ما من إنسان إلا ويقف يومًا أمام سؤال الألم: لماذا أنا؟ ولماذا الآن؟ ولماذا هذا بالذات؟ والجواب لا يكمن في معرفة سبب كل مصيبة بعينها، بل في فهم الميزان الذي توزن به الحياة كلها.فإذا فهم المؤمن أن الابتلاء سنة ماضية، وأنه وجه من وجوه العطاء، وأن ما في يده ليس ملكه أصلًا، تغيّر نظره إلى المحنة. فلا يراها عقوبة ، بل رسالة من ربٍّ رحيم حكيم.
الابتلاء سنة الله في خلقه
الابتلاء ليس طارئًا على الحياة، بل هو علّة وجودها. قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: 2]. فالدنيا دار اختبار، لا دار قرار.
وقد جعل الله الابتلاء طريقًا لا بد منه إلى الجنة: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا﴾ [البقرة: 214]. وقال: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [محمد: 31].
وهي سنة لا يُستثنى منها أحد ممن قال آمنت: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: 2]. بل إن أشد الناس بلاءً هم أقربهم إلى الله؛ فقد سُئل النبي ﷺ: أي الناس أشد بلاءً؟ فقال: «الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، فيُبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان دينه صُلبًا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقّة ابتُلي على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة» (رواه الترمذي برقم 2398 عن سعد بن أبي وقاص وقال: حسن صحيح، وابن ماجه 4023).
فمن عرف أنها سنة، لم يفاجئه البلاء حين يأتي، ولم يظن أن الله قد تخلّى عنه.
الابتلاء هو عين العطاء
يظن كثيرون أن الابتلاء يكون بالشدة وحدها، والقرآن يقرر أن النعمة ابتلاء كذلك: ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: 35]. فالمال امتحان شكر، والفقر امتحان صبر، والصحة امتحان استعمال، والمرض امتحان رضا.
والبلاء في ذاته عطاء؛ يكفّر الذنوب، ويرفع الدرجات، ويوقظ القلب من غفلته، ويردّه إلى ربه. قال ﷺ: «إنّ عِظَم الجزاء مع عِظَم البلاء، وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط» (رواه الترمذي 2396 عن أنس وقال: حسن غريب، وابن ماجه 4031). وقال: «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير… إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له» (رواه مسلم 2999 عن صهيب).
وما من ألم صغير أو كبير إلا وله ثمن عند الله: «ما يصيب المسلم من نَصَب ولا وَصَب، ولا همّ ولا حزن ولا أذى ولا غمّ، حتى الشوكة يُشاكها، إلا كفّر الله بها من خطاياه» (رواه البخاري 5641، ومسلم 2573). وقال ﷺ: «من يُرد الله به خيرًا يُصِب منه» (رواه البخاري 5645).
بل إن أهل العافية يتمنّون يوم القيامة لو نالوا ما ناله أهل البلاء؛ قال ﷺ: «يودّ أهل العافية يوم القيامة، حين يُعطى أهل البلاء الثواب، لو أن جلودهم كانت قُرِضت في الدنيا بالمقاريض» (رواه الترمذي 2402 عن جابر، وحسّنه الألباني).
فالعطاء قد يأتي في صورة منع، والمنع قد يكون هو عين العطاء. وكم من محنة كانت بابًا لمنحة لم تكن لتأتي إلا عبرها.
وهذا مصداق قوله تعالى: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: 216]. ولهذا قال التابعي مطرّف بن عبد الله بن الشخّير: «إن أحب عباد الله إلى الله الشكور الصابر، الذي إذا ابتُلي صبر، وإذا أُعطي شكر» (رواه أحمد في «الزهد» 1334).
العطاء كله عارية، والله صاحبها
كل ما بين أيدينا من مال وولد وصحة وجاه، إنما هو عارية مستردّة، وصاحبها الحقيقي هو الله. ولهذا علّمنا القرآن أن نقول عند المصيبة: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: 156]؛ أي نحن وما نملك لله، وإليه المرجع.
﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: 53]. وبهذا المعنى عزّى النبي ﷺ ابنته حين احتُضر ابنها، فأرسل إليها: «إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكلٌّ عنده بأجل مسمّى، فلتصبر ولتحتسب» (رواه البخاري 1284، ومسلم 923 عن أسامة بن زيد).
وعلّمنا ما نقول عند استرداد العارية: «ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أْجُرني في مصيبتي، واخلُف لي خيرًا منها، إلا أخلف الله له خيرًا منها» (رواه مسلم 918 عن أم سلمة). قالت أم سلمة: فلما مات أبو سلمة قلتها، فأخلف الله لي رسولَ الله ﷺ.
وأبلغ ما يجلّي هذا المعنى موقف أم سُليم رضي الله عنها حين مات ابنها، فقالت لزوجها أبي طلحة: أرأيت لو أن قومًا أعاروا عاريتهم أهلَ بيت، ثم طلبوها، أكان لهم أن يمنعوها؟ قال: لا. قالت: فاحتسب ابنك (رواه مسلم 2144 من حديث أنس بن مالك).
وقديمًا قال الشاعر لبيد بن ربيعة رضي الله عنه في رثاء أخيه:
وما المالُ والأهلونَ إلا ودائعٌ … ولا بدَّ يومًا أن تُرَدَّ الودائعُ
ومن أروع ما يُروى في هذا الباب صبر التابعي الجليل عروة بن الزبير؛ فقد قُطعت رجله لداء أصابها، ومات له في السفر نفسه ولد من أحب أولاده إليه، فقال: «اللهم كان لي بنون سبعة، فأخذتَ واحدًا وأبقيتَ لي ستة، وكان لي أطراف أربعة، فأخذتَ واحدًا وأبقيتَ ثلاثة، ولئن ابتليتَ لقد عافيت، ولئن أخذتَ لقد أبقيت» (الذهبي، «سير أعلام النبلاء» 4/430).
فمن عاش بهذا الفهم، شكر ما دامت العارية في يده، وسلّم حين يستردّها صاحبها، ولم يرَ في الاسترداد ظلمًا، بل ردًّا لأمانة إلى أهلها.
لكلٍّ نصيبه من الابتلاء
لا يخلو أحد من نصيب من البلاء، وإنما تختلف الأبواب التي يأتي منها. قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 155].
- من يأتيه في ماله: خسارة تجارة، أو ضيق رزق، أو دَين يثقل كاهله.
- من يأتيه في ولده: فقدٌ، أو مرض، أو عقوق، أو تأخّر في الإنجاب.
- من يأتيه في صحته: علّة مزمنة، أو ألم لا يفارقه، أو ضعف يقعده عن حاجته.
- من يأتيه في أهله وعلاقاته: خلاف زوجي، أو فراق حبيب، أو جفاء قريب.
- من يأتيه في أمنه ووطنه: خوف، أو غربة، أو تهجير عن الديار.
وفي قصص الأنبياء نماذج لكل باب: فأيوب عليه السلام ابتُلي في صحته وماله وأهله، فنادى: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ فاستجاب الله له ﴿وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ﴾ [الأنبياء: 83-84]. ويعقوب عليه السلام ابتُلي في ولده، فقال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف: 18]، وقال: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: 86].
ولكل باب من هذه الأبواب بشارة خاصة:
- في الولد: «إذا مات ولد العبد قال الله لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟… فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول الله: ابنوا لعبدي بيتًا في الجنة، وسمّوه بيت الحمد» (رواه الترمذي 1021 عن أبي موسى الأشعري وقال: حسن غريب).
- في الصحة: قال الله تعالى في الحديث القدسي: «إذا ابتليتُ عبدي بحبيبتيه فصبر، عوّضته منهما الجنة» يريد عينيه (رواه البخاري 5653 عن أنس).
- في العجز عن العمل: «إذا مرض العبد أو سافر، كُتب له مثل ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا» (رواه البخاري 2996 عن أبي موسى).
والناظر إلى غيره يرى نعمه ويغفل عن بلائه، فيظن أنه وحده المبتلى. والحق أن كل بيت فيه ما فيه، وأن الله يوزّع البلاء بحكمة على قدر ما يحتمله كل عبد: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286].
البلاء في الدين: البلاء الحقيقي
كل بلاء في الدنيا يهون ما دام الدين سالمًا، لأن مصائب الدنيا تنتهي بانتهائها، أما مصيبة الدين فتمتد إلى الآخرة. ومن الناس من قدّر الله عليه أن يُبتلى في دينه: بشبهة تزلزل يقينه، أو شهوة تأسره، أو فتور يطفئ قلبه، أو بيئة تجرّه بعيدًا عن ربه. وهذا في حقيقته هو البلاء الصعب.
وقد حذّر النبي ﷺ من فتن آخر الزمان التي تمسّ الدين: «بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم، يُصبح الرجل مؤمنًا ويُمسي كافرًا، أو يُمسي مؤمنًا ويُصبح كافرًا، يبيع دينه بعرَض من الدنيا» (رواه مسلم 118 عن أبي هريرة). ولهذا كان من دعاء الراسخين في العلم: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: 8].
ولذلك كان من دعاء النبي ﷺ: «ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همّنا» (رواه الترمذي 3502 عن ابن عمر وقال: حسن غريب، وحسّنه الألباني). وكان أكثر دعائه: «يا مقلّب القلوب، ثبّت قلبي على دينك» (رواه الترمذي 2140 عن أنس).
يقول القاضي شريح بن الحارث رحمه الله، من كبار التابعين:
إني لأُصاب بالمصيبة فأحمد الله عليها أربع مرات: أحمد إذ لم يكن أعظم منها، وأحمد إذ رزقني الصبر عليها، وأحمد إذ وفّقني للاسترجاع لِما أرجو من الثواب، وأحمد إذ لم يجعلها في ديني. (الذهبي، «سير أعلام النبلاء» 4/105، من رواية الشعبي)
فجعل من نعم المصيبة أنها لم تقع في دينه. وهذا ميزان دقيق: من سلم له دينه فقد سلم له رأس ماله، وكل خسارة بعد ذلك قابلة للجبر.
وقولأمير الؤمنين عمر رضي الله عنه : «وجدنا خير عيشنا بالصبر» (ذكره البخاري معلّقًا في كتاب الرقاق، باب الصبر عن محارم الله، ورواه أحمد في «الزهد»).
المؤمن يسأل العافية ولا يطلب البلاء
فهم الابتلاء لا يعني تمنّيه. فالمؤمن يتعلّق بالعافية عبادةً، ولا يطلب البلاء عبادةً. قال النبي ﷺ: «لا تتمنّوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا» (رواه البخاري، ومسلم 1742 عن عبد الله بن أبي أوفى). وقال: «سلوا الله العفو والعافية، فإن أحدًا لم يُعطَ بعد اليقين خيرًا من العافية» (رواه الترمذي 3558 وأحمد عن أبي بكر الصديق).
فسؤال العافية ليس ضعفًا في الإيمان، بل هو إقرار بضعف العبد وفقره إلى ربه. ومن تمنّى البلاء فقد ادّعى قوة لا يملكها، وقد يُوكَل إلى نفسه فيعجز.
وقد عاد النبي ﷺ رجلًا أنهكه المرض حتى صار مثل الفرخ، فسأله: هل كنت تدعو بشيء؟ قال: كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجّله لي في الدنيا. فقال ﷺ: «سبحان الله! لا تطيقه، أفلا قلت: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار»، فدعا الله له فشفاه (رواه مسلم 2688 عن أنس).
وجاءه عمّه العباس يقول: علّمني شيئًا أسأله الله، فقال: «سلِ الله العافية»، ثم عاد بعد أيام يسأل، فقال: «يا عباس، يا عمّ رسول الله، سلِ الله العافية في الدنيا والآخرة» (رواه الترمذي 3514، وصحّحه الألباني).
وعلى هذا فهم السلف؛ قال مطرّف بن عبد الله: «لأن أُعافى فأشكر أحب إليّ من أن أُبتلى فأصبر» (رواه أحمد في «الزهد»، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» 2/200). وهو من قوله، ولا يصح رفعه إلى النبي ﷺ كما يشيع.
لكن المؤمن لا يقف عند عافية الدنيا؛ فهي ناقصة زائلة مهما طالت. إنما يتطلع إلى العافية الكبرى في الآخرة: النجاة من النار، ودخول الجنة حيث لا مرض ولا حزن ولا فقد. ولهذا كان ﷺ يدعو صباحًا ومساءً: «اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة» (رواه أبو داود 5074 وابن ماجه 3871 عن ابن عمر).
وختاما
إن ما يجد المؤمن حين يتعلق قلبه بربه سكينةً لا تصفها الكلمات. يقف بين يدي الله في صلاته، أو يرفع يديه إليه في دعائه، مستشعرًا فقره التام وحاجته إلى مولاه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: 15]. وفي تلك اللحظة يستيقن أنه عبد له ربٌّ يلجأ إليه، يسمع شكواه ويعلم حاله، فلا يرى نفسه وحيدًا في مواجهة البلاء. وهذا الشعور بالعبودية والافتقار هو في حقيقته غنى، وذلك الانكسار بين يدي الله هو عين العزة. ولهذا يجد المؤمن في هذا الرضا والطمأنينة ما يفوق موازين الدنيا كلها، فلا مال يعدله ولا جاه يدانيه، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28].
وعليه يجب علينا
أن نفهم الابتلاء يعني أن نراه بعين الإيمان: سنة ماضية لا تنفك عن أحد، وعطاء في ثوب منع، وعارية يستردّها صاحبها متى شاء. ويعني أن نعرف أن أعظم البلاء ما أصاب الدين، فنحمد الله على سلامته قبل كل شيء.
ثم نسأل الله العافية في الدنيا، ونصبر إن جاء البلاء، ونرجو عافية الآخرة التي لا يعقبها بلاء أبدًا. فالمؤمن بين شكر وصبر، وكلاهما له خير.