منسقة مشروع "قليل دائم خير من كثير منقطع":
- اعتمدنا على مصروفنا ومساعدات الأقارب والجيران
- ركَّزنا على الأسر العفيفة لمساعدتها، والأقربون أولى
- المشروع عالج مشكلة الخجل لدينا في التعامل مع الآخرين
حوار- هبة مصطفى:
مجموعة من الفتيات أصغرهنَّ في سن 15 عامًا، حطمن الفكرة التي أخذها البعض عن الشباب من الجيل الجديد من كونه سطحيًّا وغير مؤثر ولا يتحمل المسئولية، ليفاجئ الجميع بنموذج يقدم تجربة نجاح ساحق لمجموعة من الفتيات الشابات اللاتي قدَّمن ابتكارًا جديدًا للقدرة على تغلب وتحدِّي الظروف الاقتصادية والصعوبات والمعوقات التي يعجز عن مواجهتها معظم الشباب لتكاسلهم وعدم تحملهم للمسئولية.
هؤلاء الفتيات فكَّرن في أن يقُمْن بعملٍ خيري في شهر رمضان المبارك، على أن يكون مبتكرًا وجيدًا ومتقنَ الإعداد، وفي نفس الوقت غيرَ مكلف ماديًّا لهنَّ، كما أنه عملي ومفيد ويُدخل السرور على العديد من الأسر التي تحتاج إلى المساعدة.
كانت الفكرة تتلخص في مشروعٍ لإفطار أسر تحتاج إلى ذلك، ولكن لم تكن وسيلتهنَّ هي الوسيلة المعتادة لفاعلي الخير والمتمثلة في "شنطة رمضان"، فبحسبة بسيطة نجد أن تكلفة شنطة رمضان تجاوزت بكثير المصروف الخاص بأي منهن، ولكنهن فكرن: كيف يُقمن مشروعًا كهذا يُسعدن به مئات الأسر وفي الوقت نفسه يتلاءم مع ظروفهنَّ الاقتصادية؟، وفكرت إحداهن في أن يُقمن مثل هذا المشروع بالاستغناء عن شنطة رمضان؛ وذلك عن طريق تقديم وجبات جاهزة وسريعة وشهية ومتكاملة تحتوي على "أرز أو مكرونة، شوربة، لحوم، سَلطات، عصير، خضار أو نواشف"؛ وذلك داخل علب حفظ الطعام أو "علبة ثلاجة" أو "علبة فويل"، على أن تكون الوجبة ساخنة وطازجة ومقدمة من أحد المتبرعين، وهم غالبًا من الأهل أو الأقارب أو الجيران أو المعارف، قبيل الإفطار مباشرةً، وبذلك لا يقع عبء مادي على إحداهن إلا أنها ساهمت في توصيل الطعام إلى الأسرة التي تحتاجه والتنسيق مع المتبرعين بالوجبات.
(إخوان أون لاين) حاول الاقتراب أكثر من التجربة والوقوف على مواطن القوة والتحدي والابتكار فيها، فكان لنا هذا اللقاء مع عائشة غالب المنسق العام للمشروع، في محاولةٍ لإلقاء الضوء على المشروع والفريق.
* في البداية.. نود أن نتعرف عليكنَّ عن قرب.
** نحن مجموعة من الفتيات تتراوح أعمارنا بين الخامسة عشرة والثامنة عشرة؛ تربطنا أواصر الصداقة، نشأنا وتربينا معًا، وتعلمنا القيم الأخلاقية وزُرع حب العمل الخيري والتطوعي بداخلنا معًا.
* كيف جالت الفكرة بخاطركنّ، ومَن صاحبتها؟
** الفكرة جاءت بعد نقاشٍ بين بعضنا البعض؛ لأننا أردنا أن يكون رمضان هذا العام مختلفًا عن الأعوام الماضية، وأردنا أيضًا أن يدعم علاقتنا بالله عز وجل عملٌ يرضيه ويسعد الكثير من عباده، وفي بادئ الأمر اقترحت إحدانا أن نقوم بتجهيز "شنطة رمضان"، وهي حقيبة تحتوي على بقوليات جاهزة، بالإضافة إلى كل مستلزمات المطبخ من سمن وسكر وزيت.. إلخ، ولكننا فورًا تذكرنا العبء المادي؛ فنحن طالبات ومصروفنا لن يكفي لتجهيز شنطة واحدة، ففكرنا في تلك الفكرة.
البداية من هنا
* حدثينا عن طبيعة المشروع بتفاصيل أكثر؟
** قمنا بحساب تكلفة شنطة رمضان فوجدناها باهظة الثمن؛ لارتفاع الأسعار وقلة مصروفنا، ففكرنا أن نقوم بشراء علب حفظ الطعام أو "علب ثلاجة" أو "علب فويل" لوضع الوجبات بها، والتنسيق مع أقاربنا وأصدقائنا ومعارفنا بحيث يكونون هم مصدر الطعام أو الوجبة الجاهزة بزيادة طعام يومهم العادي بمقدار قليل بما يعادل فردين أو ثلاثة أفراد، بعدها قمنا بالبحث عن الحالات والأسر التي لا تملك إمكانيات صنع الطعام، مثل: البوتاجاز، الموقد،... أو البحث عن حالات سَبَق وأُجري لها بحث اجتماعي لتقييم حالتها، ومن هنا بدأ المشروع؛ وذلك بوضع جدول زمني منظم ومعروف لجميع أفراد الفريق؛ فكل واحدة منا تعرف أنه يتوجب عليها الذهاب قبيل الإفطار بنصف ساعة إلى أحد المتبرعين بالطعام، والذي تَمَّ التنسيق معه مسبقًا بما يلائم ظروفه وإمكانياته، وتأخذ منه الطعام وتضعه في العلب الخاصة بالوجبات، ثم تذهب لتقديمها ساخنةً وشهيةً إلى إحدى الأُسَر.
عوائق ومعوقات
* في ظل صغر سنكن لتحمل مسئولية مشروع كهذا.. هل كانت هناك عقبات ومعوقات اعترضت طريقكن؟
** بالتأكيد قابلتنا معوقات، ولكننا بفضل الله تغلبنا عليها؛ كان أغلب تلك المعوقات يتمثل في أسرة كل واحدة منا؛ فمن الطبيعي وجودنا كفتيات في منازلنا لمساعدة أمهاتنا قبيل الإفطار، وهو الوقت الذي نقوم فيه بأخذ الوجبات من المتبرعين وتوصيلها إلى الأسر، وهناك عائق آخر وقفنا أمامه عاجزين لبعض الوقت، وهو زيادة عدد الأسر عن العدد المحدد والمتوقع؛ مما تطلب زيادةً في عدد الوجبات، كما أننا ما زلنا كلنا في مرحلة الدراسة، وهو ما يتطلب تنظيمًا أكثر للوقت.
* ما الدافع إذن لكي تستكملن المشروع رغم هذه المعوقات؟
** الدافع كان الفرحة التي نراها في عيون الناس؛ فبعضهم لم يكن في حسبانه أنه سيفطر هذا اليوم، ولكن بفضل الله جعلنا الله سببًا في إدخال السرور على قلوب تلك الأسر.
المشروع أيضًا كان بالنسبة لنا عبادة جديدة ساعدتنا على قوة صلتنا بالله عز وجل وقرَّبتنا من الله بشكل مختلف؛ فنحن نحمد الله أنه رزقنا هذا المشروع حتى نمضيَ وقتنا في طاعة الله عز وجل، خاصةً أن معظم مَن همَ في مثل عمرنا إما منشغلون بالمذاكرة أو التليفزيون.
* لكنَّ مشروعًا كهذا بالتأكيد كان التمويل عقبة مهمة في طريقه، فماذا عن تمويل المشروع؟
** المشكلة كانت في تمويل مشروع الشنط، ولكن مع مشروع الوجبات فإن تكلفته بسيطة، وهو ما يمكن أن يغطيَ مصروفنا؛ فتكلفة شنطة رمضان تتعدى 100 جنيه، ولكننا فكرنا أنه إذا دفعت كل واحدة منا 10 جنيهات سنأتي بعدد كبير جدًّا من العلب يكفي لإفطار عدد مهول من الأسر، والجميل في الأمر أن عددًا كبيرًا من أقاربنا وجيراننا ومعارفنا عندما علموا بالمشروع اقترحوا المشاركة، سواء بتجهيز وجبات الطعام أو بشراء العلب، وهو ما يمثل تقريبًا التكلفة الإجمالية للمشروع.
الأسر العفيفة
* على أي أساس تم اختيار الأسر التي خدمها المشروع؟
** حرصنا على اختيار الحالات العفيفة التي لا تتردد على المساجد أو البيوت لطلب المعونة والمسألة، كذلك الحالات التي تملؤها عزة النفس وترفض المساعدة العينية أو المادية، ولكننا حرصنا على أن يكون "الأقربون أولى بالمعروف"؛ بمعنى أن مَن لديه مِنَّا أسرة تحتاج إلى مساعدة في الإفطار من أقاربه أو جيرانه كانت لها الأولوية، كما كان لنا اهتمام بالحالات التي تُزكيها المساجد والجمعيات الخيرية طبقًا لبحث اجتماعي أو دراسة ميدانية لحال تلك الأسرة.
* صفي لنا شعور تلك الأسر عندما تقدمْنَ لها خدماتكنَّ؟.
** سعادة غامرة؛ لأن مثل تلك الأسر يكون لديها توكل شديد على الله عز وجل؛ فكل منها يتناول وجبته ولا يعلم هل سيأكل غيرها في اليوم أم أنه سيظل معتمدًا عليها إلى أن يسوق الله إليه غيرها، كذلك لمسنا في أعينهم نظرة رضا لِمَا قدَّره الله لها، كأنها تقول لله عز وجل: "علمنا يا ربنا أنك كما خلقتنا سترزقنا"، وكانت من أفضل التعبيرات التي قالتها لنا إحدى الأسر: "علمتُ أن رزقي لن يأخذه غيري فاطمأنَّ قلبي"، خاصةً أن وجبة الإفطار تُمثل لها شيئًا مجهولاً أو بمعنى أدق رزقًا مجهولاً أتى الله تعالى به إليها.
* هل حقق المشروع نجاحات وإنجازات حتى الآن؟
** بفضل الله وحده قمنا حتى الآن بشراء علب بما يعادل حوالي 80 جنيهًا؛ تكفي في حدود 245 وجبة لـ245 أسرة وفردًا، ومن المنتظر أن يتضاعف عدد الوجبات لزيادة أعداد الأسر.
* لماذا حققت التجربة هذا النجاح من وجهة نظرك؟
** أولاً بفضل الله عز وجل ثم إخلاص العمل لله، وهما من أهم العوامل التي ساعدت على إتمام نجاح العمل، كذلك الترتيب والإعداد للعمل، والنية الصادقة لإنجاحه، وتحمس الآخرين ومساعدتهم لنا ونشرهم لفكرة المشروع.
بعد رمضان
* هل سينتهي المشروع بانتهاء شهر رمضان؟
** بحسب رؤيتنا الأولية للمشروع كنا قد رتبنا انتهاءه بانتهاء شهر رمضان المبارك؛ لتزامن تلك الفترة مع بدء العام الدراسي، ولكننا غيَّرنا وجهة نظرنا وفكَّرنا في محاولة تطبيق المشروع على المحيط الذي تعيش فيه كلٌّ منا؛ الأهل والجيران والعمل والجامعة والمدرسة، كما أننا ننوي أن يكون تقديم الوجبات الجاهزة للأسر التي تحتاجها بشكلٍ دوري ولو حتى على فترات متباعدة، وليكن تقديمنا تلك الوجبة لنفس الأسرة مرة شهريًّا على الأقل، واخترنا شعارًا لنا في مشروعنا: "قليل دائم خير من كثير منقطع"؛ فنحن نتمنى على الله عز وجل أن يستمر مشروعنا طوال العام.
* وما أوجه الاستفادة لكل منكنَّ على المستوى الشخصي من هذا المشروع؟
** بالتأكيد استفدنا كثيرًا على المستوى الشخصي، وكلٌّ منَّا تغيرت بها العديد من الصفات وأصبحت أفضل حالاً؛ فكثير من الفتيات على درجة عالية من الخجل التي تمنعهم من الاحتكاك بمَن لا يعرفنه، وبفضل الله عوَّدنا المشروع على الاحتكاك بالمجتمع، كما أن هذا المشروع كثَّف من أواصر العلاقة والصداقة والأخوة بيننا، كما علَّمنا الابتكار والتجديد في التفكير، ومحاولة التغلب على الظروف والتحديات خاصة الاقتصادية والمادية منها، كما أنه رسَّخ بداخل كلٍّ منا مبدأ أن من لديه هدف ويسعى إليه بمنتهى الجدية يوفقه الله تعالى ويساعده على التغلب على العقبات.