تكشف عمليات الإنزال الجوي بالمروحيات التي نفذتها قوات الاحتلال الصهيوني في بلدتي اللبن الشرقية جنوب نابلس ويطا جنوب الخليل، خلال الأيام الأخيرة، عن توسع في أدوات العمل العسكري في الضفة الغربية، بالتزامن مع الاقتحامات والاستيطان والهدم والتهجير.
وبرغم تقديم بعض هذه العمليات على أنها تدريبات لرفع الجاهزية، فإن توقيتها ومواقع تنفيذها وطبيعة القوات المشاركة فيها دفعت باحثين ومحللين إلى قراءة أوسع لدلالاتها، باعتبارها مؤشراً على اختبار قدرات عسكرية جديدة، وإظهار حرية الحركة، وتعزيز الردع، إلى جانب توجيه رسائل نفسية للفلسطينيين.
ويرى الباحثون أن الإنزال الجوي لا يمكن فصله عن المشهد الأوسع في الضفة، حيث تتزامن العمليات العسكرية مع تصاعد الاقتحامات والاعتقالات، واتساع الاستيطان، وهدم المنشآت، والضغط على التجمعات الفلسطينية.
إبقاء الضفة تحت ضغط أمني
يؤكد الكاتب والباحث المختص بالشأن الإسرائيلي ياسر مناع أن عمليات الإنزال بالمروحيات في يطا واللبن الشرقية تندرج ضمن سياسة صهيونية تهدف إلى إبقاء الضفة الغربية تحت ضغط أمني مستمر، ومنع تشكل حالة يشعر معها الاحتلال بتراجع قدرتها على الحركة والسيطرة الميدانية.
وأوضح مناع في تصريح صحفي أن استخدام قوات كبيرة وتنفيذ اقتحامات واسعة، وصولاً إلى الإنزال الجوي، يعكس رغبة صهيونية في إظهار القدرة على الوصول إلى أي منطقة وفي أي وقت، وفرض حالة متواصلة من الردع والمراقبة والضغط على الفلسطينيين.
وأشار إلى أن الأمر لا يرتبط بعملية عسكرية منفردة، وإنما يأتي ضمن نمط أوسع من التحرك الصهيوني في الضفة، يسعى من خلاله الاحتلال إلى الحفاظ على المبادرة وتوسيع حضورها الميداني تحت مبررات أمنية مختلفة.
وأكد أن الرسالة الأساسية لهذه التحركات تتمثل في احتفاظ جيش الاحتلال بالسيطرة والردع وحرية العمل الميداني في الضفة، واستعداده لاستخدام أدوات عسكرية متعددة لتحقيق ذلك.
المروحيات كأداة ردع وسيطرة
من جانبه، يرى الباحث في السياسات الإسرائيلية والكاتب والمحلل السياسي عدنان نعيم أن ما يجري في الضفة، وآخره عمليات الإنزال في اللبن الشرقية ويطا، يعكس تطوراً في نمط العمل العسكري للاحتلال.
وأوضح نعيم في تصريح صحفي أن استخدام المروحيات يمثل أسلوباً مختلفاً عن الاقتحام التقليدي بالقوات البرية، وقد يندرج تكتيكياً ضمن التدريب العسكري، في ظل عدم صدور تفسير صهيوني علني تفصيلي للعملية حينها.
وأشار إلى أن الإنزال يحمل رسائل تتجاوز الجانب التكتيكي، أولها رسالة قدرة وسيطرة وردع، مفادها امتلاك القدرة على الوصول إلى أي منطقة وفي أي وقت وبوسائل عسكرية متعددة، وثانيها رسالة ردع نفسي عبر إدخال المروحيات والقوات الخاصة إلى البيئة المدنية، بما يجعل الاقتحام ممكناً من البر والجو معاً.
وأضاف أن الرسالة الثالثة تتصل بالجغرافيا، إذ تقع يطا جنوب الضفة واللبن الشرقية شمالها، ما يجعل قراءة التحركات إلى جانب الاقتحامات والاستيطان والهدم مؤشراً إلى إدارة الضفة بمنطق أمني وعسكري متصاعد.
ولفت نعيم إلى أن يطا تشهد ضغطاً مركباً من الهدم والتهجير وعنف المستوطنين وتوسع البؤر الاستيطانية، مشيراً إلى أن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشئون الإنسانية وثق هدم 49 منشأة في مسافر يطا بين 2 و8 سبتمبر الجاري، ما أدى إلى تهجير 57 فلسطينياً، بينهم 27 طفلاً.
أربعة مسارات محتملة
وفي قراءته للمرحلة المقبلة، تحدث نعيم عن أربعة مسارات محتملة للضفة، تشمل تصعيداً متدرجاً يضم الاقتحامات والاعتقالات والهدم وتوسيع العمليات، وفرض وقائع جغرافية جديدة عبر الجمع بين الضغط العسكري والاستيطان والهدم وإضعاف قدرة التجمعات الفلسطينية على البقاء.
كما أشار إلى احتمال اتساع الضفة كساحة مواجهة من خلال موجات متقطعة من التوتر والمواجهات والعمليات والاقتحامات، إلى جانب مسار مرتبط بنتائج انتخابات الاحتلال.
ويرى نعيم أن طبيعة حكومة الاحتلال المقبلة قد تؤثر في مستوى التصعيد والأدوات المستخدمة، بينما يبقى السؤال الأساسي، وفق قراءته، مرتبطاً بشكل التطورات التي قد تشهدها الضفة خلال المرحلة المقبلة.
تدريب أم تحضير لمرحلة أكبر؟
بدوره، يرى الأكاديمي والباحث في الإدارة العامة والعلوم السياسية محمد الرجوب أن عمليات الإنزال بالمروحيات في يطا واللبن الشرقية تحمل رسائل متعددة، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها اقتحامات أمنية منفصلة.
وأوضح أن اللبن الشرقية شهدت عمليات إنزال واقتحامات واسعة شاركت فيها آليات عسكرية إسرائيلية، تخللها إغلاق مداخل البلدة واقتحام أكثر من 50 منزلاً، فيما شهدت يطا في 16 سبتمبر دخول قوات كبيرة بالتزامن مع إنزال جنود من مروحيات عسكرية.
وأشار الرجوب إلى أن الإنزال الجوي تزامن، وفق التقارير المنشورة، مع اقتحام بري واسع، ووُصف في بعض المصادر بأنه عملية تدريبية انتهت بانسحاب قوات الاحتلال.
لكنه لفت إلى أن اختيار الضفة كساحة للتدريب، في حال صح هذا الوصف، يتيح اختبار قدرة القوات على الإنزال والانتشار والتحرك داخل بيئة فلسطينية حقيقية.
ويرى أن ذلك يفتح احتمالين متزامنين: أن تكون العملية تدريباً لرفع جاهزية الجيش ووحداته الخاصة، أو أن تكون جزءاً من التحضير لسيناريو عملياتي أكبر تُختبر خلاله تكتيكات جديدة تحسباً لمواجهة مستقبلية في الضفة.
المؤشر في تكرار الإنزالات
ويشير الرجوب إلى أن المؤشر الأهم سيكون في التطورات اللاحقة، خصوصاً إذا تكررت عمليات الإنزال أو ظهرت عمليات مركبة تجمع بين المروحيات والقوات الخاصة والاقتحامات البرية.
وأضاف أن تزامن النشاط في جنوب نابلس ويطا ومناطق أخرى، بالتوازي مع تقارير عن اعتداءات المستوطنين والنشاط الاستيطاني، قد يعكس انتقالاً من التعامل مع الضفة باعتبارها بؤراً أمنية منفصلة إلى التعامل معها كمسرح جغرافي واحد قابل للعمل العسكري المتزامن.
كما لفت إلى أن المروحيات فوق منازل الفلسطينيين تحمل أثراً نفسياً وردعياً، وتبعث رسالة بامتلاك الجيش أدوات متقدمة للسيطرة والاقتحام وإحباط ما يعتبره تهديداً للأمن الصهيوني.
تصعيد تدريجي دون حرب شاملة
وحول السيناريوهات المقبلة، تحدث الرجوب عن تصعيد تدريجي عبر الاقتحامات والاعتقالات والحواجز والعمليات النوعية، أو توسيع العمليات لتشمل مخيمات ومناطق محددة بما قد يؤدي إلى نزوح مؤقت وإعادة تشكيل للجغرافيا الفلسطينية.
وأشار كذلك إلى احتمال نقل الضغط من الجانب الأمني إلى الجغرافيا عبر تداخل العمليات العسكرية مع الاستيطان والهدم والتضييق وتغيير الواقع على الأرض.
وفي المقابل، أشار إلى احتمال استمرار حالة من العمليات منخفضة الوتيرة، تقوم على الاقتحامات والعمليات الخاصة والاعتقالات والحواجز والاستنزاف المتواصل للمجتمع الفلسطيني، دون الوصول إلى حرب شاملة.
وأكد أن مشاهد الإنزال الجوي لا تثبت بدء عملية عسكرية شاملة، لكنها تظهر جاهزية للتصعيد وتغيراً محتملاً في قواعد العمل العسكري.
رسالة نفسية وسياسية
أما أستاذ العلوم السياسية والمختص بالشأن الإسرائيلي د. سهيل دياب، فيرى أن عمليات الإنزال الجوي في اللبن الشرقية ويطا تقع دون مستوى إعلان حرب شاملة، لكنها تتجاوز نمط عمليات الاحتلال التراكمية خلال الفترة الماضية في الضفة الغربية.
وأوضح أن إنزال الجنود من المروحيات في يطا حمل رسالة نفسية تهدف إلى خلق حالة من الخوف والقلق، وإيصال تحذير للفلسطينيين بشأن تبعات أي تحرك، مشيراً إلى أن إعلان جيش الاحتلال أن العملية تندرج ضمن تمرين عسكري لا يلغي أبعادها النفسية والسياسية.
ويرى دياب أن هذه التحركات تكشف أيضاً عن تخوف إسرائيلي من احتمال انفلات الأوضاع في الضفة، والاستعداد لاحتمالات مواجهة أوسع أو أشكال جديدة من المقاومة الفلسطينية.
وأشار إلى أن العامل المشترك بين يطا واللبن الشرقية يتمثل في تداخل الاستيطان والجغرافيا والجانب العسكري والأمني، معتبراً أن الموقعين يمثلان نقاطاً جغرافية واستيطانية وأمنية مهمة في المشهد الإسرائيلي بالضفة.
التدريب على ساحات أخرى
من جهته، يرى الكاتب والمحلل السياسي سري سمور أن عمليات الإنزال بالمروحيات في اللبن الشرقية ويطا تحمل أكثر من هدف، في مقدمتها التدريب على ساحات أخرى، إلى جانب بث الخوف في صفوف الفلسطينيين وإظهار الضفة الغربية وكأنها ساحة عمليات ومواجهة عسكرية.
وأوضح سمور أن عمليات الإنزال تأتي في سياق تدريبات يمكن أن تكون مرتبطة بساحات أخرى، مشيراً إلى أن الاحتلال سبق أن استخدم الضفة لتجريب معدات عسكرية، ولا سيما في منطقة جنين، بسبب التشابه النسبي بين تضاريس المحافظة وتضاريس جنوب لبنان.
ويرى أن الإنزال الجوي يحمل، في هذا السياق، هدفاً تدريبياً واضحاً، بالتزامن مع محاولة إظهار الجاهزية العسكرية.
ماذا بعد؟
وتبقى دلالة هذه العمليات مرتبطة بما ستشهده الضفة خلال المرحلة المقبلة، خصوصاً مع استمرار الاقتحامات والاستيطان والهدم واعتداءات المستوطنين.
وبحسب القراءات، فإن تكرار عمليات الإنزال الجوي، أو انتقالها إلى عمليات تجمع بين المروحيات والقوات الخاصة والاقتحامات البرية، سيكون مؤشراً مهماً على طبيعة المرحلة المقبلة.
كما أن تزامن النشاط العسكري مع تغيرات على الأرض، سواء عبر التوسع الاستيطاني أو عمليات الهدم أو فرض قيود جديدة على التجمعات الفلسطينية، قد يجعل الإنزالات جزءاً من نمط أوسع من إعادة تشكيل الواقع الأمني والجغرافي في الضفة الغربية، بدلاً من بقائها مجرد تدريبات عسكرية منفصلة.