أكدت جبهة الخلاص الوطني في تونس أن مواجهة الأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها البلاد تتطلب توحيد جهود القوى السياسية والمدنية والنقابية والحقوقية، بعيدا عن الحسابات الحزبية والفئوية، وذلك في بيان صدر الأحد 11 أكتوبر 2026، شددت فيه على أولوية استعادة الحريات وإعادة البلاد إلى المسار الديمقراطي.
ويأتي موقف الجبهة في سياق الجدل الذي أثاره بيان صادر عن ثمانية أحزاب تونسية، تحدث عن تشكيل جبهة لمواجهة ما وصفه بـ "الرجعية"، وسط انتقادات لاستبعاد حركة النهضة من المبادرة.
وبينما لم يسمِّ بيان جبهة الخلاص الأحزاب الثمانية صراحة، فقد شدد على رفض الإقصاء، ودعا إلى بناء أوسع إطار نضالي سلمي يجمع القوى المعارضة للسلطة، مع احترام اختلافاتها الفكرية والسياسية.
وقالت الجبهة إن تونس تعيش "أزمة وطنية عميقة ومتعددة الأبعاد"، تتداخل فيها الأزمة السياسية والمؤسسية مع التدهور الاقتصادي والاجتماعي والانتهاكات المتصاعدة للحقوق والحريات، معتبرة أن الأزمة تجاوزت تعثر السياسات العامة إلى المساس بأسس الدولة الجمهورية وشروط العلاقة بين الدولة والمجتمع.
رفض الإقصاء وتجاوز الخلافات الأيديولوجية
وفي موقف بدا مرتبطا بالنقاش الدائر حول طبيعة التحالفات المعارضة وشروط تشكيلها، اعتبرت جبهة الخلاص أن مواجهة الوضع القائم لا يمكن أن تتحقق من خلال تبادل الاتهامات أو الانكفاء داخل الحسابات الحزبية، ولا عبر اشتراط التطابق في المواقف والبرامج قبل تنسيق الجهود.
وشددت على أن اختلاف التقديرات والاجتهادات مشروع في الحياة السياسية، لكنه لا ينبغي أن يحجب وحدة التحديات التي تواجه البلاد أو يتحول إلى عائق أمام بناء جبهة نضالية سلمية واسعة.
ودعت الجبهة القوى السياسية والمدنية والنقابية والحقوقية والاجتماعية الديمقراطية إلى توحيد الجهود وتنسيق المبادرات والتحركات، مع احترام الاختلافات الفكرية والسياسية، وتأجيل الخلافات التي لا تمس المبادئ الديمقراطية الأساسية ولا تعطل العمل المشترك.
ويعيد هذا الموقف طرح مسألة حدود التحالفات المعارضة في تونس، ولا سيما ما يتعلق بإمكانية جمع قوى تختلف في مرجعياتها ومواقفها من حركة النهضة، لكنها تتفق على معارضة سياسات الرئيس قيس سعيد والمطالبة باستعادة التعددية السياسية والمؤسسات الديمقراطية.
انتقادات لتركيز السلطات وتراجع الحريات
وحمّلت جبهة الخلاص السلطة مسئولية تعميق الأزمة السياسية، معتبرة أن تركيز السلطات بيد رئيس الجمهورية وإضعاف استقلالية المؤسسات الرقابية عطّلا آليات المساءلة والتداول السلمي على الحكم.
كما انتقدت ما وصفته بتضييق المجال العام وتهميش القوى السياسية والاجتماعية، معتبرة أن الاختلاف السياسي بات يُستخدم ذريعة للتخوين والتشهير والملاحقة.
وفي هذا السياق، شككت الجبهة في استقلالية المسار الانتخابي، ووصفت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات بأنها تحولت، وفق تقديرها، إلى هيئة خاضعة للسلطة الرئاسية، كما رأت أن غياب الحوار الوطني وتراجع الضمانات الديمقراطية ساهما في تعميق الانسداد السياسي.
وطالبت بالإفراج عن جميع المساجين السياسيين ومساجين الرأي، ووقف التتبعات التي قالت إنها ذات خلفية سياسية، وضمان المحاكمة العادلة وحقوق السجناء، مع تحميل السلطة مسئولية سلامتهم الجسدية والنفسية، خصوصا المضربين عن الطعام.
وهذه المواقف تعكس تقييم جبهة الخلاص للأوضاع السياسية والحقوقية في البلاد، في وقت تشهد فيه الساحة التونسية خلافات بشأن طبيعة الأزمة وسبل الخروج منها.
وعلى الصعيد الاقتصادي والاجتماعي، أشارت الجبهة إلى استمرار تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة وتفاقم البطالة، ولا سيما في صفوف الشباب والعاطلين عن العمل وحاملي الشهادات العليا.
كما انتقدت تراجع جودة الخدمات والمرافق العامة، وتحدثت عن انقطاعات في الماء والكهرباء ونقص المواد الأساسية خلال الصيف الأخير، معتبرة أن أداء السلطة في مواجهة هذه الأزمات أضعف ما تبقى من مبررات استمرارها.
وأكدت الجبهة مساندتها للتحركات الاجتماعية المشروعة، وفي مقدمتها تحركات العمال والعاطلين عن العمل وحاملي الشهادات العليا، مطالبة بتنفيذ الالتزامات والاتفاقيات المعلنة واحترام الحق في الشغل والاحتجاج والتظاهر السلمي.
كما أعلنت دعمها للتحركات السياسية والمدنية المطالبة بالحرية واستعادة المؤسسات الديمقراطية، ورفضت المقاربة الأمنية التي قالت إنها تؤدي إلى تعميق الاحتقان بدلا من معالجة أسبابه.
"بديل وطني" لا يقتصر على تغيير الأشخاص
وفي ما يتعلق بمستقبل المعارضة والبديل السياسي، شددت جبهة الخلاص على أن المطلوب لا يقتصر على استبدال أشخاص بآخرين أو سلطة بأخرى، بل يستوجب استعادة الشرعية الديمقراطية وإرساء مؤسسات مستقلة وخاضعة للمساءلة وضمان التداول السلمي على الحكم.
كما دعت إلى صياغة مشروع اقتصادي واجتماعي يعيد الاعتبار للعمل والإنتاج والعدالة بين الجهات والفئات، ويحفظ السيادة الوطنية وكرامة المواطنين.
واختتمت الجبهة بيانها بالتأكيد على التزامها بالنضال السلمي من أجل إنهاء الحكم الفردي وإعادة تونس إلى مسار ديمقراطي جامع، معتبرة أن المسؤولية الوطنية تقتضي تجاوز الاصطفافات الضيقة والتنازع على المواقع، والالتقاء حول حد أدنى مشترك لإنقاذ البلاد واستعادة حرياتها ومؤسساتها.
وبذلك، يضع بيان جبهة الخلاص مسألة وحدة المعارضة في صلب النقاش السياسي التونسي، في ظل خلافات حول مكونات الجبهة المنشودة وشروط الانضمام إليها، ولا سيما موقع حركة النهضة. وبينما تطرح بعض المبادرات تصورات للتحالف تستند إلى خطوط فاصلة أيديولوجية، تدفع الجبهة باتجاه تنسيق أوسع عنوانه المشترك، وفق بيانها، مقاومة الاستبداد واستعادة الديمقراطية.
وجبهة الخلاص الوطني هي ائتلاف سياسي معارض في تونس، أُعلن تأسيسه رسميا في 31 مايو 2022، بمبادرة من السياسي التونسي أحمد نجيب الشابي، بهدف جمع قوى حزبية وشخصيات ومجموعات مدنية معارضة للرئيس قيس سعيّد، على خلفية الإجراءات التي اتخذها في 25 يوليو 2021، وشملت تجميد البرلمان قبل حله لاحقا.
وضمّت الجبهة عند تأسيسها حركة النهضة، وأحزابا ومكونات سياسية أخرى، من بينها حزب قلب تونس وائتلاف الكرامة وحزب الأمل وحراك تونس الإرادة، إلى جانب مبادرات ومجموعات مدنية وسياسية. وتولى أحمد نجيب الشابي قيادتها، فيما ارتكز خطابها على رفض المسار السياسي الذي أطلقه سعيّد، والدعوة إلى حوار وطني واستعادة المسار الديمقراطي.
وتُعدّ حركة النهضة أحد أبرز مكونات الجبهة، وهو ما يكتسب أهمية في سياق الجدل الراهن بشأن مبادرة الأحزاب الثمانية التي استبعدت الحركة، وفق المعطيات الواردة في سياق هذا التقرير. وفي المقابل، تدعو جبهة الخلاص إلى تنسيق أوسع بين القوى المعارضة، على أساس رفض الحكم الفردي والدفاع عن الحريات، مع تجاوز الخلافات الفكرية والسياسية التي قد تعرقل العمل المشترك.
لذلك، فإن الخلاف بشأن موقع النهضة لا يتعلق فقط بتمثيل حزب داخل تحالف سياسي، بل يعكس تباينا أوسع في تصورات أطراف المعارضة التونسية بشأن هوية الجبهة المنشودة، وحدود التحالف بين قوى تختلف مرجعياتها، وأولوية التوافق على معارضة السلطة أو وضع شروط أيديولوجية مسبقة للتنسيق.