تستعد المؤسسة الأمنية والعسكرية الصهيونية لمرحلة جديدة من التصعيد في الضفة الغربية المحتلة، وسط توجهات لتوسيع نطاق العمليات العسكرية والسيطرة على مخيمات لاجئين إضافية، بالتزامن مع رفع حالة التأهب قبيل الأعياد اليهودية، برغم تقديرات صهيونية تشير إلى أن مستوى العمليات الفلسطينية وصل إلى أدنى معدلاته منذ سنوات.

وتكشف تقارير صهيونية أن الإرهابي يسرائيل كاتس وزير جيش الاحتلال يضغط باتجاه توسيع العمليات في الضفة والسيطرة على مزيد من المخيمات، فيما يستعد الجيش لسيناريوهات ميدانية متعددة، بينها تنفيذ عمليات استباقية واسعة، واحتلال مخيمات جديدة، واحتمال تحول المواجهة إلى نطاق أوسع في حال تغيرت المعادلات الأمنية القائمة.

ونقلت مصادر أمنية صهيونية أن كاتس يضغط على جيش الاحتلال للاستيلاء على مخيمات لاجئين إضافية وتوسيع نطاق العمليات العسكرية، بذريعة منع تنفيذ عمليات فلسطينية تستهدف المستوطنين وجنود الاحتلال.

وبحسب ما أوردته صحيفة "معاريف" الصهيونية، فإن تقديرات أمنية للاحتلال تتحدث عن احتمال تنفيذ حركة حماس عمليات ضد أهداف صهيونية، الأمر الذي تستخدمه المؤسسة الأمنية مبررًا لتكثيف ما تصفه بـ"العمليات الوقائية" ضد الفلسطينيين ومراكز التحريض المزعومة.

وتشير التقديرات الصهيونية إلى أن الجيش بات يمتلك “حرية حركة واسعة” في أجزاء من الضفة، ولا سيما بعد سيطرته على عدد من مخيمات اللاجئين في شمالها، وتعزيز وجوده العسكري داخلها، وإنشاء مواقع وبنية تحتية تتيح تنفيذ عمليات سريعة.

استعداد لتصعيد برغم الهدوء

وفي السياق ذاته، أفاد تقرير نشره موقع "واللا" الصهيوني بأن جيش الاحتلال يستعد لتصعيد عملياته في الضفة، برغم أن التقديرات نفسها تشير إلى تراجع وتيرة العمليات الفلسطينية إلى أدنى مستوى لها منذ عام 2011.

وبحسب التقرير، فإن المؤسسة الأمنية تخشى أن يكون الهدوء الحالي مؤقتًا وقابلًا للانهيار بفعل مجموعة من التطورات، أبرزها تصاعد الاحتكاك بين الفلسطينيين والمستوطنين، وزيادة أعداد المستوطنات والبؤر والمزارع الاستيطانية، إلى جانب احتمال تنفيذ عمليات فردية أو اندلاع مواجهات ميدانية تتطور إلى عمليات مسلحة.

ويستعد جيش الاحتلال، وفق التقرير، لاحتمال تنفيذ عمليات عسكرية استباقية واسعة خلال فترة الأعياد اليهودية، تستهدف فلسطينيين يشتبه الاحتلال بضلوعهم في عمليات مسلحة، إلى جانب مناطق يصفها بـ"بؤر التحريض”.

المستوطنات عامل تفجير

ولا تخفي المؤسسة الأمنية الصهيونية قلقها من اتساع المشروع الاستيطاني نفسه؛ فبحسب المعطيات التي أوردتها التقارير الصهيونية، أضيفت 84 مستوطنة إلى نحو 180 مستوطنة قائمة في الضفة الغربية، إلى جانب نحو 140 مزرعة استيطانية وأكثر من 100 بؤرة استيطانية.

وتعتبر المؤسسة الأمنية أن هذا التوسع، وما يرافقه من احتكاك متزايد بين المستوطنين والفلسطينيين، قد يفاقم احتمالات الانفجار الميداني، ويدفع الجيش إلى إعادة صياغة مفهومه الأمني تجاه المستوطنات والمزارع المنتشرة في أنحاء الضفة.

وفي المقابل، تتحدث تقارير الاحتلال عن استمرار التنسيق الأمني مع الأجهزة الأمنية الفلسطينية، مع الإشارة إلى وقوع "حوادث استثنائية" تستدعي المتابعة واليقظة، في وقت تثير فيه كميات الأسلحة الموجودة لدى السلطة الفلسطينية، وعمليات تهريب الأسلحة عبر الحدود الأردنية، مخاوف إضافية لدى المؤسسة الأمنية الصهيونية.

انقلاب البنادق.. السيناريو الأكثر حساسية

ومن بين السيناريوهات التي يستعد لها الاحتلال ما تسميه تقاريره بـ"انقلاب البنادق"، في إشارة إلى احتمال تحول أسلحة الأجهزة الأمنية الفلسطينية باتجاه قوات الاحتلال والمستوطنين.

ويفترض هذا السيناريو، وفق التصورات الصهيونية، اندلاع صراع داخل السلطة الفلسطينية على خلافة الرئيس محمود عباس، بما قد يؤدي إلى استخدام السلاح في مواجهات داخلية، ثم انتقالها إلى مواجهة مع قوات الاحتلال والمستوطنين.

وتقول تقديرات الاحتلال إن المستوى السياسي طلب من الجيش رفع مستوى الاستعداد لهذا الاحتمال، فيما تعمل قيادة المنطقة الوسطى على بلورة خطط للتعامل معه.

ويأتي ذلك برغم استمرار التنسيق الأمني بين الجانبين، وفي ظل تقديرات صهيونية بأن الوضع الحالي في الضفة لا يشير إلى مواجهة واسعة وشيكة، وهو ما يعكس حجم المخاوف الصهيونية من احتمال تغير المعادلة بصورة مفاجئة.

شمال الضفة في قلب المخطط

وتتركز أنظار الاحتلال بصورة خاصة على شمال الضفة الغربية، حيث شهدت مخيمات جنين وطولكرم خلال الفترة الماضية عمليات عسكرية واسعة، تخللها اقتحام وتجريف وهدم للمنازل وتدمير للطرق والبنية التحتية، إلى جانب إجبار أعداد كبيرة من الفلسطينيين على النزوح.

وأدت هذه العمليات إلى تغيير ملموس في واقع المخيمات، مع استمرار الاحتلال في تثبيت وجوده العسكري وإغلاق طرق ومداخل وفرض قيود على حركة السكان، وسط اتهامات فلسطينية بأن هذه الإجراءات تستهدف تفريغ المخيمات من سكانها وتحويلها إلى مناطق خاضعة للسيطرة العسكرية المباشرة.

وبحسب تقرير "واللا"، فإن وزير جيش الاحتلال يسرائيل كاتس قد يدفع خلال المرحلة المقبلة باتجاه توسيع العمليات العسكرية، بما يشمل السيطرة على مخيمات لاجئين إضافية وتنفيذ عمليات واسعة، مع تركيز خاص على شمال الضفة.

أعياد وانتخابات ومخاوف من انفجار ميداني

وتتزامن هذه الاستعدادات مع فترة حساسة تشهد فيها الضفة ارتفاعًا في حركة المستوطنين خلال الأعياد اليهودية، الأمر الذي يزيد فرص الاحتكاك والمواجهات في المناطق الفلسطينية.

وتشير التقديرات التي أوردها "واللا" إلى تداخل مجموعة من العوامل التي قد تدفع نحو تصعيد أوسع، بينها الانتخابات الصهيونية والفلسطينية، وأعياد أكتوبر، وارتفاع احتمالات العمليات الفردية، والاحتكاكات الميدانية، وتصاعد اعتداءات المستوطنين، إضافة إلى الدور الأمريكي المتوقع أن يتزايد بعد انتهاء المرحلة المكثفة من الحرب في غزة ولبنان.

وبذلك، تبدو الضفة الغربية أمام معادلة أمنية شديدة الحساسية؛ فبينما تشير تقديرات الاحتلال إلى تراجع العمليات الفلسطينية، تتجه المؤسسة العسكرية والسياسية في الوقت ذاته إلى تعزيز انتشارها والاستعداد لعمليات أوسع والسيطرة على مخيمات جديدة، في ظل توسع استيطاني متسارع وتصاعد اعتداءات المستوطنين.

ويعكس هذا التناقض بين "الهدوء الأمني" المعلن والاستعداد العسكري المتزايد خشية الاحتلال من تغير المشهد بصورة مفاجئة، لكنه في الوقت ذاته يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من العمليات العسكرية التي قد تجعل مخيمات الضفة، ولا سيما في شمالها، في قلب التصعيد المقبل.