دخلت المواجهات المسلحة في شمال إثيوبيا مرحلة أكثر خطورة مع اتساع رقعة القتال من إقليم تيجراي إلى إقليمي عفر وأمهرة، فيما أفادت تقارير ميدانية بتقدم قوات تابعة لجبهة تحرير شعب تيجراي وحلفائها داخل مناطق من عفر، وسط اتهامات متبادلة بين أطراف الصراع بشأن الجهة التي بدأت التصعيد ومخاوف من اتساع الحرب مجددا على نحو يتجاوز حدود الأقاليم الثلاثة.
وتأتي التطورات بعد أيام من اندلاع أكبر موجة قتال تشهدها المنطقة منذ اتفاق بريتوريا الذي أنهى الحرب السابقة في تيجراي عام 2022، وبعد إعلان سبع جماعات مسلحة إثيوبية تشكيل تحالف يهدف إلى مواجهة حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد.
وأفادت مصادر محلية وإنسانية بأن القتال في عفر تركز بصورة خاصة قرب الحدود مع تيجراي، حيث تمكنت قوات مرتبطة بجبهة تيجراي وحلفائها من تحقيق تقدم ميداني والسيطرة على مواقع وبلدات عدة.
تقدم داخل عفر
وقال رئيس الحزب الحاكم في إقليم عفر محمد حسين، في تصريحات له: إن قوات جبهة تيجراي توغلت في المنطقتين الثانية والرابعة من الإقليم وسيطرت على ثلاث بلدات، فيما حذر المسؤول من وجود آلاف المدنيين داخل المناطق التي شهدت القتال.
وأكدت مصادر أخرى أن مدينة "إيريبتي" الواقعة قرب الحدود مع تيجراي، سقطت في أيدي القوات المهاجمة الأحد بعد قصف مدفعي، فيما تحدثت تقارير عن تقدم باتجاه "أفديرا" الواقعة إلى الشرق.
وكانت "أبعالا" قد أصبحت في وقت سابق من الأسبوع إحدى النقاط الرئيسية في المعارك بين القوات الفدرالية والمجموعات المتحالفة مع تيجراي، في منطقة ذات أهمية عسكرية وجغرافية لكونها تقع على الطريق الذي يربط ميكيلي عاصمة تيجراي بمناطق عفر.
وتشير تقديرات مشروع "التحديات الحرجة" إلى أن قوات جبهة تيجراي، إلى جانب جبهة عفر الثورية للوحدة الديمقراطية، خاضت عمليات على محاور عدة على الحدود بين تيجراي وعفر، بينما امتدت المواجهات إلى مناطق مثل تونسا وبراحيلة ودالول وإيريبتي.
وفي حين يصعب التحقق بصورة مستقلة من جميع الادعاءات الميدانية بسبب اضطراب الاتصالات في شمال البلاد، قالت مصادر إنسانية لوكالة فرانس برس إن نحو 150 ألف شخص على الأقل نزحوا داخل إقليم عفر منذ بدء التصعيد، مع التأكيد على أن الرقم تقديري ولا تتوافر في الوقت الحالي إمكانية للتحقق منه بصورة مستقلة.
حصار ومخاوف إنسانية
ويزيد الوضع الإنساني من خطورة التصعيد، خصوصا في المناطق القريبة من خطوط التماس.
وتعيش مدينة أبعالا، التي يزيد عدد سكانها على 50 ألف نسمة، حالة حصار مع استمرار المعارك، وسط مخاوف من تفاقم الوضع الإنساني. كما تحدثت عن انقطاع خدمات الإنترنت في تيجراي ومناطق شمالية أخرى، الأمر الذي يعقّد الاتصال بالسكان ونقل المعلومات من مناطق القتال.
وتزامن ذلك مع ضربات بطائرات مسيّرة استهدفت، الأحد، مقر محطة "تيجراي تي في" في ميكيلي، في حادث لم ترد بشأنه تقارير عن سقوط ضحايا، فيما أعلنت السلطات الإثيوبية قبل أيام تعليق المحطة ومنع وسائل الإعلام الأخرى من استخدام تقاريرها مصدرا للأخبار.
ويحمل البعد الإنساني للتطورات أهمية خاصة في ضوء تجربة الحرب السابقة في تيجراي، التي تسببت، بحسب تقديرات دولية متباينة، في سقوط أعداد ضخمة من الضحايا ونزوح ملايين الأشخاص.
لماذا تكتسب عفر أهمية استراتيجية؟
لا تقتصر أهمية المعارك في عفر على البعد العسكري المباشر؛ فالإقليم يحتل موقعا حساسا في الجغرافيا الاقتصادية لإثيوبيا، إذ يربط الجزء الداخلي من البلاد بالطريق المؤدي إلى جيبوتي، التي تمثل منفذا تجاريا رئيسيا لإثيوبيا غير الساحلية.
وتشير تقديرات مركز "التحديات الحرجة" إلى أن القتال حول أبعالا وإيريبتي يفتح، من الناحية العسكرية، مجالا للضغط على الطرق التي تصل تيجراي بشبكة الطرق المؤدية إلى الطريق الإثيوبي ت الجيبوتي. كما أن استمرار القتال في عفر يمكن أن يهدد واحدا من أهم ممرات التجارة والإمداد في البلاد.
ويكتسب هذا العامل أهمية أكبر في ظل اعتماد إثيوبيا بدرجة كبيرة على ميناء جيبوتي في تجارتها الخارجية. ولذلك فإن انتقال القتال من المناطق الجبلية في تيغراي إلى الممرات البرية في عفر يضيف بعدا اقتصاديا إلى المواجهة العسكرية.
لكن السيطرة على بلدات في عفر لا تعني بالضرورة قطع الطريق التجاري بصورة كاملة، إذ ما تزال المعارك متحركة، كما أن القوات الحكومية الإثيوبية تحاول استعادة المواقع التي فقدتها، وفقا للمصادر المتاحة.
اتهامات بدور إريتري
وتترافق التطورات الميدانية مع عودة ملف إريتريا إلى واجهة الصراع. واتهم مسئولون إثيوبيون خلال الأيام الأخيرة إريتريا بدعم جماعات مسلحة معارضة للحكومة، فيما تحدثت السلطات في عفر، وفق تقارير إعلامية، عن تدخل إريتري مباشر في العمليات العسكرية.
غير أن هذه الاتهامات لم تُثبت بصورة مستقلة حتى الآن، كما أن أسمرة سبق أن نفت اتهامات مماثلة. وقالت "رويترز" إن المتحدثة باسم آبي أحمد اتهمت إريتريا بتقديم دعم مالي للتحالف المسلح الجديد، بينما لم ترد إريتريا فورا على طلب للتعليق، مع الإشارة إلى أنها نفت مرارا اتهامات مماثلة.
كما اتهم رئيس أركان الجيش الإثيوبي المشير برهانو جولا أطرافا خارجية بدعم الجماعات المسلحة، وذكر إريتريا في سياق حديثه عن التحالف المعارض، من دون تقديم أدلة علنية على هذه الاتهامات.
ويزيد هذا الملف من حساسية الوضع، خصوصا أن إريتريا كانت طرفا عسكريا إلى جانب القوات الإثيوبية خلال الحرب السابقة في تيجراي، قبل أن تتدهور العلاقات بين أسمرة وأديس أبابا لاحقا.
تحالف جديد يعيد رسم خريطة الصراع
ولا يمكن فصل التصعيد الحالي في عفر عن التحول السياسي والعسكري الذي سبق اندلاع المعارك. ففي 21 سبتمبر، أعلنت سبع جماعات مسلحة إثيوبية تشكيل "تحالف قوى الشعب الإثيوبي من أجل البقاء"، وهو تحالف يضم جبهة تحرير شعب تيجراي، وحركة أمهرة فانو الوطنية، وجيش تحرير أورومو، وجبهة عفر الثورية للوحدة الديمقراطية، وجبهة تحرير أوغادين الوطنية، وحركة تحرير شعوب بني شنقول، وحركة جوموز الديمقراطية الشعبية.
ويكتسب التحالف أهمية خاصة بسبب جمعه قوى كانت في السابق على طرفي نقيض، إذ قاتلت فانو إلى جانب القوات الفدرالية ضد جبهة تيجراي خلال الحرب بين عامي 2020 و2022.
وقال المتحدث باسم جبهة تيجراي مايكل أسدوم في تصريحات صحفية: إن التعاون بين الجماعات المشاركة في التحالف سياسي وعسكري، وإن العمليات العسكرية المشتركة قد تصبح ضرورية لتحقيق هدف إسقاط الحكومة. كما قال إن اتفاق السلام الموقع عام 2022 لم يعد، من وجهة نظر الجبهة، صالحا.
لكن مدى قدرة هذه الجماعات على العمل كقوة عسكرية موحدة ما يزال غير واضح. ونقلت "رويترز" عن محلل في مجموعة الأزمات الدولية أن التباعد الجغرافي والخلافات السياسية وضعف بعض مكونات التحالف قد تعرقل قدرته على العمل المشترك.
من تيجراي إلى أمهرة وعفر
وفي 23 سبتمبر، بدأت جبهة تيجراي هجوما واسعا تزامن مع سيطرتها على مطارات رئيسية في الإقليم، بينها مطارات ميكيلي وشيري وأكسوم، قبل أن تمتد المواجهات إلى عفر وأمهرة.
وتقول السلطات الإثيوبية إن الجبهة شنت هجوما واسعا على مواقع حكومية، بينما تصف جبهة تيجراي عملياتها بأنها ذات طابع دفاعي وتتهم الحكومة بشن هجمات عليها.
وأكدت تقارير متعددة وقوع اشتباكات في الأقاليم الثلاثة، فيما أفاد مشروع "التحديات الحرجة" بأن قوات فانو وجبهة تيجراي خاضت بدورها معارك ضد القوات الحكومية على عدة محاور في أمهرة، بما في ذلك محيط الطريق الرئيسي بين ألاماتا وولديا.
وهكذا لم يعد الصراع محصورا في جبهة تيجراي، بل أصبح متعدد المحاور، مع انتقال القتال إلى مناطق ذات أهمية استراتيجية واقتصادية بالنسبة للحكومة الإثيوبية.
اتفاق بريتوريا أمام اختبار جديد
ويأتي التصعيد بعد أقل من أربع سنوات على توقيع اتفاق بريتوريا في نوفمبر 2022، الذي أنهى الحرب الكبرى بين الحكومة الفدرالية وجبهة تيجراي.
وبرغم أن الاتفاق أوقف العمليات العسكرية الواسعة، فإن قضايا سياسية وأمنية وإقليمية عدة ظلت دون تسوية كاملة، بما في ذلك ترتيبات السلطة والسيطرة على بعض المناطق المتنازع عليها ومستقبل القوات المسلحة التابعة للجبهة.
وفي مايو الماضي، أعادت جبهة تيجراي تأكيد سيطرتها على الإدارة السياسية للإقليم، في خطوة اعتبرتها الحكومة الإثيوبية انتهاكا لاتفاق السلام. ومنذ ذلك الحين تصاعدت التوترات، مع وقوع اشتباكات وضربات بطائرات مسيّرة على مواقع تابعة للجبهة، وفقا لبيانات مشروع "أحداث ومواقع النزاعات المسلحة" (ACLED).
ومع اندلاع القتال مجددا، بات اتفاق بريتوريا يواجه أكبر اختبار له منذ توقيعه، بينما تتسع دائرة الأطراف المسلحة المتورطة في الصراع.
مخاوف من اتساع الحرب
وتتجاوز مخاطر التصعيد حدود عفر وتيجراي وأمهرة، بالنظر إلى الموقع الجغرافي لإثيوبيا وعلاقاتها المتوترة مع جيرانها.
فعفر تحد إريتريا وجيبوتي، بينما ترتبط التطورات في شمال البلاد بتعقيدات أوسع في منطقة القرن الأفريقي، التي تشهد بالفعل أزمات أمنية متشابكة في السودان والصومال والبحر الأحمر.
ويتمثل الخطر الأكبر في تزامن تعدد الجبهات داخل إثيوبيا مع وجود توترات إقليمية قائمة، غير أن ذلك لا يعني حتمية تحول القتال إلى حرب إقليمية؛ فمواقف الدول المجاورة والجماعات المسلحة لا تزال متباينة، كما أن التحالف الجديد نفسه يضم قوى ذات أجندات ومصالح مختلفة.
وفي الوقت الراهن، تبدو عفر نقطة اختبار رئيسية لمسار الحرب: فمن جهة، تحاول قوات تيغراي وحلفاؤها توسيع نطاق عملياتها والضغط على خطوط الإمداد الحكومية، ومن جهة أخرى تسعى القوات الإثيوبية والقوات العفرية إلى وقف التقدم واستعادة المناطق التي فقدتها.
وبين الطرفين، يجد المدنيون أنفسهم في قلب جبهة قتال آخذة في الاتساع، في وقت تتزايد فيه أعداد النازحين وتتراجع قدرة السكان على الوصول إلى المعلومات والخدمات الأساسية.
ومع استمرار المعارك، يبقى السؤال الأبرز هو ما إذا كان التصعيد الحالي سيظل محصورا في شمال إثيوبيا، أم يتحول إلى مواجهة أطول وأكثر اتساعا تعيد تشكيل المشهد الأمني والسياسي في القرن الأفريقي.