لكل سفرٍ زاد، وزاد السائر إلى الله في هذه الحلقة من سلسلة «العبادات زاد» عبادةٌ عجيبة؛ لا تحتاج إلى وضوء ولا استقبال قبلة، ولا يُشترط لها وقت ولا مكان، ولا تكلّف مالاً ولا جهداً، ثم هي مع ذلك روح العبادات كلها؛ فما شُرعت الصلاة إلا لذكر الله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (طه: 14)، وما شُرع الحج إلا لإقامة ذكره، وما الصيام إلا ذكرٌ ممتد يمنع صاحبه من الطعام لأنه يذكر أن الله يراه.
وقد جعل النبي ﷺ الفرق بين الذاكر والغافل كالفرق بين الحي والميت:
|
قال رسول الله ﷺ «مثلُ الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثلُ الحيّ والميت» رواه البخاري
|
يا عبد الله.. قد يمشي الرجل بين الناس، يأكل ويضحك ويبيع ويشتري، وقلبه ميت لا يعرف ربه إلا في المناسبات! وقد يكون آخر طريح الفراش لا يملك من أمره شيئاً، وقلبه حيّ يسبّح ويستغفر، فأيهما الحي؟
الذكر زاد: لماذا هو أيسر العبادات وأعظمها؟
لما اشتكى رجل إلى النبي ﷺ أن شرائع الإسلام قد كثرت عليه، وسأله عن شيء يتشبث به، لم يدلّه على عمل شاق، بل قال له: «لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله» (رواه الترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني).
فالذكر هو العبادة التي تملأ الفراغات: بين الأذان والإقامة، وفي زحام الطريق، وفي انتظار الطبيب، وعلى سرير النوم. والناس يضيّعون في هذه الفراغات كل يوم ساعات لا يشعرون بها، فإذا امتلأت بالذكر صارت ساعات العمر كلها عبادة، ولذلك قال ﷺ: «سبق المفرّدون»، قالوا: وما المفرّدون يا رسول الله؟ قال: «الذاكرون الله كثيراً والذاكرات» (رواه مسلم).
السرّ الروحي: «أنا معه إذا ذكرني»
أعظم أسرار الذكر أنه صلة ذات اتجاهين؛ فأنت تذكر الله، والله يذكرك: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ (البقرة: 152). وفي الحديث القدسي:
|
قال رسول الله ﷺ «يقول الله تعالى: أنا عند ظنّ عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأٍ ذكرته في ملأٍ خيرٍ منهم» متفق عليه |
تعقيب: تأمّل هذا العطاء: عبدٌ فقير يقول «سبحان الله» في غرفته وحده، فيذكره ملك الملوك في نفسه! فهل رأيت تجارة أربح من هذه؟ كلمة تخرج منك، فتعود إليك معيّة وذكراً من رب العالمين.
ومن هنا كانت الطمأنينة ثمرة الذكر الأولى:
|
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد: 28) |
وقدّم الجار والمجرور ﴿بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ ليفيد الحصر؛ فلا تطمئن القلوب بغيره مهما طلبت الطمأنينة في المال والشهرة والأسفار. وفي المقابل: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ (طه: 124)، ضيقٌ يجده المعرض في صدره ولو اتسعت عليه الدنيا.
وكان شيخ الإسلام ابن تيمية يضرب لذلك مثلاً بليغاً:
« الذكر للقلب مثل الماء للسمك، فكيف يكون حال السمك إذا فارق الماء؟ »
— ابن تيمية، فيما نقله عنه تلميذه ابن القيم في «الوابل الصيب»
آثار تربوية لكل كلمة:
للأذكار المأثورة كلمات قليلة، لكن لكل كلمة منها عملاً في تربية النفس، كأن كل واحدة منها دواءٌ لداء:
◆ سبحان الله: تنزيه الله عن كل نقص. ومن أثرها أن يتنزّه القلب عن سوء الظن بربه؛ فإذا تأخر الفرج أو اشتد البلاء قال: سبحانك، لا تظلم ولا تعبث ولا تنسى.
◆ الحمد لله: إقرار بأن كل خير منه. ومن أثرها الرضا وطرد التسخط، وهي كلمة ثقيلة، قال ﷺ: «والحمد لله تملأ الميزان» (رواه مسلم).
◆ لا إله إلا الله: تحرير القلب من كل معبود سواه؛ من المال والجاه وخوف الناس ورجائهم. من قالها بقلبه لم يذلّ لمخلوق.
◆ الله أكبر: تصغير كل ما سواه. إذا كبُر في عينك همٌّ أو خصم أو منصب، فقل: الله أكبر، يعد كل شيء إلى حجمه الحقيقي.
◆ لا حول ولا قوة إلا بالله: براءة من الاعتماد على النفس. هي كلمة العاجز الذي عرف أين القوة، فاستراح من الغرور ومن اليأس معاً.
◆ أستغفر الله: غسلٌ للقلب مما علق به. ويذكر ابن القيم ما معناه أن صدأ القلب يكون بأمرين: الغفلة والذنب، وجلاؤه بأمرين: الاستغفار والذكر.
وقد جمع النبي ﷺ أحب هذه الكلمات فقال: «أحبّ الكلام إلى الله أربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، لا يضرّك بأيّهن بدأت» (رواه مسلم). وقال: «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم» (متفق عليه).
مراتب الذكر: من اللسان إلى القلب إلى الجوارح
الذكر ثلاث مراتب، يرقى فيها العبد شيئاً فشيئاً:
١ ذكر اللسان: وهو البداية، ولا يُستهان به ولو شرد القلب أحياناً؛ فإن اللسان إذا اعتاد الذكر جرّ القلب إليه، ومن ترك الذكر لأنه لا يجد الحضور فقد ترك الباب كله.
٢ ذكر القلب مع اللسان: أن تعي ما تقول، فتقول «سبحان الله» وأنت تستحضر عظمته، وهذا أعلى أجراً وأعمق أثراً: ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ﴾ (الأعراف: 205).
٣ الذكر عند الأمر والنهي: أن تذكر الله حين تهمّ بالمعصية فتتركها، وحين يدعوك الواجب فتقوم إليه. وهذا ذكر الجوارح، وهو ثمرة المرتبتين قبله.
ويُروى عن الحسن البصري قوله: «تفقّدوا الحلاوة في ثلاث: في الصلاة، وفي الذكر، وفي قراءة القرآن، فإن وجدتم وإلا فاعلموا أن الباب مغلق».
الجمعة يومُ الذكر:
اليوم جمعة، ومن لطائف هذا اليوم أن الله سمّى صلاته وخطبته ذكراً:
|
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (الجمعة: 9) |
ثم لم يقطع الذكر بانقضاء الصلاة، بل أمر به في السوق والعمل: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (الجمعة: 10). فالمؤمن لا يعرف قسمة بين «وقت للعبادة» و«وقت للدنيا»؛ يبيع ويشتري ولسانه رطب، ويطلب الرزق وقلبه موصول.
ومن ذكر يوم الجمعة الإكثار من الصلاة على النبي ﷺ، فقد قال: «إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة... فأكثروا عليّ من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة عليّ» (رواه أبو داود، وصححه الألباني). وفيه ساعة إجابة، قال ﷺ: «فيه ساعة لا يوافقها عبدٌ مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله تعالى شيئاً إلا أعطاه إياه» (متفق عليه)، فلا تجعل آخر نهار الجمعة يمضي في الغفلة.
أثر الذكر في البيت والمجتمع:
الذكر عبادة فردية في ظاهرها، لكن أثرها يتعدى صاحبها؛ فالمجلس الذي يُذكر الله فيه مجلس رحمة: «لا يقعد قومٌ يذكرون الله عز وجل إلا حفّتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده» (رواه مسلم).
والبيت الذي يتردد فيه ذكر الله بيت حيّ، يتعلم فيه الأطفال أن يقولوا «بسم الله» قبل الطعام و«الحمد لله» بعده، فيكبرون وقلوبهم معلّقة بالله في الصغيرة والكبيرة. وتأمل وصية النبي ﷺ لعلي وفاطمة رضي الله عنهما حين سألته خادماً يعينها على تعب البيت، فدلّهما على التسبيح والتحميد والتكبير عند النوم، وقال: «فهو خيرٌ لكما من خادم» (متفق عليه)؛ كأنه يقول: إن القوة التي تحتاجانها تأتي من الذكر قبل أن تأتي من الأيدي.
والذاكر في عمله أقل غضباً، وأصدق لساناً، وأبعد عن الغيبة؛ لأن اللسان المشغول بالحق لا يجد فراغاً للباطل، و«نفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل».
|
الذكر في زمن الضجيج نعيش اليوم بين إشعارات لا تهدأ وأصوات لا تنقطع، حتى صار كثير من الناس لا يحتمل دقيقة صمت دون أن يمدّ يده إلى هاتفه. والذكر هو الاستراحة التي يحتاجها القلب: أن تضع الشاشة جانباً دقائق، وتقول بهدوء: سبحان الله وبحمده، وتسمع صوتك وأنت تقولها. جرّب ذلك، فلن تخسر شيئاً، ولعلك تجد ما لم تجده في ساعات التصفح. |
|
زاد عملي ✦ زاد عملي للذاكرين |
|
١ ابدأ بأذكار الصباح والمساء، ولو بخمسة أذكار تحفظها جيداً ثم تزيد عليها شيئاً فشيئاً. ٢ اربط الذكر بعادات يومك: عند ركوب السيارة، وفي انتظار المصعد، وأثناء المشي، حتى يصير الذكر عادة لا تكلّفاً. ٣ اختم كل صلاة بالتسبيح والتحميد والتكبير ثلاثاً وثلاثين، ولا تقم مسرعاً. ٤ في يوم الجمعة خاصة: أكثر من الصلاة على النبي ﷺ، واجعل آخر ساعة قبل المغرب للدعاء والذكر. ٥ إذا وجدت في قلبك همّاً أو ضيقاً، فقل: «لا حول ولا قوة إلا بالله» بتأنٍّ، وكررها حتى تجد سكينتها. ٦ اجعل لأهل بيتك مجلس ذكر قصيراً في الأسبوع، ولو عشر دقائق، تتعلمون فيه ذكراً جديداً ومعناه. |
|
مرآة النفس ✦ مرآة الذاكر |
|
○ كم دقيقة من يومي مرّت دون أن أذكر الله فيها بقلبي أو لساني؟ ○ هل أحفظ أذكار الصباح والمساء، أم أقرؤها من الشاشة دون أن أعي معانيها؟ ○ إذا هممت بمعصية، هل يحضرني ذكر الله فيردّني؟ ○ هل يجد أهل بيتي في كلامي «بسم الله» و«الحمد لله»، أم يجدون الشكوى والتذمر؟ ○ هل جعلت لي في يوم الجمعة نصيباً من الصلاة على النبي ﷺ والدعاء في ساعة الإجابة؟ |
وبعد..
فهذا زادٌ يسير على من يسّره الله عليه، ثقيلٌ في الميزان، عظيمٌ في الأثر، لا يكلّفك إلا أن تحرك لسانك وتوقظ قلبك. ولا أدّعي أني أحطت بأسرار الذكر، فقد عدّ ابن القيم في «الوابل الصيب» للذكر فوائد كثيرة لا يتسع لها مقال، ولكن هذا جهد المقلّ، وحسب المرء أن يعرف الباب ثم يطرقه. فاذكر الله يا أخي، يذكرك، واجعل لسانك رطباً، يكن قلبك حياً.
اللهم أعنّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، واجعلنا من الذاكرين الله كثيراً