فرضت الولايات المتحدة الأمريكية عقوبات جديدة على المحكمة الجنائية الدولية، طالت رئيستها القاضية اليابانية توموكو أكاني، وكبير محامي الادعاء في المحكمة، السنغالي عبد الله سي، في خطوة عقابية جديدة على خلفية تحقيقاتها المتعلقة بجرائم الاحتلال في الأرض الفلسطينية المحتلة.
وتعد العقوبات أحدث إجراءات إدارة الرئيس دونالد ترامب ضد المحكمة، في إطار محاولتها عرقلة ملاحقة مسئولين صهاينة لتورطهم في جرائم إبادة جماعية ضد الفلسطينيين.
تجميد أصول وحظر مالي ومنع دخول
وأدرجت وزارة الخزانة الأمريكية أكاني وسي على قائمة الأشخاص الخاضعين للعقوبات، بما يترتب على ذلك من تجميد أي أصول أو مصالح مالية لهما داخل الولايات المتحدة أو الخاضعة لولايتها، ومنع الأشخاص والكيانات الأمريكية من إجراء معاملات مالية أو تجارية معهما. كما تشمل الإجراءات منعهما من دخول الولايات المتحدة.
وتكتسب القيود المالية أهمية تتجاوز نطاق الولايات المتحدة، بسبب ارتباط المؤسسات المالية الدولية بالنظام المصرفي الأمريكي والدولار. وبذلك لا تستهدف العقوبات أموالهما داخل الولايات المتحدة فقط، وإنما يمكن أن تعقد أيضا وصولهما إلى الخدمات والمعاملات المالية التي تمر عبر النظام المالي الأمريكي.
وتأتي هذه الإجراءات ضمن حملة أوسع أطلقتها إدارة ترامب ضد المحكمة، وسبق أن استهدفت مسؤولين وقضاة فيها وكذلك منظمات حقوقية متعاونة منها؛ بسبب التحقيقات التي تجريها المحكمة بشأن مواطنين ومسئولين من الولايات المتحدة والاحتلال. كما أعلنت واشنطن موقفا يرفض أي تعاون مع المحكمة في القضايا المتعلقة بالأمريكيين.
لماذا استهدفت واشنطن أكاني وسي؟
تتولى توموكو أكاني رئاسة المحكمة الجنائية الدولية، فيما يعمل عبد الله سي ضمن فريق الادعاء الذي ارتبط بملفات المحكمة المتعلقة بالاحتلال.
وتأتي معاقبتهما في ظل استمرار حملة واشنطن على المحكمة منذ إصدارها مذكرات توقيف بحق رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو ووزير الجيش السابق يوآف جالانت على خلفية تورطهم بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في قطاع غزة.
وأقر وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أن المسئولين المستهدفين شاركوا في جهود المحكمة للتحقيق مع مسئولين من حكومات لم توافق على اختصاصها، زاعما أن المحكمة بأنها فاسدة ومسيسة وتتجاوز صلاحياتها.
وبكل صلافة تعلن الإدارة الأمريكية أن تحركها يهدف إلى حماية السيادة الأمريكية ومنع المحكمة من ممارسة اختصاصها على مواطنين ومسئولين أمريكيين أو مسئولين في دول حليفة لواشنطن.
المحكمة: العقوبات تهدد سيادة القانون
ورفضت المحكمة الجنائية الدولية العقوبات الأمريكية، وقالت إنها تقوض سيادة القانون وتستهدف استقلال القضاء الدولي.
وأكدت أن الضغوط على القضاة والمدعين العامين بسبب أدائهم وظائفهم القضائية تهدد النظام القانوني الدولي، لكنها شددت في الوقت نفسه على استمرارها في أداء مهامها باستقلال وحياد.
وتأتي هذه المواجهة في وقت تواجه فيه المحكمة ضغوطا سياسية متزايدة بسبب ملفاتها المتعلقة بالاحتلال، بعدما أصدرت مذكرات توقيف بحق نتنياهو وجالانت، إلى جانب ملاحقاتها في ملفات أخرى تشمل الحرب في أوكرانيا وأفغانستان.
ردود فعل
وأثار القرار الأمريكية ردود فعل وإدانات دوبية، فقد أعربت اليابان عن رفضها للعقوبات الأمريكية، ووصفت وزارة الخارجية اليابانية القرار بأنه "مؤسف جدا"، مؤكدة دعم طوكيو المستمر للمحكمة الجنائية الدولية ولجهودها في ملاحقة مرتكبي أخطر الجرائم الدولية وترسيخ سيادة القانون.
وتكتسب الموقف الياباني أهمية خاصة لأن أكاني مواطنة يابانية، ولأن طوكيو تعد من أبرز الداعمين للمحكمة منذ انضمامها إلى نظام روما الأساسي عام 2007. كما أن اليابان من أكبر المساهمين في ميزانية المحكمة ومن الدول التي تؤكد أهمية استقلالها عن الضغوط السياسية.
هولندا ترفض الضغط على المحكمة
وأبدت هولندا، الدولة المضيفة للمحكمة في لاهاي، رفضها للعقوبات الأمريكية، مؤكدة دعمها للمحكمة وقدرتها على أداء مهامها بصورة مستقلة.
وينسجم الموقف الهولندي مع تأكيد المحكمة أن استقلال القضاء الدولي لا ينبغي أن يخضع لضغوط أو إجراءات عقابية بسبب القرارات القضائية التي تصدرها.
وتكشف مواقف الأطراف عن انقسام متزايد حول المحكمة الجنائية الدولية، بين الولايات المتحدة وحكومة الاحتلال اللتين ترفضان اختصاصها في هذه الملفات، ودول أعضاء في نظام روما الأساسي ترى في المحكمة آلية لملاحقة مرتكبي الجرائم الدولية، وتؤكد ضرورة حماية استقلالها من الضغوط السياسية.