الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين ثم أما بعد

       لم يعد الشاب اليوم يبحث عن المعرفة في الكتاب وحده، ولا ينتظر أن يسمع فكرة جديدة من أستاذ، أو شيخ أو محاضر، لقد أصبحت الشاشة بشقيها التقليدي، والحديث[1] جزءا من حياته اليومية؛ يشاهد من خلالها، ويسمع، ويحاور، ويجادل، ويتلقى آلاف الأفكار خلال دقائق قليلة.

      وفي عالم مفتوح بهذا الشكل، أصبحت الأسئلة الكبرى حول الدين، والوجود، والإنسان، والغاية من الحياة تصل إلى الشباب بصورة غير مسبوقة، ومن بين هذه الأسئلة سؤال شديد الحساسية: هل يوجد الله؟ وما الدليل على وجوده؟ ولماذا نؤمن؟ هذه الأسئلة ليست جديدة في تاريخ البشرية، لكن الجديد هو سرعة انتشارها، وطريقة تقديمها، فقد تنتقل فكرة فلسفية معقدة في دقائق إلى هاتف شاب لم يسبق له أن قرأ في الفلسفة، أو العقيدة، وقد يشاهد مقطعا قصيرا لشخص يتحدث بثقة عن الإلحاد، فيشعر أن لديه إجابة نهائية عن أسئلة ظل يبحث عنها طويلا. [2]

    وهنا تبدأ القضية التي تستحق منا التأمل: كيف نحمي شبابنا فكريا، دون أن نخاف من السؤال؟ وكيف نواجه الإلحاد بالحجة، والحوار، والحكمة، لا بالاتهام، والتخويف، والعنف؟

أولا: الشباب، والأسئلة الكبرى

     مرحلة الشباب مرحلة بناء للهوية، واكتشاف للذات، ولذلك فمن الطبيعي أن يطرح الشاب أسئلة عميقة عن الحياة، والموت، والحرية، والعدالة، والدين، وقد يكون السؤال بداية معرفة، وليس بداية انحراف، فالشاب الذي يسأل: “أين الدليل على وجود الله؟” لا ينبغي أن يكون أول جواب له: “لا تسأل”، بل ينبغي أن يكون الجواب:” تعال نبحث عن الإجابة معا“، لأن المشكلة لا تكمن في وجود الأسئلة، وإنما قد تكمن في تركها بلا إجابة، أو دفع الشاب إلى البحث عنها في مصادر لا تقدم له المعرفة بصورة متوازنة.

    وفي بعض الأحيان قد يجد الشاب في الفضاء الرقمي شخصا يتحدث بثقة، فيظن أن الثقة في الكلام تعني قوة الدليل، لكن الحقيقة أن قوة الفكرة لا تقاس بارتفاع الصوت، ولا بعدد المشاهدات، ولا بقدرة صاحبها على السخرية من الطرف الآخر، وإنما بقوة حجتها، واتساقها، وقدرتها على الصمود أمام النقد.

ثانيا: الشباب، والإيمان في مواجهة التحديات الفكرية المعاصرة

     تمثل فئة الشباب اليوم أكثر الفئات تعرضا للشبهات الفكرية بسبب الانفتاح الكبير على مختلف الثقافات، والأفكار، ولذلك فإن مسؤولية بناء الإيمان في نفوس الشباب تعد من أهم الواجبات التربوية، والدعوية في العصر الحاضر، ولا يكفي في هذا المجال الاقتصار على التحذير من الشبهات، بل لا بد من بناء اليقين قبل وقوع الشبهة، وترسيخ محبة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وتعظيم القرآن الكريم، وربط الشباب بسير الأنبياء والصحابة،والعلماء، وتعريفهم بالأدلة العقلية ، والشرعية التي تؤكد صحة الإسلام، وصدق رسالته.

     وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يؤسسون الإيمان في القلوب قبل أي شيء آخر؛ لأن القلب إذا امتلأ إيمانا صار أكثر قدرة على استقبال العلم والانتفاع به. ولهذا قالت جندب بن عبد الله رضي الله عنه: “تعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيماناً“[3]، ومن المهم كذلك أن تقدم المؤسسات العلمية والدعوية محتوى إيمانيا وفكريا معاصراً يخاطب الشباب بلغة يفهمونها، ويجيب عن أسئلتهم، ويربطهم بأصول دينهم، حتى لا يترك المجال للمصادر غير الموثوقة لتشكيل وعيهم العقدي والفكري.[4]

ثالثا: القنوات الفضائية، وتشكيل الوعي

    لقد لعبت القنوات الفضائية دورا مهما في نقل الأفكار، والثقافات بين المجتمعات ،  وهذا ما جعل المشاهد، خاصة الشاب رهينا لجاذبيتها، ومتعلقا بها، مما أثر وبشكل كبير على سلوكه، وأفكاره ، وقيمه [5]، وأصبح الشاب يستطيع متابعة برامج، وحوارات، ومناظرات تتناول قضايا الدين، والفلسفة، والإلحاد، وهذا الانفتاح يمكن أن يكون فرصة للتعلم، لكنه قد يتحول إلى مصدر ارتباك إذا تلقى الشاب أفكارا متناقضة دون امتلاك الأدوات التي تمكنه من تحليلها، فقد يشاهد مناظرة بين شخص مؤمن، وشخص ملحد، فينتصر في نظره الطرف الذي كان أكثر قدرة على التعبير، أو أكثر سرعة في الرد، مع أن قوة الحجة شيء آخر تماما، وهنا تظهر أهمية التربية النقدية؛ أي تعليم الشباب كيف يسألون: من صاحب هذه الفكرة؟ ما دليله؟ هل الدليل صحيح؟ هل النتيجة التي وصل إليها لازمة فعلا من مقدماته؟ هل توجد وجهة نظر أخرى؟ وهذا النوع من التفكير يحول الشاب من مجرد مستهلك للمحتوى إلى إنسان قادر على تقييمه.

رابعا: مواقع التواصل الاجتماعي

      عندما يصبح الهاتف مدرسة مفتوحة أصبح الهاتف الذكي اليوم نافذة مفتوحة على العالم، وفي مواقع التواصل الاجتماعي يمكن للشاب أن ينتقل خلال دقائق من مقطع ديني إلى مقطع فلسفي، ومن مقطع علمي إلى مقطع إلحادي، ثم يدخل في نقاش طويل مع أشخاص لا يعرفهم، و المشكلة هنا ليست في وجود هذه المنصات في حد ذاتها، وإنما في أن سرعة المحتوى قد تكون أكبر من سرعة التفكير، فالمقطع الذي لا يتجاوز دقيقة قد يطرح قضية احتاج الفلاسفة، والعلماء إلى كتب، ومناقشات طويلة لمعالجتها، وقد يستخدم بعض صناع المحتوى عبارات مثيرة، أو ساخرة لجذب المشاهدات، فيختلط عند المتلقي النقاش العلمي بالإثارة الإعلامية، كما أن آليات التوصية في المنصات الرقمية قد تجعل المستخدم يرى المزيد من المحتوى المشابه لما شاهده، وتفاعل معه، مما قد يؤدي إلى تضييق دائرة الأفكار التي يتعرض لها، وهو ما يعني الخطر الكبير على هويته، وثقافته ، وتاريخه.[6]

     ولهذا فإن الشاب يحتاج إلى أن يتعلم قاعدة مهمة:” لا تجعل خوارزمية المنصة تختار لك وحدها ما تؤمن به، ابحث، واقرأ، وقارن، واسأل أهل الاختصاص”.

خامسا: من مقطع قصير إلى أزمة فكرية

     من أخطر الأمور أن يتحول مقطع واحد إلى مصدر وحيد للحقيقة، فقد يسمع الشاب شبهة حول وجود الله تعالى، أو حول مشكلة الشر، أو حول علاقة الدين بالعلم، ثم يشعر أن السؤال قد حُسم بمجرد سماعه لذلك المقطع، لكن القضايا الكبرى لا تُحسم بهذه الطريقة، فهناك فرق بين عرض السؤال ،وبين إثبات الجواب، وقد تكون الشبهة قوية في صياغتها، لكنها ضعيفة في أساسها، وقد يبدو السؤال محرجا في البداية، ثم يتبين عند دراسته أن له أجوبة فلسفية، وعقلية، وعلمية متعددة، ومن هنا ينبغي أن نعلّم أبناءنا ألا يخافوا من الشبهة، ولكن أيضا ألا يقبلوها لمجرد أنها صيغت بطريقة جذابة، فليس كل ما ينتشر حقيقة، وليس كل ما يصفق له الجمهور برهانا

 سادسا: لماذا يحتاج الشباب إلى خطاب ديني مختلف؟

     إن مواجهة الإلحاد لا تكون فقط بتكرار العبارات القديمة، ولا بتخويف الشباب من السؤال، فالشاب اليوم يعيش في بيئة معرفية مختلفة، ولذلك يحتاج إلى خطاب يستطيع أن يخاطب عقله، وقلبه معا، يحتاج إلى من يقول له: اسأل، ناقش، لا تخف من السؤال، ولكن في الوقت نفسه: تعلّم قبل أن تحكم، اقرأ قبل أن ترفض، استمع إلى الطرفين قبل أن تختار موقفك.

     إن الخطاب الذي يحترم عقل الشاب أقرب إلى بناء القناعة من الخطاب الذي يطالبه بالامتثال دون فهم. والداعية الناجح ليس هو الذي يملك إجابة جاهزة لكل سؤال فقط، وإنما هو الذي يستطيع أن يفهم السؤال نفسه، وأن يكتشف خلفه القلق، والحيرة، والبحث عن المعنى.

سابعا: لا نعالج الشاب المتسائل وكأنه خصم

      من الأخطاء التي قد تزيد المشكلة أن نتعامل مع كل شاب يطرح سؤالا حول الدين باعتباره عدوا للدين، فقد يكون الشاب مؤمنا ، لكنه يمر بمرحلة أسئلة، وقد يكون متأثرا بشبهة، وقد يكون يبحث عن إجابة، وقد يكون بالفعل قد تبنى موقفا فكريا مختلفا، وفي كل هذه الحالات، فإن الصراخ لن يصنع يقينا، أما الحوار الهادئ فقد يفتح بابا جديدا، والقرآن الكريم يقدم لنا نموذجا عظيما في الحوار، قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125]، قال ابن كثير: “أي من احتاج منهم إلى مناظرة وجدال، فليكن بالوجه الحسن، برفق، ولين، وحسن خطاب[7] “،  وقال الشيخ ابن سعدي رحمه الله : ” فإن كان المدعو يرى أن ما هو عليه الحق، أو كان داعية إلى الباطل، فيجادل بالتي هي أحسن، وهي الطرق التي تكون أدعى لاستجابته عقلا، ونقلا، ومن ذلك الاحتجاج عليه بالأدلة التي كان يعتقدها فإنه أقرب إلى حصول المقصود، وأن لا تؤدي المجادلة إلى خصام، أو مشاتمة تذهب بمقصودها، ولا تحصل الفائدة منها، بل يكون القصد منها هداية الخلق إلى الحق، لا المغالبة، ونحوها.”[8]

     ولذلك كان النبي -صلى الله عليه وسلم- في حواره مع الآخر دائما يتعامل بالحكم، والرفق، مع الحلم والصبر، والتعليم، والتوجيه، بل إنه يقول صلى الله عليه وسلم: “إن اللهَ رفيقٌ، يُحِبُّ الرفقَ، ويُعْطي عليه ما لا يُعْطي على العُنْفِ.“[9]

     فالحكمة ليست ضعفا، والهدوء ليس عجزا، واحترام الإنسان لا يعني الموافقة على أفكاره، فيمكننا أن نختلف معه، ونناقش فكرته، ونقدم له الأدلة، دون أن نحوله إلى خصم يجب إسقاطه.

ثامنا: مسئولية الأسرة

      الأسرة هي أول بيئة يتعلم فيها الإنسان كيف يسأل، وكيف يبحث، والبيت الذي يسمح للأبناء بالكلام ، والاستفسار أكثر قدرة على اكتشاف المشكلات الفكرية مبكرًا، فإذا شعر الشاب أن كل سؤال سيقابل بالغضب أو السخرية، فقد يبحث عن الإجابة بعيدا عن أسرته، أما إذا وجد أبا ، أو أما يقولان له: “لا أعرف، فلنبحث معا” ، فإن ذلك يفتح بابا عظيما للحوار، وليس مطلوبا من الوالدين أن يكونا متخصصين في الفلسفة، والعقيدة، وإنما المطلوب ألا يغلقا باب الحوار، وأن يوجها أبناءهما إلى أهل العلم، والاختصاص، والمصادر الموثوقة، وهذا من أكبر المسؤوليات الملقاة على عاتق الآباء ، والأمهات ، قال عليه الصلاة والسلام : ” كلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيتِهِ فالأميرُ الذي على الناسِ راعٍ عليهم وهو مسؤولٌ عنهم والرجلُ راعٍ على أهلِ بيتِهِ وهو مسؤولٌ عنهم والمرأةُ راعيةٌ على بيتِ بعلها وولدِهِ وهي مسؤولةٌ عنهم وعبدُ الرجلِ راعٍ على بيتِ سيدِهِ وهو مسؤولٌ عنهُ ألا فكلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيتِهِ. “[10]

تاسعا: مسئولية الإمام، والداعية

    لم يعد المنبر وحده هو المكان الذي يسمع فيه الشباب الخطاب الديني، فالشاب قد يقضي ساعة على الهاتف، وربما لا يستمع إلى خطبة، أو درس إلا دقائق محدودة، ولهذا أصبح من الضروري أن يكون للإمام ، والداعية حضور واع في الفضاء الرقمي، ليس المقصود تحويل الداعية إلى مجرد صانع محتوى، وإنما أن يدرك أن المعركة الفكرية انتقلت جزئيا إلى فضاء جديد، فمقطع قصير يجيب عن سؤال حقيقي، أو حوار هادئ حول شبهة، أو سلسلة مبسطة في أدلة وجود الله، قد تصل إلى شاب لم يدخل المسجد منذ سنوات، وهنا تظهر مسئولية كبيرة: أن نقدم للناس دينا يفهمونه، وحجة يطمئنون إليها، وخطابا يحترم عقولهم.[11]

   وصفوة القول، ومع صور الإلحاد الجديد، يجب أن نتعاون جميعا – كل واحد في دائرة مسؤوليته – على حماية أبنائنا من هذا الخطر العظيم، ومن الحكمة في هذا الإطار أن نتحاور مع الشباب، وأن نجيب عن كل أسئلتهم، في جو من الحب، والرفق، واللين، بعيدا كل البعد عن أشكال العنف، والتطرف، والتخويف.

ـــــــــــــــــــــ

الهوامش


[1] أقصد هنا القنوات الفضائية ،  ومواقع التواصل الاجتماعي.

[2]  للمزيد اقرأ :  أحمد خيري العمري ،  ليطمئن عقلي ، ص : 10 ومابعدها.

[3]  أخرجه ابن ماجه برقم 61.

 [4] أثر قوة الإيمان في مواجهة الشبهات الفكرية المعاصرة، https://www.islamweb.net

[5]  حنان بولبازين ، القنوات الفضائية، وتأثيرها على القيم الاجتماعية، مجلة حوليات جامعة قالمة ، الجزائر ، ع 20 ، 2017، ص : 495.

[6]   عبد الحليم خلفي ، عظاف ميهوبي ،   أثر استخدام  مواقع التواصل الاجتماعي على المراهقين ، وأسرهم ، مجلة   الأكاديمية الدولية ، الجزائر ،م 06، ع01 ، 2026، ص: 231.

[7] ابن كثير ، تفسير القرآن  العظيم ، ج04   ، ص : 532.

[8] ابن سعدي ، تفسير ابن سعدي ، ج03، ص : 93.

[9] أخرجه أبو داود برقم 4807.

[10]  رواه البخاري برقم 2554.

[11]  وهذه مهمة جدا لكل داعية ، حتى لايبقى في المسجد فقظ، بل يجب أن يخرج إلى الشارع، ويستغل هذه الوسائل الحديثة، فالداعية ابن عصره.