- وليد وأميرة وآيات يحفظون القرآن وبلال يحفظ 14 جزءًا

- طاعة الآباء والحفاظ على الصلوات هيَّئت الجو المناسب للمذاكرة

 

تحقيق- حسونة حماد

ما أروع النجاح! وما أجمل الفرحة عندما تأتي بعد جدٍّ واجتهادٍ كالعاصفة تقتلع التعب والمعاناة وطول الانتظار! فالقلوب وقتها تكاد تتوقف عن النبض من شدة الفرحة.. سعادة بالغة تظهر في صورة أحضان حارة من الآباء ودموع غزيرة من الأمهات وصراخ هستيري من الإخوة والأخوات وبرقيات تهنئة من الأهل والأحباب.. شعورٌ بالفخر والعزة يملأ قلوب الآباء والأمهات بعد جني ثمرة سنين طويلة من التعب والكفاح.. فرحة كبيرة بالابن الذي رفع رايةَ التفوق التي تحمل اسمه واسم عائلته لترفرف خفاقةً في عنان السماء.

 

والأجمل من هذا كله أن يكون السر الحقيقي وراء هذا النجاح ومفتاح التفوق هو الالتزام بطاعة الله وبر الوالدين والمحافظة على قراءةِ القرآن والأذكار قبل بدء المذاكرة وبعد الانتهاء منها، وهو ما أكده أوائل الثانوية العامة عندما التقى بهم (إخوان أون لاين)، موضحين أن مشوار التفوق والنجاح بالنسبة إليهم بدأ بالالتزام الديني والأخلاقي وتنظيم الوقت والتحلي بروح المثابرة والعزيمة والإصرار والتحدي للوصول إلى تحقيق أهدافهم وأحلامهم والاستمتاع بتذوق نجاهم الكبير، فضلاً عن الاستقرار الأسري والبيئة المناسبة التي وفرتها لهم أسرهم.

 

 هبة عاطف

 

كانت المحطة الأولى لجولة "إخوان أون لاين" في سوهاج؛ حيث تحدثنا مع الطالبة هبة عبد الرحمن محمود الحاصلة على المركز الأول على مستوى الجمهورية لأوائل الثانوية العامة بكل شعبها "العلوم والرياضة والأدبي" بحصولها على الدرجات النهائية في جميع المواد والتي أكدت أن التزامها بطاعة الله وإصرارها على تحقيق هدفها، فضلاً عن اهتمام الأسرة بها وتوفير المناخ الملائم لها كان له أكبر الأثر في حصولها على المركز الأول.

 

وبنبرةٍ تكسوها الفرحة والسعادة أكدت أم هبة أن هذا النجاح الكبير جاء بعد تعبٍ وعناءٍ وجد، مشيرةً إلى أن هبة ملتزمة منذ الصغر دينيًّا وأخلاقيًَّا وتحفظ الكثيرَ من القرآن الكريم، وأنها منظمة في وقتها ودقيقة في مذاكرتها ومرتبة لغرفتها وكتبها.

 

وأضافت أن هبة تحب العمل في صمتٍ لدرجة أن معظم مدرسيها لم يعرفوها إلا عندما حصلت على الدرجات النهائية في المرحلة الأولى فانتبه إليها الجميع وبدأت إدارة المدرسة والمدرسون يشجعونها على التفوق ومواصلة رحلة النجاح.

 

وقالت إيمان أحمد حافظ من مدرسة ساقلتة الثانوية المشتركة بسوهاج والحاصلة على المركز الثاني مكرر بمجموع 409.5 أنها كانت تتوقع هذه النتيجة وكانت مصممة عليها؛ لأنها من المتفوقين طوال سنوات دراستها، مؤكدةً أن التركيز وتحديد الهدف والمذاكرة من أول يوم روشتة النجاح لأن الملخصات لا تصنع نابغة.

 

بركة 14 جزءًا

 

انتقلنا إلى منزل بلال سلامة أمين قرني بحلوان، وهو حاصل على المركز العاشر مكرر بمجموع 407.5 فاستقبلتنا أسرته بالزغاريد، وكانت الفرحة تكاد أن تنبثق من وجوههم وقبلات النجاح تنهمر كالسيل على بلالٍ من الأهل والجيران والأحباب بعد أن كلل الله مجهود وتعب السنين وحقق حلمه الجميل بالالتحاق بكلية الهندسة، ورغم أن بلال لم يكن يتوقع أن يكون من أوائل الجمهورية إلا أنه أكد أن طاعةَ الله والحِفاظ على الصلوات الخمس جماعةً في المسجد كانت السر الحقيقي وراء هذا النجاح الكبير غير المتوقع، مؤكدًا أن التقرب إلى الله بالطاعاتِ كان يمنحه راحةً نفسيةً كبيرةً تُهيئه لاستذكار دروسه دون قلقٍ أو تعصبٍ أو انهيار أعصاب، كما يحدث للبعض، فضلاً عن أنها كانت تبارك له في وقته ولا تضيعه كما يتصور البعض.

 

وأوضح بلال أنه يحفظ من القرآن الكريم 14 جزءًا بالأحكام وكان يتمنى أن يتم حفظ القرآن كاملاً، إلا أن انشغاله بالدروس في المرحلتين الأولى والثانية بالثانوية العامة حال بينه وبين ذلك.

 

القرآن ملازمه

وفي حلوان أيضًا طرقنا منزل حسام الدين السيد خليفة الحاصل على المركز الخامس مكرر في المجموعة العلمية بمجموع 409 درجاتٍ فوجدناه نائمًا في ثباتٍ عميقٍ بعد رحلةٍ طويلةٍ من التحدي وتحقيق الهدف الذي كان يريده وهو الالتحاق بكلية الطب، فصممت والدته "طبيبة أسنان" على أن تُوقظه، لكننا طلبنا منها أن تتركه نائمًا وقلنا لها: احكي لنا عن حسام.. كيف وصل إلى هذا المركز المتقدم؟ فقالت: "الحمد لله كنا نشعر بأن الوصول إلى هذا المركز شيء صعب لكننا استيقظنا جميعًا على رنة تليفون وكانت أجمل رنة تليفون سمعناها في حياتنا؛ حيث أبلغتنا وزارة التربية والتعليم بالخبر السعيد".

 

وأضافت والدة حسام أنه منذ الصغر وهو ملتزم وجاد في حياته ومتفوق، وكانت صفاته كلها مثالية فهو يحفظ أجزاءً من القرآن الكريم، وكان المصحف لا يفارقه إلا عندما يدخل دورة المياه، ورغم أنه كان منظم الوقت ذاتيًّا إلا أنه كان يقبل التوجيهَ مني وكان يطيعني ويطلب مني الدعاء، فهو بالفعل يستحق هذا النجاح الكبير؛ لأنه بذل مجهودًا كبيرًا ومتواصلاً، وأشارت إلى أن حسام سعيد جدًّا بتحقيق حلم حياته بالالتحاق بكلية الطب التي طالما تمنى أن يدخلها حتى يُصبح طبيبًا شهيرًا ويخفف من آلام المرضى.

 

جزء قبل المذاكرة

 

أما أميرة سيد أحمد محمد الرابع مكرر على المجموعة الأدبية بمجموع 407 درجاتٍ بمدرسة الشيماء الثانوية بنات بالبساتين ودار السلام فكان هدفها مختلف تمامًا عن باقي زملائها، فهي تريد أن تلتحق بكلية اللغات والترجمة قسم الترجمة الفورية بجامعة الأزهر رغم أنها ثانوي عام وليس أزهر، وعندما سألناها عن سبب ذلك قالت هدفي أن أدرس اللغة العربية لغة القرآن الكريم بجانب المواد الشرعية، وأن انتسب إلى جامعةٍ عريقةٍ كجامعةِ الأزهر، مشيرةً إلى أنها تتمنى أن تكون مذيعة في مجال البرامج الدينية أو برامج ذات خلفية دينية.

 

وأكدت أميرة أنها تشعر بسعادةٍ لا يمكن وصفها وتشعر بجني ثمار سنوات طويلة من الجدِّ والاجتهاد، موضحةً أنها كانت دائمًا تدعو الله سبحانه وتعالى أن تكون من أوائل الجمهورية وتشجع نفسها بنفسها فكانت تكتب على كل صفحةٍ من صفحات كتبها وكشاكيلها بالبنط العريض "إن شاء الله من الأوائل".

 

ساعد أميرة على التفوق أنها أتمَّت حفظ القرآن الكريم كاملاً في المرحلة الإعدادية، وكانت تقرأ جزءًا يوميًّا قبل بداية المذاكرة، مؤكدةً أن هذا كان يُنشِّط ذهنها ويساعدها على استيعابِ دروسها، هذا فضلاً عن أن والدتها كانت تؤكد لها دائمًا أن القرآن قبل المذاكرة ينشط الذهن ويعين على استيعاب الدروس جيدًا، وكانت دائمًا تذكرها بقول الرسول- صلى الله عليه وسلم-: "مَن أراد الدنيا فعليه بالقرآن، ومَن أراد الآخرة فعليه بالقرآن، ومَن أرادهما معًا فعليه بالقرآن".

 

وأوضحت أن الأسرة كلها تحفظ القرآن الكريم، وكلهم كانوا من المتفوقين، مؤكدةً أن تحديد الهدف والثقة بالله في تحقيقه وتنظيم الوقت أهم عوامل النجاح والتفوق.

 

ركعتان شكر

 

هدير سعد محمد منير الأولى على محافظة القاهرة والخامس مكرر على الجمهورية بمجموع 409 درجاتٍ في المجموعة العلمية بالمطرية الثانوية بنات تقول كان عندي يقين بالله أنني سأحصل على مركز من المراكز العشر الأوائل، وكنت دائمًا ألجأ إلى الله في الشدة والرخاء، وفي أيام الامتحانات كنتُ أصلي بعد كل امتحان ركعتين شكر لله تعالى، ولم يفارق مكتبي المصحف فإن لم أقرأ فيه كنتُ أنظر إليه دائمًا أثناء المذاكرة فأشعر باطمئنان وتركيزٍ، واستشعر أن الله معي ولن يضيع تعبي.

 

وكانت هدير تذاكر من 4 إلى 6 ساعاتٍ يوميًّا وتريد أن تلتحق بكلية الصيدلة، وتؤكد هدير أن الشهادة بالنسبة لها وسيلة وليس هدفًا، وأن المنافسة لا بد أن تكون شريفةً بين الزملاء من خلال التعاون المشترك بينهم، وتنصح هدير زملاءها بالالتزام والإيمان بالله قبل كل شيء، وأن يعرف كل فردٍ حقوقه وواجباته، وأن يحدد هدفه ويُثابر ويصمم على تحقيقه.

 

وفي حي العمرانية بالجيزة التقينا بأسرة الطالبة سمر محمد حسن أحمد العليمي الحاصلة على المركز العاشر مكرر بمجموع 407.5 فوصفت لنا الدكتورة أنوار الأستاذ بكلية الطب البيطري بجامعة الأزهر شعورها عندما علمت بنتيجة ابنتها سمر، وقالت بكل ثقةٍ: "كان شعورًا جميلاً لا يُوصف، ولكنه كان شعورًا لحظيًّا لأنه لم يكن مُفاجئًا، وكنت أتوقع لها مركزًا مرموقًا".

 

وأضافت رغم أن دور الأم والأب نوعي في هذه الحالة، إلا أنه رئيسي في نفس الوقت، فهم اللذان يغرسان بذرة التفوق في نفوسِ أبنائهم ويضعونها في مكانها السليم، ويرعوا هذه البذرة حتى تكون ثمرة طيبة، ويأتي ذلك عن طريق التربية السليمة وحثهم على الالتزام الديني والأخلاقي المطلوب وتنمية الاستشعار بالمسئولية والرغبة في التفوق؛ لأن التفوق ليس صدفةً وليس وليدَ لحظة، وإنما إصرار وإرادة ودفع من الأهل واحترام لرغبات الأبناء بدون ضغطٍ أو إجبار، والتأكيد لهم على أن الله لا يضيع أجر مَن أحسن عملاً، والأخذ بالأسباب في كل عملٍ يقوموا به، فضلاً عن الاهتمام بتنمية الهوايات والميول للأبناء واكتشافها مبكرًا؛ لأن الهوايات لا تعوق التعليم كما تقول والدة سمر.

 

وأكدت سمر كلام والدتها، وقالت: إن أهم شيء هو وضع الهدف وبذل المجهود على قدرِ المستطاع لتحقيقه، مستنكرةً من يقول إنه يذاكر 12 أو 15 ساعةً، وقالت إن متوسط المذاكرة بالنسبة لها كان 6 ساعاتٍ فقط على مدار اليوم.

 

حفظ القرآن

أما آيات ياسر أحمد محمد درويش بمدرسة طلخا الثانوية بنات بالدقهلية الخامس مكرر على المجموعة العلمية بمجموع 409 درجات فتؤكد أن رعاية الأم الكاملة لها كانت أهم أسباب تفوقها، فبعد وفاة والدها الذي كان يعمل محاسبًا بالمضارب، حرصت أمها التي تعمل مشرفة بالمدينة الجامعية للبنات على رعايتها مع شقيقتها الكبرى آلاء الطالبة بكلية الصيدلة وشقيقها الأصغر أحمد بالصف الثاني الثانوي أفضل رعاية.. وقد حفظت القرآن الكريم كاملاً.. وتنوي الالتحاق بكلية الصيدلة.

 

ريهام فؤاد عبد العظيم بمدرسة الدعوة الإسلامية بمدينة بني سويف والفائزة بالمركز الثالث بشعبة الرياضيات بمجموع 408.5 تؤكد أن تضحية والدتها هو سبب تفوقها، وقالت إن والدتها مها عبد المنعم طبيبة أطفال بمستشفى بني سويف العام ورغم إقبال الإهالي عليها كمتخصصةٍ إلا أنها رفضت افتتاح عيادة، وأضافت أنها وشقيقتها متفوقات، فالكبرى بكلية الصيدلة والصغرى متفوقة بالمرحلة الابتدائية، وتتمنى ريهام الحصول على الدكتوراة في الهندسة.

 

تحدي الإعاقة

وكانت محطتنا الأخيرة في منزل وليد فرغلي مهدي أول المكفوفين أدبي بمدرسة النور للمكفوفين ببنها، والذي حصل على مجموع درجات 405 من 410.. وليد يمثل نموذجًا يُحتذى به في تحدي الإعاقة وقهر الصعاب، وعندما التقينا به كانت قد نطقت ملامح وجهه بالفرحة والسعادة قبل أن يقول الحمد لله، كنت أتمنى وجود والدي بجواري ليفرح معي في هذه اللحظة، فقد تُوفي والدي وأنا في الصف الثالث الابتدائي وحملت والدتي المسئوليةَ من بعده.

 

وأعرب وليد عن فرحته الغامرة بهذا النجاح الكبير، مشيرًا إلى أنه كان يتوقع الحصول على هذا المركز.

 

وأوضح أن والدته كانت تقرأ له الكتب ولم يستخدم طريقة برايل في المذاكرة؛ إذ كانت تتولى تسجيل المواد والمقررات الدراسية بصوتها على شرائط كاسيت ويتولى هو سماعها حين تذهب لعملها، ويضيف وليد أنه كان يتمنى أن يعيش والده رحمه الله ليرى هذه الفرحة، مما دفعه إلى إهداء هذا التفوق لروحه، مشيرًا إلى أنه فقد والده وهو في المرحلة الابتدائية برغم أنه كان مرتبطًا به ارتباطًا وثيقًا، لكنَّ المرضَ اللعين قضى عليه.

 

وليد يحفظ نصف القرآن الكريم وتوقَّف عن حفظ الباقي بسبب الانشغال بالثانوية العامة، فضلاً عن عدم إجهاد والدته في الحفظ بجانب المذاكرة.