مشكلات التعليم في مصر ليست لها نهاية؛ فهي تبدأ من تكدُّس الفصول، وسوء حالة التعليم والمناهج، ومرورًا بالتعليم الجامعي بمشاكله المعروفة، والتي يأتي على رأسها ارتفاع مصاريف التعليم الجامعي، وعدم ارتباطه باحتياجات السوق، ولكن تبقى على مرِّ الأجيال مشكلة الطلاب المغتربين، والذين يشكِّلون أغلب الطلاب بالجامعات المصرية في قمة هرم مشاكل التعليم، وبالرغم من هذا فهي لا تجد الرعاية اللازمة لها، فأحوال المدن الجامعية في مصر تسير من سيئ إلى أسوأ.
إلا أن المفاجأة التي نفجِّرها لك- عزيزي القارئ- هي أن طالب المدينة الجامعية بكل ما يعانيه من مشكلات في السكن والطعام والتضيق الأمني الذي يُمارَس ضده فهو يُعتبر أسعد حظًّا بكثير من أغلبية الطلاب المغتربين، والذين يسكنون شققًا مفروشةً على نفقتهم الخاصة في المدن التي تقع فيها جامعاتهم.
مشكلات طلاب الشقق، كما يطلق عليهم البعض، كثيرة ولا تنتهي، ولن نجد من يتحدث عنها أفضل من الطلاب أنفسهم؛ فشادي سيد- الطالب بالفرقة الثالثة بكلية الصيدلة بأسيوط- يقول: مشكلاتنا كثيرة ولا تنتهي، فأنا منذ عامي الأول بالجامعة ولأني من القاهرة أصلاً اضطُّرِرتُ للسكن بإحدى الشقق التي أستأجرتها مع أصدقائي، فنحن 7 أفراد نسكن شقة مكوَّنة من 3 حجرات، وبالرغم من هذا يدفع كلٌّ منا إيجارًا شهريًّا، يتجاوز المئة والعشرين جنيهًا، هذا بالطبع بخلاف مصاريف طعامنا ومصاريف تعليمنا؛ فالطالب منا يصرف بين 300 إلى 400 جنيه في الشهر، وهي ميزانية تُثقل كاهل أي أسرة مصرية.
الاستغلال
|
|
|
ظلم واضح للطلاب داخل وخارج الجامعات!! |
يلتقط زميله محمد السيد- الطالب بنفس السنة- طرف الحديث ليقول: بالتأكيد مشكلتنا الأولى هي المصاريف المرتفعه جدًّا، لكن مشكلتنا الأخرى لا تقل أهميةً، فنحن نقع غالبًا فريسةً لأصحاب الشقق، ولا أحد يقف في صفنا إن حدث خلاف؛ فأصحاب الشقق يحصلون منا عند سكننا على تأمين تبلغ قيمته شهرًا من الإيجار، ومن المفترض أن يعود هذا التأمين في نهاية فترة الإيجار، إلا أنه غالبًا لا يتم رد التأمين، بل يطالبوننا بمبالغ أخرى بدعاوى اتساخ حوائط السكن، أو تغير لون بلاط الأرض!.
ويؤكد محمد أن أصحاب الشقق يمثلون نوعًا من "المافيا" المنظمة، وأنها تجارة مربحة للغاية، والأهم أنه لا يوجد قانون ينظمها؛ فالطلاب يؤجرون الشقق بدون عقود إيجار أو أي إثبات، وهو ما يتيح الفرصة لأصحاب الشقق أن يطردوهم في أي وقت دون إبداء أي سبب أو مبرر لهذا التصرف.
إذن، فالاستغلال هو كلمة السر وراء هذه القضية، فظروف الطلاب التي تحتِّم عليهم الإقامة خارج محافظاتهم، وقلة عدد الوحدات السكنية بالمحافظات التي يقطن بها الطلاب، وتدني حالة المدن الجامعية، وقلة عدد الأماكن بها.. كل هذه الظروف تكالبت على الطلبة لتجعل منهم فريسةً سهلةً للعديد من الأفراد على رأسهم أصحاب الشقق والسماسرة.
سيد غالب- الطالب بالفرقة الثانية بكلية التجارة جامعة حلوان- يقول: نعاني الأمرَّين في حياتنا كطلاب مغتربين، فأغلب من يعرف أننا طلاب مغتربون يسعى إلى استغلال ظروفنا لجني أكبر قدر ممكن من المكاسب على حسابنا؛ فالسماسرة باتفاق مع أصحاب الشقق السكنية يتَقَاضَون أُجرتهم منا نحن فقط، ولا يتقاضونها من المؤجر والمستأجر، كما جرت العادة في مثل هذه الحالات، وبالطبع فالجزء الذي كان من المفترَض أن يدفعه المؤجّر ينتقل إلينا نحن الطلاب المستأجرين ليتضاعف ما ندفعه كأجرة للسمسار.
إيجار مستمر
نوع آخر من الاستغلال الذي يتعرَّض له الطلاب، تروي تفاصيله الطالبة مي محمد- بالفرقة الرابعة بكلية التجارة جامعة القاهرة- والتي تقول: أُضطَّرُّ إلى دفع قيمة إيجار السكن الذي أسكن فيه طوال شهور الدراسة والإجازة الصيفية، بالرغم من عدم سكني فيه بأشهر الصيف، وتؤكد أن السبب وراء ذلك هو تذرُّع صاحب السكن بأنه إن لم تدفع قيمة الإيجار عن أشهر الصيف فإنه سيؤجره لآخرين ويضيع منها السكن في السنة المقبلة.
الناس "مراتب"
مشكلات عدة تواجه الطلاب!!

ليست هذه هي الصورة الوحيدة الموجودة من مشكلات الطلاب المغتربين؛ فالصور تتعدد وإن اختلفت الفئة التي ينتمي إليها الطلاب، وتستدعي بالتالي اختلاف مستوى السكن الذي يقطنون فيه أو اختلاف المحافظات والتي يلاحظ تفاوتٌ كبيرٌ فيما بينها في أسعار سكن الطلاب؛ حيث تتربع محافظتا القاهرة وأسيوط على قمة أسعار سكن الطلاب؛ وذلك بسبب قلة الوحدات السكنية بصفة خاصة في هاتين المحافظتين عنها في أي محافظة أخرى.
ومن المتعارف عليه بين الطلاب السماسرة وأصحاب السكن أن سكن الطلاب درجات، أقلها السكن غير المفروشة، والتي غالبًا ما تكون شقةً ذات مساحة كبيرة لا يوجد بها أي نوع من أنواع الأثاث، سوى موقد فقط لزوم إعداد الطعام، ويتم تسكين حوالي 3 طلاب بالحجرة الواحدة، وعلى كل طالب أن يوفِّر لنفسه فرشًا ينام عليه ومنضدة لمذاكرته ويتراوح إيجار مثل هذه الشقق بين 60: 75 جنيهًا.
والفئة التي تلي هذه الفئة هي السكن المفروش العادي، وهي غالبًا شقق كبيرة الحجم أيضًا، تتسع الشقة لنحو 7 طلاب، وتكون مفروشة فرشًا بسيطًا؛ حيث يتوفر لكل طالب سريرٌ صغيرٌ من المعدن ومنضدةٌ وكرسيٌّ، كما يتم توفير موقد وسخان بالمطبخ، ويكون عدد الطلاب في كل حجرة غالبًا طالبين، ويتراوح إيجار هذا السكن بين 90: 125 جنيهًا لكل طالب.
الفئة التالية والتي اصطُلِحَ على تسميتها بـ"اللوكس" لا تختلف كثيرًا عن سابقتها، إلا أنها تتميز غالبًا بأن الجدران حديثة الدهان وأن الإضاءة أفضل، ووجود دواليب صغيرة للطلاب؛ ليضعوا بها ملابسهم وأغراضهم، وفي بعض الأحيان وجود غسالة كهربائية عادية لغسيل الملابس.
أما ما يفوق ذلك فهو مخصَّص للطلبة الذين يوضعون في فئة الأغنياء، فبعض الطلاب المنتمين لهذه الفئة يقومون باستئجار شقق مفروشة منفردين أو بمشاركة صديق واحد فقط، وهو بالتأكيد ما يضاعف تكاليف إقامة هذا الطالب.
عطف محدود
أحمد فتحي- الطالب بالفرقة الثالثة بكلية الطب جامعة أسيوط- يرى أن الميزة الأهم وراء اغتراب الطلاب في مرحلة التعليم الجامعي هي تفرُّغ الطالب التام للدراسة بعيدًا عن جوِّ البيت المليء بالمشكلات أحيانًا وبالراحة أحيانًا أخرى، كما أنها تمهِّد الطريق أمام الطالب وتدرِّبه على استقبال حياته الجديدة بعد الجامعة، معتمدًا على نفسه، إلا أن هذا لا يتحقق- على حد تعبير أحمد- بسبب ما يعانيه الطالب المغترب في مصر، فهو يعاني الأمرَّين؛ بسبب ثقل مصاريفه من جهة ومن جهة أخرى لتحمله أعباء كبيرة ومشكلات جمَّة في غربته، لا يقف أحد فيها بجواره، فمثلاً في أسيوط بمجرد دخولك السم وانتشار ومعرفة أنك طالب مغترب تُعامَل معاملةً غاية في السوء، وبالتأكيد سيُنسَب إليك الخطأ مهما كانت الملابسات، فلا يوجد أسهل من هضم حقوق الطلاب المغتربين.
إلا أن أحمد يؤكد أنه يوجد جانب مشرق في الموضوع، فيؤكد أنه يوجد العديد من سكان المحافظة يتعاطفون معنا بمجرد معرفتهم أننا طلاب مغتربون، وغالبًا ما يكون موسم هذا التعاطف في شهر رمضان أو أيام الامتحانات، ولكن هؤلاء المتعاطفين يظلون في كل الأحوال قلةً قليلةً جدًّا.
