- شباب يحجون مع أصدقائهم وآخرون يرفعون شعار: "الزواج أولاً"
- د. شلش: العلماء ومؤسسات الدولة مسئولان عن ملء الفراغ الثقافي
- د. فيروز عمر: قضيتُ شهر العسل مع زوجي في الأراضي المقدسة
تحقيق- هند محسن:
هل يُفكر الشباب في أداء فريضة الحج؟ ما القيمة التي يستشعرونها عبر روحانيات الفريضة وعِظم أجرها؟ وما المعني الذي يُمثله يوم عرفة لهم؟ وهل يفضلون أداء الفريضة عن أشياء مُستحبة لديهم كالزواج مثلاً أو السفر إلى مكانٍ كان مُخطط له مُسبقاً؟ أسئلة عديدة وغيرها الكثير طرحها "إخوان أون لاين" على الشباب؛ تلك الشريحة الأكبر في المجتمع المصري؛ والتي تأرجحت آراؤهم ما بين تفضيل الفريضة على أمور كثيرة من بينها الزواج وآخرون يفضلون الزواج لتحصين أنفسهم وما بين هذا وذاك ذكريات من قاموا بأداء الفريضة.
في البداية يقول أحمد على إنه إذا كان يملك مبلغ أداة فريضة الحج والذي لا يقل عن 40 ألف جنيه فسيأخذه ليتمم به زواجه المعطل منذ سنتين، مؤكدًا أنه سيدخر بعد ذلك ليقوم هو وزوجته بأداء الفريضة.
ويرى محمد عبد التواب أن أولوياته البحث عن عملٍ في الخارج يُدر عليه كسبًا جيدًا، وبعد أن يُتم كل متطلباته سيفكر في أداء فريضة الحج، حيث إنه يعتقد من منظوره الشخصي أن هذا أهم الآن نظرًا لظروفنا المعيشية التي تفرض ذلك، فليس هناك من موردٍ للرزق أو الزواج إلا بهذا التفكير وترتيب الأولويات والأهداف.
الحج والزواج
ويخالفه الرأي خالد عبد المنعم- متزوج ويعمل بالسعودية- أنه بالفعل كان خاطبًا، وكان عمله لا يكفل له الزواج إلا بعد 3 أو 4 سنوات، وفي تلك الأثناء أتته فرصة لأداء فريضة الحج وخرج إليها فورًا دون تردد، وبعد الانتهاء من مناسك الحج أتته فرصة عمل بالسعودية من صديقٍ له يعمل هناك، وكان فضل الله ونعمته عليه منذ ذلك الحين لم تنته، مشيرًا إلى أنه لا ينبغي أن نطبق ما هو شائع بين أوساط الشباب اليوم بأن ننتظر إلى أن نُصبح مسنين لأداء فريضة الحج، وأنه كلما كان أداؤها في ربيع العمر وليس خريفه كان أجمل وأكثر متعةً وتأثيرًا.
ويتفق معه عبد الفتاح محمد- متزوج ويعمل بالسعودية- أنه تزوَّج في بيتٍ صغيرٍ جدًّا إلى درجة أنه لم يسع أثاثه، وكان عمله يُدر بالكاد ما يكفيهما، ثم أتته فرصة للعمل بالسعودية ومن يومها وخير الله لا ينقطع، فقام بتوسيع بيته، وذهب هو وزوجته لأداء فريضة الحج، ثم أهدى لأمه وأم زوجته تذاكر رحلة الحج لتقوما بأداء الفريضة أيضًا.
أما بالنسبة لعبد الرحمن علوي- خريج ويعمل- يقول إنه لن يكون هناك اختيارٌ في أمرٍ كهذا؛ لأنه سيفضل فريضة الحج عن أي شيء آخر حتى لو كان زواجه، وإن كان من ضمن أهدافه السفر للخارج للعمل أو حتى للسياحة، فوقتها- يقصد أداء فريضة الحج- سيحقق جزءًا من هدفه ألا وهو السفر، قائلاً (وهل هناك أعظم من السياحة في بيت الله الحرام ومدينة رسوله الكريم؟).
وتقول أمنية محمود- خريجة وتعمل- إن هناك ظروفًا قد باعدت من تفكير الشباب لأداء الحج قد تكون ظروفًا ماديةً فلا نملك قيمة تذكرة رحلة الحج أو تكاليف الإقامة، وقد تكون التنشئة البيئية هي التي رسخت في العقول بأنه ليس على الشاب أن يحج الآن، وهو في مُقتبل عمره ويمكنه الانتظار حتى يبلغ منه الشيب مَبلغه، وعليه أن يستمتع بحياته النضرة ويفكر في مستقبله وكيف يرسمه ومَن يختار لتكون شريكة حياته.
شهر العسل
![]() |
وعمَن سيختارون ليرافقهم في رحلة الغفران، أجاب إبراهيم عبد الله- كلية هندسة- أنه يُفضل لو يذهب مع أصدقائه الخمسة المقربين لتكون رحلة رائعة، يقومون خلالها جميعهم بأداء المناسك معًا والذهاب والعودة معًا، فضلاً عن الدعاء وبصوتٍ عالٍ معًا، وخالفه الرأي عمر حافظ - كلية تجارة- أن من وجهة نظره أهله أولى بمرافقته في رحلة الحج، حيث إنها ستكون رحلة تُخلد في ذكرياتهم الأسرية إلى الأبد، مضيفًا أنه لا يتخيل أن يذهب هو إلى رحلة الحج ويترك أهله وهم في أمس الحاجة لمثل هذه الرحلة وهذه الفريضة.
أما رشا فوزي- كلية آداب- فتقول إنها ستنتظر حتى تتزوج من خطيبها المهندس سعد عبد الله ليقضيا شهر العسل في رحلة إلى البيت الحرام، مُعربةً عن سعادتها باتفاق خطيبها معها في ذلك، قائلةً: "إنها قمة الرومانسية أن يكون شهر عسلهما عند المسجد الحرام في مكة".
فراغ ثقافي
وحول تقييم الخبراء لآراء الشباب المختلفة حول أداء الفريضة يقول الدكتور مجدي شلش أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر إن هناك فراغًا ثقافيًّا ضخمًا وكبيرًا في حياة الشباب الإعلامية والاجتماعية والعلمية وبالتأكيد الدينية ما بين الإسلام كعقيدة والإسلام كشريعة، مضيفًا أنه لا تُوجد لدى الناس عامةً والشباب، خاصةً ثقافة الأولويات، لكن توجد أنماط منهم نشأت في بيئات مختلفة، وكان هذا السبب وراء اختلافات الرؤى لفريضة الحج، مطالبًا العلماء بملء هذا الفراغ، كما أوجب ذلك على الدولة في مؤسساتها الثقافية والإعلامية، خاصةً الفضائيات التي يستقي منها الشباب أفكارهم ويملئون منها فراغهم، لكنه يظل تقديم مسألة الزواج على فريضة الحج وسط ما نراه اليوم من إباحية مستشرية في المجتمع وبالتالي فعلى الشاب الزواج أولاً ليعف نفسه عما يراه.
ويؤكد شلش على دور الدولة ومؤسساتها من ثقافة وإعلام لتتبني رؤية إسلامية تعرضها على شاشاتها، كما يُوجه الشباب إلى سؤال أهل العلم ومُصاحبة القدوة الحسنة التي تشجعه على غرس القيم الإسلامية في نفوسه، وعليه أن يُقدم الأولى فالأولى ويُعظم شعائر الله العظيمة.
وحول كيفية توصيل وغرس قيمة الحج لدى الشباب يرى شلش أن الحج لمَن استطاع أي مَن يملك المال والصحة والزاد والكسوة، وقال: علينا أن نؤكد أن الغرض من الحج هو إقامة ذكر الله عز وجل في أرضه فقال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ﴾ (البقرة: من الآية 200)، فالفرد إذا غُرست فيه الصلة بالله وعرف أن عليه ذكر الله صباح مساء فلا شك أن ذلك سيُحرك فيه العاطفة نحو هذه العقيدة الفريضة، فإذا غرسنا في نفوس شبابنا معرفة الله وقربه وحبه سيُحب الشباب هذه الأماكن المقدسة، مشيرًا إلى أن هذه الأحاسيس أصابها الفتور، وعلينا أن نُجدد نشاطها.
حرية الاختيار
![]() |
الدكتورة فيروز عمر- طبيبة نفسية- تقول إن للفقهاء في مسألة تقديم الزواج على الحج والعكس رأيين يأخذ البعض بالرأي الأول الذي يقول الحج واجب على الفور ويأخذ البعض الآخر بالرأي الثاني الذي يقول الحج واجب على التراخي، وتُؤكد أن الشباب له الحرية أن يختار أي الرأيين حسب حاجته.
وتخالف د. فيروز الرأي القائل أن قيمة الحج تقل عند شبابنا اليوم، بل تزيد يومًا بعد يوم بالمقارنة بالأجيال الماضية؛ حيث كان لا يذهب إلى الحج غير الذي تعدَّى الستين من العمر، أما اليوم وفي آخر 30 عامًا حدثت صحوة لدى الشباب، ما جعلنا نرى في الحرم المكي آلافًا مؤلفةً منهم، ولكن تبقى الشريحة الأكبر لا تُفكِّر في الحج كفريضةٍ أو في قيمته لتسمو روحانيًّا، ولا تصل إليها هذه القيمة.
وعددت أسباب ذلك إلى زيادة الاستهلاك فتحوَّلت الكماليات في حياتنا إلى ضروريات؛ مما جعل الضروريات تزداد يومًا بعد الآخر وسقف الاستطاعة في الحج ارتفع هو الآخر فبدلاً ما نجد الشباب يبحث عن شقة صغيرة تضمه هو وأسرته نجده يبحث عن الشقة الأكبر والأوسع والتي سيملأها بالأثاث الفاخر، أما السبب الآخر هو فقدان الشعور بالأمان.
وطالبت د. فيروز الشبابَ أن يضع فريضة الحج ضمن أولوياته وخططه فلا تكون خارج خطته وظروف حياته، فلن يستطيع أن يذهب في رحلةٍ مثلها إن كانت خارج نطاق أهدافه، وعلى جانبٍ آخر فإن مَن أدى فريضة الحج أكثر من مرة عليه أن يُوفر قيمة رحلة الحج ويهبها لشابٍ لم يخرج في الرحلة من قبل، أو يُزوِّج بها شبابًا لا يقدرون على تكاليف الزواج، أو يمحو بها أمية قرية كاملة في الريف المصري، أو يطور بها مدرسة وغيرها من الأعمال الخيرية التي تعود بالفائدة العظيمة على مجتمعنا.
وتحكي عمر تجربتها بأنها عندما تزوجت قضت شهر العسل مع زوجها في المسجد الحرام، كانت أيامًا لا تُنسى ولا تُوصف، وكانت بدايةً جميلة لطاعة الله وبركةً في الحياة والأبناء.

