في كل جمعة نقرأ قصتهم... فتيةٌ قلائل، في زمنٍ صعب، لم يملكوا إلا إيماناً صادقاً ودعاءً خاشعاً، فصاروا آيةً تُتلى إلى يوم القيامة.

 

 

﴿نَّحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ ۚ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى ۝ وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَٰهًا ۖ لَّقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾

(الكهف: 13–14)

 

﴿هَٰؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً ۖ لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ ۖ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ۝ وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا﴾

(الكهف: 15–16)

 

في كل جمعة، يفتح ملايين المسلمين مصاحفهم على سورة واحدة... سورةٍ جعلها النبي ﷺ نوراً يمتد من جمعة إلى جمعة، وحصناً من أعظم فتنة تمر على البشر:

قال رسول الله ﷺ

«من حفظ عشر آياتٍ من أول سورة الكهف عُصم من الدجال»     رواه مسلم من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه

 

 

وروى الحاكم والبيهقي من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في فضل قراءتها يوم الجمعة: «من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين»، وصححه الألباني.

لكن السؤال الذي ينبغي أن يقف عنده الداعية: هل نقرأ الكهف كل أسبوع لنختمها، أم لنتعلم منها؟ فالسورة ليست تميمة تُعلّق على القلب، بل مدرسةٌ تفتح أبوابها كل جمعة، وأول دروسها قصة فتية صغار... واجهوا عالماً كبيراً!

وقد لاحظ أهل العلم أن قصص السورة الأربع تدور حول أربع فتن كبرى: فتنة الدين في قصة الفتية، وفتنة المال في قصة صاحب الجنتين، وفتنة العلم في قصة موسى والخضر، وفتنة السلطان في قصة ذي القرنين. فكأن السورة خريطةٌ للنجاة من الفتن، تبدأ بأخطرها: أن يُمتحن المرء في إيمانه.

  «إنهم فتية».. الشباب أقبلُ للحق

أول ما يلفت النظر أن القرآن لم يقل: إنهم رجال، ولا: إنهم قوم، بل قال: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ﴾... جمع قلة لـ«فتى»، يجمع معنى الشباب ومعنى القلة معاً.

وقد ذكر الحافظ ابن كثير في تفسيره ما معناه: أن الله تعالى ذكر أنهم فتية، وهم الشباب، وهم أقبل للحق وأهدى للسبيل من الشيوخ الذين عتوا وانغمسوا في الباطل، ولهذا كان أكثر المستجيبين لله ولرسوله ﷺ شباباً.

تعقيب: فالشاب ليس «مشكلة» تحتاج إلى حل، بل طاقةٌ تبحث عن وجهة. قلبه أنقى من أن تثقله المصالح، وعقله أجرأ من أن تكبّله العادات... فإن وجد من يدلّه على الله كان من فتية الكهف، وإن لم يجد فقد يلتقطه أول تيارٍ عابر! ولهذا جعل النبي ﷺ من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: «وشابٌّ نشأ في عبادة الله» (متفق عليه).

فيا أيها الداعية: لا تنظر إلى شباب اليوم بعين الشكوى، بل بعين الرجاء... ففي كل جيلٍ فتيةٌ ينتظرون من يقص عليهم نبأ الفتية بالحق.

  «وزدناهم هدى».. خطوةٌ منك وخطواتٌ من الله

تأمل الترتيب البديع: ﴿آمَنُوا بِرَبِّهِمْ﴾ ثم ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾. الخطوة الأولى منهم، والزيادة من الله. وهي سنةٌ مطّردة في القرآن: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ (محمد: 17).

فالهداية ليست هدية تنزل على الكسالى، ولا شهادة تُعلّق ثم تُنسى، بل نهرٌ يزداد كلما سار؛ من صدق في الخطوة الأولى فتح الله له الثانية، ومن وقف عند الباب لم يُفتح له ما وراءه.

۞ وقفة للمربي

لا تنتظر من الشاب أن يأتيك كاملاً... يكفي أن يخطو خطوةً صادقة، ثم احرسها وشجّعها، وثق أن الله سيزيده هدى. المربي الحكيم يفرح بالبذرة، ولا يطالبها بأن تكون شجرة في يومها الأول.

 

  «وربطنا على قلوبهم».. الثبات يوهب لمن قام

ثم يقول سبحانه: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا﴾... والربط على القلب تثبيته وتقويته، كما يُشدّ على الشيء فلا يضطرب. لكن تأمل متى جاء الربط: ﴿إِذْ قَامُوا﴾! لم يأتهم الثبات وهم قعود ينتظرون، بل جاءهم حين قاموا بالحق وأعلنوه.

إن كثيراً من الشباب يقول: «أخاف ألا أثبت، فلا أبدأ».. والقرآن يجيبه: ابدأ، فإن الثبات يأتي في الطريق لا قبله. كالمصباح الذي لا يضيء إلا ما بين يدي السائر؛ لا يكشف لك آخر الطريق، لكنه يكشف لك الخطوة التالية.. وهذا يكفي.

  «لولا يأتون عليهم بسلطان بيّن».. منطق الحجة

حين تكلم الفتية عن قومهم لم يشتموهم، ولم يتوعدوهم، ولم يرفعوا عليهم سيفاً، بل طالبوهم بالدليل: ﴿لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾. والسلطان هنا: الحجة الواضحة.

وهذا درسٌ عظيم في فقه الخطاب: فالحق لا يحتاج إلى صخب، لأنه يملك البرهان. والفتية واجهوا قوة الأمر الواقع بقوة الحجة، ولم يواجهوا الباطل بباطل مثله. وما أحوج شبابنا اليوم -وهم يواجهون موجات الشك والإلحاد والسخرية من الدين- إلى أن يتعلموا هذا المنطق: أن يطالبوا بالدليل، وأن يقدّموا الدليل، وأن يكون سلاحهم العقل المؤمن لا الانفعال الغاضب.

فالداعية الذي يرد على الشبهة بالشتيمة يخسر مرتين: يخسر المحاور، ويخسر الحجة!

  «فأووا إلى الكهف».. الكهف ملاذٌ لا عزلة

قد يقرأ بعض الناس هذه الآية فيظن أن الحل هو الانسحاب من المجتمع والقطيعة معه، وهذا فهمٌ يخالف روح القصة. فالفتية لجؤوا إلى الكهف حين لم يكن لهم مكانٌ يحفظون فيه إيمانهم، ولم يكن الكهف غاية، بل محطة حفظ الله فيها إيمانهم حتى أخرجهم إلى الناس من جديد آيةً للعالمين.

وانظر إلى ما وعدهم الله به: ﴿يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ﴾... كهفٌ ضيق في جبل، لكنه صار بالرحمة أوسع من القصور! وقد أشار صاحب «الظلال» إلى هذا المعنى بما معناه: أن الكهف الضيق الخشن يتحول برحمة الله إلى فسحةٍ رحبة تنتشر فيها الرحمة وتظللها.

ولكل مؤمن اليوم «كهوفه» المشروعة التي يأوي إليها ليجدد إيمانه، ثم يعود إلى الناس أقوى وأرحم:

•  كهف الصحبة الصالحة التي قال الله فيها: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ (الكهف: 28).

•  كهف المسجد وحلقة القرآن، حيث تهدأ ضوضاء العالم ويسمع القلب نفسه.

•  كهف الخلوة بالليل ودعاء السحر، حيث يقول العبد ما قاله الفتية: ﴿رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ (الكهف: 10).

•  كهف الصمت عن الشاشات ساعةً كل يوم، يستعيد فيها الشاب انتباهه الذي تتخاطفه الخوارزميات.

فالكهف في حياة الداعية محطة تزوّد لا مخبأ فرار، ومكان يجمع فيه نوره ليعود فيوزعه على الناس.

  «وليتلطف».. أوسط كلمة في القرآن

حين استيقظ الفتية أرسلوا أحدهم إلى المدينة، وأوصوه وصيةً جامعة: ﴿فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَىٰ طَعَامًا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ﴾ (الكهف: 19). وقد ذكر بعض العلماء أن كلمة «وليتلطف» تقع في منتصف حروف القرآن الكريم، وهي لطيفةٌ يتناقلها أهل علوم القرآن، فإن صحّ ذلك فما أجمل أن يكون اللطف في قلب القرآن!

والتلطف: الرفق والحكمة وحسن التصرف. وهو منهجٌ يمتد من شراء الطعام إلى تبليغ الدين. وتذكر كتب السير أن مصعب بن عمير رضي الله عنه -وهو شابٌّ أرسله النبي ﷺ إلى المدينة- جاءه أسيد بن حضير غاضباً شاهراً حربته، فلم يقابل مصعب غضبه بغضب، بل قال له ما معناه: أوَتجلس فتسمع؟ فإن رضيت أمراً قبلته، وإن كرهته كففنا عنك ما تكره. فجلس أسيد وسمع... فما قام إلا وقد أشرق الإسلام في وجهه!

تعقيب: هكذا يفعل التلطف... شابٌّ واحد بكلمة رفيقة فتح الله به قلوب المدينة، فصارت داراً للإسلام. فالكلمة الغليظة تغلق الأبواب المفتوحة، والكلمة اللطيفة تفتح الأبواب المغلقة. ولم يُعرف عن الرفق أنه هزم صاحبه، فقد قال النبي ﷺ: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا يُنزع من شيء إلا شانه» (رواه مسلم).

  «ليعلموا أن وعد الله حق».. العاقبة للصبر

نام الفتية سنين طويلة، فلما بعثهم الله وجدوا الدنيا قد تغيرت، وأن الباطل الذي فرّوا منه قد زال، وأن الله أظهر أمرهم للناس: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ (الكهف: 21).

وهذه سنةٌ ربانية يحتاجها كل داعية يستبطئ الثمرة: الزمن ليس ملكك، والنتائج ليست عليك. عليك أن تؤمن، وأن تثبت، وأن تتلطف، ثم تدع الأمر لمن بيده مفاتيح الزمان. فرُبّ كلمةٍ قلتها اليوم في مجلس صغير لا تُرى ثمرتها إلا بعد أن يطوي الزمن صفحتك، كما طوى صفحة الفتية ثم نشرها آيةً للعالمين.

ولهذا جاء بعد القصة مباشرة أدبٌ عظيم: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَدًا ۝ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (الكهف: 23–24)... فالداعية يخطط ويجتهد، لكنه يعلّق قلبه بمشيئة الله لا بخططه.

كيف نعيش مع فتية الكهف كل جمعة؟

١   اقرأ سورة الكهف يوم الجمعة بنية التعلم لا مجرد الختم، وقف كل أسبوع عند آية واحدة تتدبرها.

٢   احفظ العشر الأوائل من السورة، وعلّمها أبناءك وطلابك، فهي عصمة من الفتن كما أخبر النبي ﷺ.

٣   ردّد دعاء الفتية في خلوتك: «ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشداً».

٤   اختر لنفسك صحبةً صالحة تأوي إليها كل أسبوع، ولا تسر في الطريق وحدك.

٥   ابدأ الخطوة الأولى في الخير الذي تؤجله، وثق أن الهدى يزيد لمن بدأ.

٦   عوّد نفسك ومن تربيهم على منطق الحجة: اطلب الدليل، وقدّم الدليل، واترك الصخب.

٧   اجعل «وليتلطف» شعارك في كل حوار، خاصة مع المخالف والمتسائل والغاضب.

٨   خصص «كهفاً» يومياً بلا شاشات، ولو ربع ساعة، لذكر أو قراءة أو تفكر.

٩   لا تستعجل الثمرة؛ ازرع الكلمة الطيبة، وعلّق النتائج بمشيئة الله.

 

  وأخيراً..

أيها الأحبة... إن قصة أصحاب الكهف ليست حكاية من الماضي نقرؤها ثم نطوي المصحف، بل رسالة تتجدد كل جمعة: أن الإيمان الصادق يصنع من القلة آية، ومن الشباب منارة، ومن الكهف الضيق رحمةً واسعة. لم يكن الفتية أكثر الناس عدداً، ولا أقواهم سلاحاً، ولا أوسعهم مالاً... لكنهم كانوا أصدقهم قلباً، فكتب الله ذكرهم في كتابٍ يُتلى إلى يوم القيامة.

فكن من الفتية حيثما كنت: مؤمناً يزداد هدى، قائماً يُربط على قلبه، محاوراً يحمل الحجة، داعياً يتلطف، صابراً يعلم أن وعد الله حق.

اللهم آتنا من لدنك رحمة، وهيئ لنا من أمرنا رشداً، واربط على قلوبنا وقلوب شبابنا، واجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

 

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم