاً، فيما يقوم أصغرهم سناً بمهام أمين السر، إلى حين انتخاب هيئة الرئاسة. ويؤدي النواب اليمين الدستورية بصورة جماعية، ليكتسبوا بعدها صفتهم القانونية الكاملة، وتنتقل إدارة المجلس من اللجنة العليا للانتخابات إلى النواب أنفسهم، في أول ممارسة فعلية لاستقلال المؤسسة التشريعية.
ويلي ذلك مباشرة انتخاب رئيس مجلس الشعب ونائبه وأميني السر بالاقتراع السري، وهي الخطوة التي تؤسس لانطلاق الدورة البرلمانية رسمياً، قبل الانتقال في الجلسات اللاحقة إلى تشكيل اللجان البرلمانية وإقرار النظام الداخلي للمجلس. وبحسب النظام الانتخابي المؤقت، يوجه رئيس المجلس المنتخب لاحقاً دعوة إلى رئيس الجمهورية لإلقاء كلمة أمام المجلس في جلسة لاحقة، يستعرض خلالها توجهات الدولة وأولويات المرحلة المقبلة.
صلاحيات واسعة وتحديات أكبر
ويتمتع مجلس الشعب خلال المرحلة الانتقالية بصلاحيات تشريعية ورقابية واسعة، تشمل اقتراح القوانين وإقرارها وتعديل التشريعات النافذة أو إلغائها، وإقرار الموازنة العامة، والتصديق على الاتفاقيات الدولية، ومنح العفو العام، إلى جانب مساءلة الحكومة وعقد جلسات استماع للوزراء وممارسة الرقابة على أداء السلطة التنفيذية.
إلا أن المهمة الأبرز للمجلس لا تتمثل في إدارة الشأن التشريعي اليومي فحسب، وإنما في إعادة بناء المنظومة القانونية للدولة بما ينسجم مع متطلبات المرحلة الانتقالية، من خلال مراجعة القوانين التي ارتبطت بالنظام السابق، وسن تشريعات جديدة تنظم العدالة الانتقالية، والأحزاب، والانتخابات، والإدارة المحلية، والخدمة المدنية، والاستثمار، والإعلام، واستقلال القضاء. كما ينتظر من المجلس إعداد البيئة التشريعية التي تمهد لإقرار دستور دائم، وصولا إلى تنظيم انتخابات عامة مع انتهاء المرحلة الانتقالية.
وبرغم الصلاحيات التي منحها الإعلان الدستوري للمجلس، يرى مراقبون أن التحدي الأكبر يتمثل في قدرته على ترسيخ استقلاليته في مواجهة السلطة التنفيذية، وتجنب إعادة إنتاج العلاقة التي سادت خلال العقود الماضية، حين تحول البرلمان إلى مؤسسة محدودة التأثير في صناعة القرار. كما يواجه تحديات أخرى، من بينها استكمال تمثيل بعض المناطق، وفي مقدمتها محافظة السويداء، إلى جانب استعادة ثقة الشارع السوري بالمؤسسة التشريعية بعد سنوات طويلة ظل خلالها مجلس الشعب شكلياً (كان يسمى مجلس التصفيق) في عهد الأسد.
في المقابل، تعكس تركيبة المجلس الجديدة تنوعاً أكبر مقارنة بالمجالس السابقة، إذ تضم أكاديميين وقانونيين وأطباء ومهندسين واقتصاديين ورجال أعمال وإعلاميين وشخصيات عشائرية وناشطين في المجتمع المدني، إضافة إلى زيادة تمثيل المرأة والمكونات الاجتماعية المختلفة، في محاولة لإضفاء طابع أكثر شمولا على المؤسسة التشريعية.