أحمد شوقي عفيفي
لم تكن قضية الأقليات المسلمة في فكر الإمام يوسف القرضاوي رحمه الله مسألة فقهية عابرة، تقتصر على أحكام العبادات والمعاملات في ديار غير المسلمين، بل كانت قضية حضارية تتشابك فيها أسئلة العقيدة والهوية، وتتلاقى عندها مقتضيات الثبات على الدين مع ضرورات الانفتاح على العالم، وتتجلى فيها قدرة الفقه الإسلامي على استيعاب تحولات الحياة، ومواكبة مستجدات العصر، والاستجابة لحاجات الإنسان في مختلف البيئات والمجتمعات.
لقد أدرك الدكتور القرضاوي أن المسلمين الذين يعيشون خارج العالم الإسلامي لم يعودوا مجرد جاليات عابرة، تحمل حقائب الغربة وتترقب ساعة العودة، بل غدا كثير منهم جزءا أصيلا من نسيج أوطانهم، ولدوا على أرضها، ونشأوا في أحضانها، وارتبطت بها مصالحهم ومصائر أبنائهم وأحفادهم.
ومن هنا، لم يعد السؤال مقتصرا على كيفية محافظة المسلم على دينه في بيئة تختلف عنه في العقيدة والثقافة، بل امتد إلى سؤال أرحب: كيف يكون المسلم وفيا لدينه مخلصا لوطنه، فاعلا في مجتمعه دون أن يذوب في غيره أو ينغلق على نفسه؟
وفي سبيل الإجابة عن هذا السؤال، تبلورت في فكر الدكتور القرضاوي رؤية فقهية تجمع بين أصالة المرجعية الشرعية ووعي الواقع، وبين صيانة الهوية والاندماج الإيجابي، وبين الاعتزاز بالانتماء الإسلامي والوفاء بمقتضيات المواطنة.
أولا: فقه الأقليات اجتهاد يستوعب الواقع ولا يغادر الأصول
انطلق الدكتور القرضاوي من إيمانه بسعة الشريعة الإسلامية ومرونتها، وقدرتها على استيعاب اختلاف الأزمنة والأمكنة والأحوال مؤكدا أن الفقه الذي يعالج قضايا الأقليات لا بد أن يجمع بين رسوخ الأصول ودقة النظر في الواقع. فليست الأحكام الشرعية نصوصا تنتزع من سياقاتها، ثم تنزل على الوقائع دون اعتبار لخصوصياتها، وإنما يتطلب الاجتهاد فقها بالنص، وفقها بالواقع، وفقها بالمآلات حتى تتحقق مقاصد الشريعة، وتراعى مصالح الناس، وترفع عنهم المشقة والحرج في حدود الضوابط الشرعية.
وقد بسط الدكتور القرضاوي معالم هذا المنهج في بحثه فقه الأقليات المسلمة: أهدافه وخصائصه ومصادره مبينا الحاجة إلى اجتهاد يراعي الظروف الخاصة التي يعيش فيها المسلمون خارج المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة.
ولم يكن مراده أن يقيم فقها منعزلا عن أصول الشريعة، أو أن يجعل خصوصية الواقع ذريعة إلى تجاوز أحكامها، بل أراد أن يفتح للاجتهاد أبوابه المنضبطة، وأن يصل بين النصوص ومقاصدها، وبين الأحكام وغاياتها، وبين الثوابت ومتغيرات الحياة. وهكذا غدا فقه الأقليات في مشروعه انتقالا من معالجة المسائل المتفرقة إلى بناء رؤية متكاملة، تستوعب شؤون الفرد والأسرة والمجتمع، وتبحث عن السبل التي تمكن المسلم من ممارسة دينه والاضطلاع بمسؤولياته في وطنه.
ثانيا: الهوية الإسلامية.. ثبات بلا انغلاق واندماج بلا ذوبان
كانت الهوية الإسلامية في فكر الدكتور القرضاوي حصنا يحفظ للمسلم شخصيته، لا سجنا يعزله عن العالم، وكانت المحافظة عليها تعني الثبات على العقيدة والقيم والشعائر، لا الانقطاع عن المجتمع أو الارتياب الدائم في الآخر. فلم ير في الاختلاف الديني حاجزا يحول دون التواصل الإنساني، كما لم يجعل الاندماج في المجتمع مبررا للتخلي عن الخصوصية الإسلامية. ومن هنا برزت في خطابه معادلة دقيقة، تقوم على الجمع بين الاستقامة والانفتاح، وبين المحافظة على الذات والتفاعل مع الآخرين بحيث لا يتحول الاعتزاز بالهوية إلى عزلة، ولا ينقلب الاندماج إلى ذوبان. فالمسلم في ضوء هذا التصور، يستطيع أن يحمل إيمانه في قلبه، ويعتز بدينه في حياته، ويشارك مواطنيه في بناء وطنه دون أن يرى في هذه الانتماءات تناقضا لا سبيل إلى تجاوزه. إن الهوية الراسخة لا تستمد قوتها من إقامة الأسوار بينها وبين العالم، وإنما من وضوح مبادئها، وثقة أصحابها بها، وقدرتهم على التعبير عنها في سلوكهم وعلاقاتهم ومساهماتهم النافعة. وهكذا سعى الدكتور القرضاوي إلى تحرير الوجود الإسلامي في المجتمعات غير الإسلامية من ثنائية الانغلاق والذوبان فاتحا أمامه أفقا يجمع بين الأصالة والمعاصرة، والخصوصية والمشاركة، والانتماء الديني والعيش المشترك.
ثالثا: المواطنة حين يلتقي الوفاء للدين بالوفاء للوطن
لم ينظر الدكتور القرضاوي إلى المسلم المقيم في بلد غير إسلامي بوصفه غريبا أبديا، يعيش على هامش وطنه، ويحمل في وجدانه شعورا دائما بالانفصال عن مجتمعه. بل تناول في كتاباته العلاقة بين الانتماء الديني والانتماء الوطني، وبحث ما يترتب على المواطنة من حقوق وواجبات، وما تقتضيه من مشاركة ومسؤولية ووفاء بالالتزامات المشروعة. وفي بحثه الوطن والمواطنة في ضوء الأصول العقدية والمقاصد الشرعية عالج مسائل الوطن والتجنس والانتماء والاندماج محاولا تأصيل العلاقة بين المسلم ووطنه في ضوء المرجعية الإسلامية ومقاصدها. فليس الانتماء إلى الأمة الإسلامية في هذا التصور نفيا للانتماء إلى الوطن، كما أن الوفاء للوطن لا يستلزم التخلي عن الدين. ومن هنا تتجلى أهمية المواطنة في فكره، إذ تتحول من مجرد رابطة قانونية إلى مجال تتجسد فيه المسؤولية الاجتماعية، والمشاركة في الشأن العام، وصيانة المصالح المشتركة، واحترام الحقوق والواجبات.
لقد سعى الدكتور القرضاوي إلى أن ينتقل المسلم من شعور الغربة الدائمة إلى وعي المواطنة، ومن الاكتفاء بحماية وجوده الخاص إلى الإسهام في بناء وطنه دون أن يفقد صلته بأمته أو يتنكر لهويته.
رابعا: الاندماج الإيجابي من هامش المجتمع إلى رحابة المشاركة
لم يكن الاندماج الذي دعا إليه الدكتور القرضاوي استسلاما لثقافة الأغلبية، ولا انصهارا في قيمها على حساب العقيدة، بل كان مشاركة واعية في حياة المجتمع، تقوم على التفاعل والعطاء، وتستند إلى المحافظة على الشخصية الإسلامية.
فالمسلم وفق هذه الرؤية، ليس مدعوا إلى الانكفاء وراء جدران العزلة، ولا إلى الاكتفاء بمراقبة مجتمعه من بعيد، وإنما إلى أن يكون عنصرا فاعلا في ميادين العلم والعمل والخدمة الاجتماعية والحياة العامة.
وقد ربط الدكتور القرضاوي بين الاندماج والمحافظة على الدين، ودعا المسلمين إلى الإسهام في تقدم المجتمعات التي يعيشون فيها، كما أكد مسؤولية تلك المجتمعات عن الاعتراف بحقوقهم وإزالة العوائق التي تحول دون مشاركتهم. فالاندماج لا يستقيم إذا كان طريقا ذا اتجاه واحد، تطالب فيه الأقلية بالتكيف دون أن تجد من المجتمع اعترافا بحقوقها واحتراما لخصوصيتها.
والمواطنة لا تؤتي ثمارها إذا بقي بعض أبنائها أسرى التهميش والإقصاء، أو تحول اختلافهم الديني إلى حاجز يحول بينهم وبين المشاركة الكاملة في الحياة العامة.
وهكذا لم تكن دعوة الدكتور القرضاوي إلى الاندماج دعوة إلى التخلي عن الذات، وإنما إلى تجاوز العزلة، وتحويل الوجود الإسلامي من حضور محدود إلى مشاركة مسؤولة، ومن الانشغال الدائم بحماية الهوية إلى الجمع بين حمايتها والإسهام في خدمة المجتمع.
خامسا: الاجتهاد الجماعي من هموم الأفراد إلى مسؤولية المؤسسات
أدرك الدكتور القرضاوي أن القضايا التي تواجه الأقليات المسلمة أعقد من أن تستوعبها الفتاوى الفردية المتفرقة، وأن تشابك المسائل الدينية بالقوانين والأعراف والظروف الاجتماعية يقتضي اجتهادا جماعيا يجمع بين المعرفة الشرعية والإحاطة بالواقع. ومن هنا تجلت عنايته بالعمل المؤسسي من خلال المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، الذي تأسس سنة 1997م، وتولى رئاسته ليكون إطارا علميا يعنى بالنوازل الفقهية التي تواجه المسلمين في أوروبا. فالمسائل المتعلقة بالأسرة والتعليم والمعاملات المالية والعلاقات الاجتماعية لا يمكن فصلها عن البيئات القانونية والثقافية التي تنشأ فيها، ولا يكفي لمعالجتها مجرد استحضار الأحكام دون استيعاب ملابسات الوقائع.
وقد سعى الدكتور القرضاوي من خلال هذا التوجه إلى ترسيخ الاجتهاد الجماعي، وتقريب وجهات النظر الفقهية، وتقديم معالجات تستند إلى الأصول الشرعية وتراعي خصوصية الحياة في المجتمعات غير الإسلامية. وبذلك انتقل الاهتمام بالأقليات من جهود الأفراد إلى رحابة المؤسسات، ومن الإجابات المتفرقة إلى محاولة بناء مرجعية علمية تعين المسلمين على مواجهة تحدياتهم المتجددة.
سادسا: العيش المشترك جسور التواصل في مواجهة أسوار العزلة
لم تغب عن الشيخ القرضاوي التحديات التي تعترض المسلمين في المجتمعات غير الإسلامية، سواء ما تعلق منها بصعوبة المحافظة على الهوية، أو ما ارتبط بالتمييز والإقصاء والتوترات الاجتماعية. غير أنه لم يحصر معالجة هذه التحديات في مطالبة المجتمعات بحقوق المسلمين، بل تناول كذلك مسؤولية المسلمين أنفسهم عن تجاوز الانغلاق، وتصحيح التصورات التي قد تعوق تفاعلهم مع محيطهم.
وفي معالجته لفقه العيش المشترك، تناول العلاقة بين المواطنة والاندماج، وما يقتضيه التعايش من احترام متبادل واعتراف بالحقوق والمسؤوليات. فلا يمكن أن تزدهر حياة مشتركة في ظل الارتياب المتبادل، ولا أن تستقر علاقة المواطنة إذا تحول الاختلاف الديني إلى ذريعة للتمييز، أو أصبح الاعتزاز بالهوية سببا للقطيعة والانفصال.
ومن هنا سعى الدكتور القرضاوي إلى بناء تصور يجعل التواصل بديلا عن العزلة، والمشاركة بديلا عن التهميش، والاحترام المتبادل أساسا للعلاقة بين المسلمين وسائر مكونات المجتمع. وهي رؤية تتفاوت إمكانات تطبيقها باختلاف البلدان وأنظمتها القانونية وتجاربها التاريخية، لكنها تظل إطارا لفهم العلاقة بين المحافظة على الخصوصية الدينية والاندماج في الحياة العامة.
سعى الدكتور يوسف القرضاوي إلى تأصيل فقه للأقليات المسلمة، يزاوج بين ثبات الأصول وتجدد الواقع، ويصون الهوية دون عزلة، ويفتح أبواب الاندماج دون ذوبان. وفي رؤيته، لا يتنافى الوفاء للدين مع الانتماء للوطن، بل يتعانقان في رحاب المواطنة الواعية، فتظل الهوية جذورا راسخة، والمواطنة أفقا رحبا، والمشاركة جسرا يصل المسلم بمجتمعه دون تفريط في أصالته أو تنكر لدينه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
* أحمد شوقي عفيفي؛ عضو لجنة الأئمة والخطباء في الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
** المراجع:
١. القرآن الكريم.
٢. الدكتور يوسف القرضاوي، في فقه الأقليات المسلمة.
٣. الدكتور يوسف القرضاوي، الوطن والمواطنة في ضوء الأصول العقدية والمقاصد الشرعية.
٤. الدكتور يوسف القرضاوي، فقه العيش المشترك: المواطنة نموذجا.
٥. الدكتور صلاح الدين سلطان، الضوابط المنهجية لفقه الأقليات المسلمة.