ألقت داخلية الانقلاب القبض على ستة صحفيين من فريق منصة متصدقش المستقلة، بعد حملة بدأت، مساء الإثنين، باقتحام منزلي الصحفيين محمد أشرف أبو عميرة وعبد الله قدري، والقبض عليهما. واستمرت الحملة خلال الساعات التالية بمداهمة منازل صحفيين آخرين في عدة محافظات، قبل أن تنتهي بالقبض على أربعة صحفيين إضافيين، وسط غياب معلومات رسمية عن أماكن احتجازهم أو الجهات التي تتولى التحقيق معهم.
شملت الحملة القبض على إسلام بركات وعمر هلال من منزليهما في محافظتي الغربية وبورسعيد، إضافة إلى الصحافيين محمد محمود ومحمد عادل، اللذين أُلقي القبض عليهما من أحد شوارع القاهرة. وبذلك، أصبح كامل فريق التحرير في غرفة أخبار "متصدقش" قيد الاحتجاز، في تطور غير مسبوق بالنسبة إلى المنصة، ويطرح تساؤلات بشأن طبيعة الإجراءات المتخذة بحق غرفة أخبار كاملة، في ظل عدم الإعلان عن أسباب القبض على الصحافيين أو الأساس القانوني لاحتجازهم.
ويأتي ذلك في إطار ما وصفته منصة متصدقش بـ"هجمة أمنية تستهدف فريقها، بدأت في وقت متأخر من مساء الاثنين"، بالقبض على الصحافيين محمد أشرف وعبد الله قدري، عقب دهم منزليهما والتحفظ على هواتفهما المحمولة وأجهزة الحاسوب الشخصية، فضلاً عن تكسير عدد من محتويات أحد المنزلين وإتلاف بعض الممتلكات.
وأعلنت "متصدقش"، في بيان، أنها لم تتلقَّ حتى الآن معلومات مؤكدة بشأن أسباب القبض على الصحفيين أو الجهات التي تتولى التحقيق معهم أو أماكن احتجازهم، وأعربت عن قلقها إزاء الإجراءات المتتالية بحق فريقها، وطالبت بالكشف الفوري عن أماكن وجودهم وأسباب احتجازهم، وتمكينهم من التواصل مع محاميهم وعائلاتهم.
وأكدت المنصة أن المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، ومديرها حسام بهجت، تتولى التمثيل القانوني لكامل أعضاء فريقها، محمّلة السلطات المعنية المسؤولية الكاملة عن سلامة الصحفيين.
وشددت "متصدقش" على أنها منصة صحفية مصرية تعمل بصورة معلنة، وأن صحفييها يمارسون عملهم المهني في التحقق من المعلومات ونشر الحقائق، وفق المعايير الصحفية والحقوق التي يكفلها الدستور المصري لحرية الرأي والصحافة والنشر. وأكدت تمسكها بمواصلة عملها الصحفي، برغم ما يتعرض له فريقها، والالتزام بمسئوليتها المهنية في التحقق والتوثيق والنشر.
من جهتها، أعربت لجنة حماية الصحفيين (CPJ) عن قلقها إزاء أنباء القبض على الصحفيين المصريين في "متصدقش". كما طالبت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية النائب العام المستشار محمد شوقي، بفتح تحقيق عاجل للوقوف على مكان احتجاز ستة صحفيين وملابسات القبض عليهم. وأشارت إلى أن قوات بزي مدني اقتحمت منازل بعضهم، وصادرت الأجهزة الإلكترونية لجميع أفراد أسرهم والمقيمين معهم. وأفادت المبادرة بأن القوات رفضت إطلاع أسر الصحفيين على أذون النيابة بالضبط والتفتيش، وامتنعت عن الإفصاح عن أسباب القبض عليهم أو أماكن احتجازهم، مطالبة بالكشف عن مصيرهم والتحقيق في ملابسات توقيفهم.
وكانت لجنة الحريات في نقابة الصحفيين طالبت، في بيان أصدرته مساء الثلاثاء، بالإفراج الفوري عن محمد أشرف وعبد الله قدري، عقب القبض عليهما، وأعربت عن قلقها من استمرار الإجراءات التي تستهدف الصحافيين. وكشفت اللجنة أن منزل محمد أشرف تعرّض للتفتيش قبل القبض عليه، مع تكسير محتويات غرفته ومتعلقاته. وأكدت أن القبض على الصحفيين وما صاحبه من تفتيش للمنازل يمثلان مخالفة للقانون والدستور.
وجاء بيان اللجنة بعد اتصالات مكثفة أجراها نقيب الصحفيين خالد البلشي مع وزارة الداخلية والأجهزة المعنية بالدولة، منذ القبض على الصحفيين محمد أشرف وعبد الله قدري، من دون التوصل إلى معلومات.
وقالت رئيسة لجنة الحريات في النقابة، إيمان عوف، إن ما جرى "يبعث برسالة أن كل الحديث عن الانفتاح الإعلامي ليس سوى تصريحات للاستهلاك تتناقض كلياً مع الواقع العملي".
من جهته، كلّف البلشي الإدارة القانونية في النقابة بمتابعة موقف الصحفيين، مؤكدا أن النقابة ستستخدم الأدوات القانونية والنقابية المتاحة للدفاع عنهم. كما طالب بالإفراج عن جميع الصحفيين والمحتجزين على ذمة قضايا الرأي، وإنهاء ملف الحبس الاحتياطي، مشيراً إلى أن غالبية الصحفيين المحتجزين تجاوزوا فترات الحبس الاحتياطي المنصوص عليها قانوناً.
ويأتي القبض على الصحفيين في وقت كانت منصة متصدقش تنشر سلسلة من التحقيقات والتقارير التي تتناول ملفات اقتصادية وسياسية، وقضايا مرتبطة بأداء مؤسسات حكومية، إلى جانب ملفات إقليمية وأمنية.
ومن أبرز الموضوعات التي نشرتها المنصة، في يوليو الماضي، تحقيق عنوانه "أين ذهبت قروض عهد السيسي؟"، تناول اتفاقات تمويلية بقيمة 29 مليار دولار لقطاع الكهرباء، مع مقارنة حجم التمويل الموجّه إلى الطاقة المتجددة. كما نشرت تحقيقاً عن الأداء المالي للهيئة الوطنية للإعلام، بعنوان "شكاوى العاملين ورواد ماسبيرو.. لا تتوقف"، تناول الأوضاع المالية للهيئة، إلى جانب موضوع عنوانه "الوجه الآخر لارتفاع الأجور"، رصد الفروق بين العاملين في مؤسسات الدولة. وتطرقت في تقارير أخرى إلى تكلفة دعم التموين وعلاقتها بخدمة الدين والضرائب، فضلاً عن تضارب الأرقام التي أعلنها رئيس الوزراء ووزير الاستثمار بشأن مخصصات الصحة والتعليم.
وفي ملفات تتصل بإدارة الأصول العامة والقضايا القضائية، نشرت المنصة تقريراً قالت إنها انفردت فيه برصد توصية نيابة النقض بشأن استرداد الدولة 29 قطعة أرض في دير سانت كاترين بشبه جزيرة سيناء، إضافة إلى تقرير عن محاكمة خمسة موظفين في صيدليات الإسعاف التابعة للدولة، بتهمة الاستيلاء على ملايين الجنيهات من الأموال العامة.
وتناولت "متصدقش" أيضاً السياسات الحكومية والإعلام الرسمي، من خلال موضوعات عن دعوات سابقة لتطوير الإعلام والفجوة بين هذه الدعوات والممارسة الإعلامية. وفي 9 يوليو، نشرت تقريراً عنوانه "بعد حديث السيسي ومدبولي عن هدف بناء العاصمة الجديدة... لهذا لا تكفي المباني الضخمة والمحصنة وحدها لبناء دولة قوية"، تناول مشروع العاصمة الجديدة والخطاب الرسمي المرتبط به.
وفقاً للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، بلغ عدد الصحافيين الموقوفين على خلفية تأدية عملهم في مصر 26 صحفياً. وفي الآونة الأخيرة، شملت حملة واسعة سجن مستخدمين لتطبيق ديسكورد وصنّاع محتوى عبر الإنترنت وكوميديين ومعلّقين.