دحام إبراهيم الهسنياني
قراءة تربوية ودعوية معاصرة في حديث (مثل القائم على حدود الله والواقع فيها)
إن من أعظم ما جاءت به السنة النبوية الشريفة أنها لم تقتصر على بيان الأحكام الفردية، وإنما أقامت منهجاً متكاملاً لبناء الإنسان وإصلاح المجتمع وحماية العلاقات الإنسانية من أسباب الفساد والانهيار. ومن أبلغ الأحاديث التي تكشف عن هذه المسؤولية حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما، الذي ضرب فيه النبي صلى الله عليه وسلم مثلاً بديعاً للمجتمع وأفراده، فقال: (مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا، وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا). رواه البخاري ومسلم.
إنه حديث قصير في ألفاظه، عظيم في معانيه، واسع في دلالاته، يضع أمام المسلم مسؤولية لا يستطيع أن يتنصل منها، وهي أن صلاح المجتمع ليس منفصلاً عن صلاح أفراده، وأن الفساد إذا تجاوز صاحبه وأصبح مؤثراً في غيره، فإن السكوت عنه قد يجعل ضرره عاماً، كما أن الإصلاح إذا قام على العلم والحكمة والمسؤولية كان سبباً في نجاة الجميع.
الإنسان ليس جزيرة معزولة
يقدم الحديث تصوراً عميقاً لطبيعة الحياة الاجتماعية؛ فالإنسان لا يعيش وحده، وإنما يعيش في أسرة، وحي، ومدرسة، ومؤسسة، ومسجد، ومجتمع، ودولة، ويتعامل يومياً مع أشخاص يختلفون عنه في أعمارهم وثقافاتهم وأفكارهم واحتياجاتهم.
ولهذا ضرب النبي صلى الله عليه وسلم المثل بالسفينة؛ لأن ركابها قد يكونون مختلفين في المكان والوظيفة والطباع، ولكنهم يشتركون في مصير واحد.
فالسفينة تمثل المجتمع، وركابها يمثلون أفراده، والخرق يمثل الفساد، والماء الذي يتسرب منها يمثل آثار ذلك الفساد، أما أخذ الناس على أيدي العابثين فيمثل المسؤولية الجماعية في حماية المجتمع من الانهيار.
وهنا تتجلى قاعدة عظيمة: قد يكون الإنسان مستقلاً في كثير من شؤونه، لكنه ليس مستقلاً في آثار أفعاله عندما تتجاوز حدود نفسه وتصل إلى الآخرين.
فالذي يلوث البيئة لا يضر نفسه وحدها، والذي ينشر الشائعة لا يتحمل آثارها وحده، والذي يعتدي على المال العام لا يسرق من مؤسسة جامدة، وإنما يعتدي على حق المجتمع، والذي يشيع الكراهية والعداوة يفتح باباً قد تدخل منه الفتنة إلى بيوت كثيرة.
وهكذا يعلمنا الحديث أن المسؤولية الاجتماعية ليست ترفاً أخلاقياً، وإنما ضرورة من ضرورات بقاء المجتمعات واستقرارها.
سفينة المجتمع ومسؤولية الجميع
لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: إن أهل الأعلى وحدهم مسؤولون عن السفينة، ولا إن أهل الأسفل وحدهم مسؤولون عن سلامتها، وإنما جعل النجاة مرتبطة بموقف الجميع.
وهذا يربي المسلم على التخلص من عقلية إلقاء المسؤولية على الآخرين.
فالأب مسؤول عن أسرته، والأم مسؤولة عن بيتها، والمعلم مسؤول عن طلابه، والعالم مسؤول عن بيان الحق، والداعية مسؤول عن حسن البلاغ، والمسؤول مسؤول عن الأمانة التي تحملها، والموظف مسؤول عن عمله، وصاحب الكلمة مسؤول عن أثرها، والشاب مسؤول عن سلوكه، وكل مسلم مسؤول في حدود ما آتاه الله من قدرة واختصاص.
وقد قرر النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأصل في الحديث المشهور: (ألا كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته). رواه البخاري ومسلم.
فالمسؤولية في الإسلام ليست حكراً على أصحاب المناصب، وإنما تتسع باتساع دوائر الحياة، ويختلف مقدارها باختلاف القدرة والاختصاص والموقع.
بين الصالح والمصلح
من أعمق الدلالات التربوية في هذا الحديث التفريق بين الصلاح والإصلاح.
فالصالح يحرص على سلامة نفسه، أما المصلح فيسعى إلى أن يمتد الخير من نفسه إلى غيره.
وقد يكون الإنسان صالحاً في ذاته، لكنه لا يشعر بما يجري حوله، ولا يهتم بإصلاح الخلل الذي يستطيع معالجته، فيبقى أثر صلاحه محدوداً.
أما المصلح فإنه يحمل همَّ مجتمعه، ويشعر بأن عليه واجباً تجاه أسرته وبيئته ومحيطه، فينصح، ويعلّم، ويوجه، ويقترح الحلول، ويشارك في البناء، ويقاوم الفساد بالوسائل المشروعة.
ولهذا جاء التعبير القرآني عن أهل الإصلاح في مواضع متعددة، ومن ذلك قوله تعالى: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ). (هود: 117).
فصلاح المجتمع لا يقوم على كثرة الصالحين فحسب، وإنما يحتاج إلى مصلحين يحملون مسؤولية الإصلاح ويعملون على معالجة الخلل.
خطر الفساد الصغير
من أخطر ما يكشفه الحديث أن الكارثة قد تبدأ بفعل يبدو صغيراً.
فأصحاب الطابق السفلي لم يقولوا: نريد إغراق السفينة، وإنما قالوا: نخرق في نصيبنا، ونأخذ حاجتنا من الماء، ولا نؤذي من فوقنا.
كان هدفهم القريب مفهوماً، لكن الوسيلة كانت خاطئة، والمآل كان خطيراً.
وهنا يعلمنا النبي صلى الله عليه وسلم درساً بالغ الأهمية، وهو أن تقويم الأفعال لا يكون بالنظر إلى النيات وحدها، وإنما بالنظر إلى مشروعيتها ونتائجها ومآلاتها أيضاً.
قد تكون النية حسنة، ولكن الطريق خاطئ.
وقد يريد الإنسان إصلاح مشكلة، فيزيدها تعقيداً.
وقد يريد الدفاع عن حق، فيعتدي على حقوق الآخرين.
وقد يريد نصرة الخير، فيستخدم أسلوباً ينفر الناس من الخير.
ومن هنا كان من أعظم صفات المصلح أن يجمع بين حسن القصد وصواب الوسيلة وحسن تقدير المآلات.
(لو أنا خرقنا في نصيبنا) ومنطق الأنانية
تتكرر في الحياة عبارة أصحاب السفينة بصورة مختلفة: “هذا شأني”، “هذا حقي”، “أنا حر”، “لا علاقة لأحد بي”.
والإسلام لا يلغي حق الإنسان في الخصوصية، ولا يصادر ملكيته، ولا يمنع الحريات المباحة، ولكنه يضع لها ضوابط تحفظ حقوق الآخرين والمصلحة العامة.
فالحرية في الإسلام ليست انفلاتاً من المسؤولية، وإنما هي حرية مسؤولة.
لك أن تتصرف في حقك ما لم يترتب على تصرفك ظلم أو ضرر أو اعتداء على حقوق الآخرين.
وهذه قاعدة شديدة الأهمية في واقعنا المعاصر؛ لأن كثيراً من المشكلات الاجتماعية تبدأ عندما تتحول الحرية الشخصية إلى ذريعة للإضرار بالآخرين.
فالذي يملك شيئاً خاصاً لا يملك أن يجعله سبباً في الإضرار بالمجتمع، كما أن من يملك الكلمة لا يملك أن يستعملها لإشعال الفتنة، ومن يملك وسائل التواصل لا يملك أن يجعلها منبراً للظلم أو التشهير أو نشر الأكاذيب.
الفساد لا يبقى في مكانه
كان أهل السفينة يتوهمون أن الخرق سيبقى في الجزء السفلي، لكن الماء لا يعترف بهذا التقسيم.
وهذا من أعظم أسرار المثل النبوي.
فالفساد الاجتماعي لا يبقى دائماً محصوراً في المكان الذي بدأ منه؛ فقد ينتقل من فرد إلى أسرة، ومن أسرة إلى بيئة، ومن بيئة إلى مجتمع.
والشائعة التي تبدأ برسالة قد تتحول إلى أزمة، والكراهية التي تبدأ بكلمة قد تتحول إلى خصومة، والإهمال الصغير قد يتحول إلى خلل مؤسسي، والتساهل في الخطأ قد يجعله عادة، والعادة قد تتحول إلى ثقافة.
ولهذا فإن من الحكمة ألا نستهين ببدايات الفساد.
فالخرق الصغير إذا تُرك قد يصنع الغرق الكبير.
الأخذ على الأيدي ليس فوضى
قوله صلى الله عليه وسلم: “وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً” لا يعني أن يتولى كل إنسان معاقبة غيره، أو أن يتحول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى اعتداء أو فوضى أو تشهير.
بل إن الإصلاح الشرعي يقوم على العلم والحكمة والقدرة ومراعاة المصلحة والمفسدة.
فليس كل إنسان مؤهلاً لمعالجة كل مشكلة، وليس كل منكر يعالج بالطريقة نفسها، وليس كل مقام يناسبه الخطاب نفسه.
وقد يكون الإصلاح أحياناً بالنصيحة الخاصة، وأحياناً بالتعليم، وأحياناً بالتوعية، وأحياناً برفع الأمر إلى الجهة المختصة، وأحياناً بمنع الضرر المباشر بالوسائل التي أذن بها الشرع والنظام.
ولهذا فإن الأخذ على اليد مسؤولية منضبطة، وليس رخصة للفوضى.
الإصلاح يبدأ بالحكمة
المصلح الحقيقي لا يبحث عن الانتصار لنفسه، وإنما يبحث عن إنقاذ الناس.
ولهذا فإن من الخطأ أن تتحول الدعوة إلى صراع شخصي، أو أن يتحول النصح إلى إهانة، أو أن يتحول إنكار الخطأ إلى تشهير.
فقد يكون الإنسان مخطئاً، لكنه يحتاج إلى من يعلمه لا إلى من يحطمه.
وقد يكون جاهلاً بالحكم، فيحتاج إلى بيان.
وقد يكون واقعاً في مشكلة، فيحتاج إلى بديل.
وقد يكون قد أخطأ في الوسيلة، فيحتاج إلى إرشاد.
والدعوة الناجحة لا تكتفي بأن تقول للناس: لا تفعلوا، وإنما تسأل أيضاً: ما البديل الصحيح؟ وكيف نساعدهم على الوصول إليه؟
منع الحرام وفتح أبواب الحلال
وهذا من أجمل الدروس التي يمكن استنباطها من قصة السفينة.
فأهل الأسفل كانوا بحاجة حقيقية إلى الماء، وكان الخطأ في الطريقة التي أرادوا بها الحصول عليه.
فمن الحكمة أن تمنع الوسيلة المفسدة، ولكن من الحكمة أيضاً أن تبحث عن وسيلة مشروعة تحقق الحاجة.
وهذا أصل تربوي ودعوي مهم:
لا يكفي أن تغلق باب الخطأ، بل ينبغي أن تفتح للناس باب الصواب.
ولا يكفي أن تحذر الشباب من الانحراف، بل ينبغي أن توفر لهم بيئة صالحة، وتعليماً نافعاً، وصحبة رشيدة، وفرصاً للعمل والإبداع.
ولا يكفي أن نحذر من الشائعات، بل ينبغي أن نربي الناس على التثبت والحصول على المعلومات من مصادرها.
ولا يكفي أن ننهى عن العنف، بل ينبغي أن نعلم الناس الحوار وضبط النفس وحل النزاعات.
فالدعوة التي تسد أبواب الخطأ دون أن تفتح أبواب الخير قد تترك فراغاً يستغله أهل الانحراف.
التعامل مع الاختلاف
الاختلاف بين الناس سنة من سنن الحياة، وليس كل اختلاف فساداً.
فالناس متفاوتون في العلم والفهم والخبرة والبيئة، ولذلك لا بد من التفريق بين اختلاف التنوع الذي يمكن أن يكون رحمة واتساعاً، وبين الخلاف المذموم الذي يتحول إلى تعصب وبغضاء وقطيعة.
ومن معالم الإصلاح أن يتعلم الإنسان كيف يختلف بأدب، وأن يحترم المخالف فيما يسوغ فيه الاختلاف، وأن يبحث عن الحق لا عن الانتصار للنفس.
فالسفينة لا تنجو إذا قضى ركابها وقتهم في التخاصم، بينما الخرق يتسع تحت أقدامهم.
الإصلاح لا يعني البحث عن أخطاء الناس
من المهم جداً أن نفهم أن الحديث عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يعني تحويل المجتمع إلى مجتمع يتتبع عورات أفراده.
فالإسلام نهى عن التجسس وتتبع العورات، ودعا إلى الستر والنصيحة.
والمصلح لا يعيش باحثاً عن عيوب الآخرين، وإنما يبحث عن مواضع الخلل التي تحتاج إلى معالجة، فإذا وجدها عالجها بالحكمة والوسيلة المناسبة.
والفرق كبير بين من يريد إصلاح الناس ومن يريد إدانة الناس.
الأول يحمل رحمة، والثاني يحمل خصومة.
الوقاية خير من العلاج
من أعظم الدروس المستفادة من السفينة أن الوقاية مقدمة على العلاج.
فلو ترك الركاب الخرق حتى يتسع، ثم حاولوا بعد ذلك إنقاذ السفينة، لكان الأمر أشد خطراً.
وهكذا في التربية والمجتمع: نعالج الانحراف قبل أن يتحول إلى عادة. ونعالج الشائعة قبل أن تنتشر. ونحل الخلاف قبل أن يتحول إلى قطيعة. ونربي الأبناء قبل أن تتولى وسائل الإعلام ومواقع التواصل تربيتهم. ونعالج المشكلات الأسرية قبل أن تصل إلى الانهيار. فالوقاية ليست خوفاً من المستقبل، وإنما هي حكمة في إدارة الحاضر.
النجاة لا تكون بالعزلة
قد يظن بعض الناس أن النجاة من الفساد تكون بالابتعاد عن المجتمع والانشغال بالنفس فقط.
لكن حديث السفينة يعلمنا أن الإنسان قد لا يستطيع النجاة وحده إذا كانت السفينة كلها مهددة بالغرق.
فالمؤمن لا يعيش منعزلاً عن آلام الناس ومشكلاتهم، وإنما يسعى إلى إصلاح ما يستطيع إصلاحه.
وهذا لا يعني أن يحمل الإنسان ما لا يستطيع، وإنما يعني أن يؤدي ما يستطيع، وأن يعرف حدوده، وأن يستعين بأهل الاختصاص عند الحاجة.
المسؤولية بحسب القدرة
من المهم في فهم الحديث ألا نحمل جميع الناس مسؤولية واحدة.
فالقدرات مختلفة، والمواقع مختلفة، والاختصاصات مختلفة.
قال تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا). (البقرة: 286).
فمسؤولية العالم ليست كمسؤولية الجاهل، ومسؤولية صاحب القرار ليست كمسؤولية الفرد العادي، ومسؤولية المعلم ليست كمسؤولية الطالب.
لكن الجميع يشتركون في أصل المسؤولية، وهي أن يؤدي كل واحد ما يستطيع في دائرة اختصاصه وقدرته، وألا يتحول العجز عن بعض صور الإصلاح إلى مبرر لترك كل صور الخير.
الإصلاح يبدأ من النفس
من الخطأ أن يتحدث الإنسان عن إصلاح المجتمع وهو عاجز عن إصلاح نفسه.
فأول سفينة يحتاج الإنسان إلى حمايتها هي سفينته الداخلية: قلبه، وعقله، ولسانه، وسلوكه.
فليبدأ المسلم بنفسه: يصلح عبادته، ويضبط لسانه، ويحفظ جوارحه، ويتعلم، ويتثبت، ويحسن أخلاقه، ويؤدي الأمانة، ويعدل في معاملاته.
ثم ينتقل أثر ذلك إلى أسرته ومجتمعه. فالإصلاح الحقيقي يبدأ من الداخل ثم يمتد إلى الخارج.
من الإصلاح الفردي إلى الإصلاح المجتمعي
لا ينبغي أن نفصل بين إصلاح الفرد وإصلاح المجتمع.
فالفرد الصادق لبنة في بناء المجتمع، والأسرة الصالحة مدرسة، والمدرسة الصالحة مصنع للأجيال، والمؤسسة النزيهة حماية للمصلحة العامة، والعالم الواعي حصن للفكر، والإعلام المسؤول أداة للبناء.
ومن هنا فإن الإصلاح مشروع متكامل، لا ينجح إذا بقي مسؤولية فئة واحدة.
كيف نأخذ على أيدي الخارقين للسفينة؟
يمكن ترجمة هذا المعنى النبوي في حياتنا المعاصرة إلى خطوات عملية:
أولاً: أن نتعلم قبل أن نحكم، فلا نواجه مشكلة بجهل.
ثانياً: أن نتثبت قبل أن ننشر، فلا نكون جزءاً من صناعة الشائعة.
ثالثاً: أن ننصح قبل أن نشهر، فالمقصود إصلاح الإنسان لا تحطيمه.
رابعاً: أن نبحث عن البدائل، فلا نكتفي بمنع الخطأ.
خامساً: أن نستعين بأهل الاختصاص، فليس كل إنسان مؤهلاً لمعالجة كل مشكلة.
سادساً: أن نراعي المآلات، فلا نعالج منكراً بطريقة تؤدي إلى منكر أكبر.
سابعاً: أن نحافظ على وحدة المجتمع، فلا نجعل الإصلاح سبباً في إشعال العداوة.
ثامناً: أن نبدأ بالأقرب إلينا، فالأسرة أول دائرة للمسؤولية.
تاسعاً: أن نكون قدوة فيما ندعو إليه، فالسلوك أبلغ من الكلام.
عاشراً: أن نجمع بين الحزم والرحمة، وبين الثبات والحكمة.
الإصلاح عبادة ومسؤولية
الإصلاح في الإسلام ليس نشاطاً اجتماعياً مجرداً، بل هو من الأعمال التي يؤجر عليها المسلم إذا قصد بها وجه الله والتزم فيها بالشرع والحكمة.
فحين تصلح بين اثنين، أو تعلم جاهلاً، أو تمنع شائعة، أو تحفظ حقاً، أو تدل إنساناً على الخير، أو تساعد أسرة، أو تحمي مصلحة عامة، فأنت تسهم في إصلاح جزء من سفينة المجتمع.
ولذلك لا ينبغي أن يحتقر الإنسان عملاً إصلاحياً صغيراً؛ فقد تكون كلمة صادقة سبباً في تغيير حياة إنسان، وقد يكون موقف حكيم سبباً في منع فتنة، وقد يكون امتناعك عن نشر خبر سبباً في حماية أسرة من أذى كبير.
وأخيراً: إن حديث “مثل القائم على حدود الله والواقع فيها” ليس حديثاً عن سفينة في البحر فحسب، وإنما هو حديث عن حياتنا كلها.
إنه يعلّمنا أن المجتمع سفينة مشتركة، وأن أفراده وإن اختلفت مواقعهم ومسؤولياتهم فإنهم يشتركون في مصالح ومصير عام.
ويعلمنا أن الفساد قد يبدأ صغيراً، وأن صاحبه قد يظن أنه لا يتجاوز حقه، لكن أثره قد يتجاوز الحدود التي يتصورها.
ويعلمنا أن السكوت عن الخلل ليس دائماً موقفاً محايداً، وأن ترك الخرق حتى يتسع قد يجعل النجاة أصعب.
ويعلمنا في الوقت نفسه أن الإصلاح لا يكون بالفوضى ولا بالتشهير ولا بالتسلط، وإنما بالعلم والحكمة والنصيحة والرفق والحزم المنضبط، ومراعاة المصلحة والمآلات، والاستعانة بأهل الاختصاص.
ويعلمنا أن الصلاح الحقيقي ينبغي أن يتحول إلى إصلاح، وأن المسلم لا ينبغي أن يسأل فقط: كيف أنجو بنفسي؟ وإنما يسأل أيضاً: كيف أساعد في نجاة من حولي؟
فالأب يحمي سفينته الأسرية، والمعلم يحمي سفينته التربوية، والعالم يحمي سفينة الوعي، والمسؤول يحمي سفينة الأمانة، والإعلامي يحمي سفينة الكلمة، والشاب يحمي سفينة مستقبله، وكل مسلم يحمي سفينة مجتمعه بقدر استطاعته.
وهكذا تتكامل المسؤوليات، وتتعاون الجهود، ويتحول المجتمع من مجموعة أفراد متجاورين إلى جسد متعاون، يشعر بعضه بآلام بعض، ويسعى بعضه في نجاة بعض.
وما أحوجنا اليوم إلى أن نستعيد هذا الفهم النبوي العميق؛ فلا نكون ممن يرون الخرق ويسكتون، ولا ممن يصنعون الخرق ثم يقولون: إنما خرقنا في نصيبنا، ولا ممن يكتفون بالشكوى من الغرق بعد وقوعه، وإنما نكون من الذين يبادرون إلى الإصلاح قبل فوات الأوان.
إن سفينة المجتمع لا يحميها فرد واحد، وإنما يحميها وعي الجميع، وأمانة الجميع، وتعاون الجميع، وإصلاح الجميع، كلٌّ بحسب قدرته وموقعه ومسؤوليته.
ولهذا فإن الرسالة الكبرى التي يحملها الحديث يمكن أن تختصر في كلمات قليلة:
أصلح نفسك، وأصلح من حولك بالحكمة، واحفظ حق غيرك، وامنع الضرر بما تستطيع، ولا تكن سبباً في خرق سفينة مجتمعك؛ فإن نجت السفينة نجونا جميعاً، وإن غَرِقَتْ فلن يسأل الماء عن موقع الخرق.