- الكباري والمراحيض العامة والأشجار بانوراما مختلفة للتعبير
- د. عماد مخيمر: قانون الطوارئ والكبت السياسي أهم الأسباب
- د. محمد المهدي: الظاهرة تمثل احتجاجًا صامتًا على الأوضاع القائمة
كتب- محمد يوسف:
كان من الطبيعي عند الذهاب إلى إحدى المناطق الأثرية في مصر أن نجد الكثير من الكتابات الفرعونية على جدران المعابد، أو عددًا من الكتابات المنقوشة على جدران المساجد المصرية الإسلامية، أو الكنائس والأديرة باللغة العربية، أو القبطية القديمة تتحدث عن حضارة الشعب المصري عبر تاريخه الطويل الذي امتد أكثر من 7000 عام.
إلا أن الحال تبدل حيث أصبحت الكباري والمراحيض العامة والجدران الخارجية للمنازل، أو المصالح الحكومية، أو الخاصة بمثابة دفتر أحوال لشباب مصر، الذي لا يحكي عن تاريخ مصر المشرف، بل عن الوضع المتأزم من فقر وظلم وقهر وفساد، وعلى هذا تحولت تلك الكتابات إلى وسيلة لتفريغ شحنات الغضب والكبت التي يعيشها المواطن المصري وخصوصًا الشباب.
(إخوان أون لاين) قام بجولة في الشارع المصري لرصد الظاهرة المنتشرة ليس فقط في الجامعات، ولكنها في المراحيض العمومية وحمامات المساجد، وفي الشوارع، وعلى الجدران، وداخل الأتوبيسات، والميكروباصات، وفي النوادي وداخل المصاعد، وعلى السلالم، وتضمنت بعض العبارات المكتوبة على تلك الجدران عبارات مثل "تسقط الأنظمة العربية الفاسدة"، فيرد عليه آخر "يا عم اللي نعرفه أحسن من اللي منعرفوش"، "لا للتوريث"، فيرد آخر "جمال مبارك مفيش أحسن منه"، وآخر يكتب في واحدة من حمامات إحدى المحاكم "يحيا العدل"، فيرد آخر عليه قائلاً: "طبعًا مش في مصر"، كما تثار في بعض دورات المياه بالمساجد بعض القضايا الفقهية مثل "حلق اللحية حرام بإجماع الأئمة الأربعة" فيكتب آخر "هذه النقطة فيها خلاف فقهي يا أخي"، وكان للرياضة وضع خاص في تلك الكتابات فيكتب شاب "أبو تريكة يا فنان العب كمان وكمان"، فيرد عليه شاب آخر أن "شيكابالا عمهم وحابس دمهم".
وحتى الأزمات كان لها نصيب وافر من هذه البانوراما فأزمة مثل إنفلونزا الطيور أخذت مساحة من تلك الكتابات، وكذلك مشكلة البطالة التي دارت حولها نقاشات عديدة على الجدران منها "عاوزين نشتغل"، "نفسي أفتح بيت وأبدأ حياتي"، "يا جماعة عاوز اشتغل في أي مكان بره مصر".
وتعتبر جدران حمامات الجامعات عند كثير من الشباب المكان الأنسب للتعبير عن عاطفة الحب وعبارات الغزل والكلمات العاطفية، والذكريات، والرسومات، والشكوى من الهجر والحرمان.
أنين الجدران
التقينا بعض الشباب لنتعرف منهم رأيهم في الظاهرة، ولماذا يصرون على هتاف الصامتين بعيدًا عن الأضواء، وفي البداية تؤكد ريهام محسن طالبة جامعية أن الشباب الذين يلجئون للكتابة على الجدران في الأماكن العامة وعلى المباني عندهم طاقات دفينة وأفكار غير قادرين على الإفصاح عنها أمام الآخرين؛ فيستغلون الوقت المناسب الذي لا يوجد فيه رقيب للكتابة والتعبير عما في داخلهم، كما أنها قد تكون هواية لديهم، أو تعبيرًا عن أنفسهم التي لا يجدونها في بيوتهم أو جامعاتهم.
أما محمود أحمد- مدرس- فيوضح أن هذه الظاهرة نابعة من الضغوط النفسية التي يمر بها الشباب، وضرب مثالاً بزميل له بالجامعة لم يستطع مواجهة الأستاذ الجامعي الذي قام بإهانته وسط زملائه، فلم يجد غير جدران حمام الكلية ليعبر عما في داخله.
![]() |
|
الكتابة على الجدران تأخذ ألوانًا عدة |
سامح فهمي- مدون- يؤكد أن الكتابة على أبواب دورات المياه والحوائط ظاهرة شباب هذا اليوم ربما لإخراج مشاعر مكبوتة يحرم المجتمع خروجها أو لم يجد من يسمع له، مضيفًا أن تجربة المدونات تعد استكمالاً لتلك الظاهرة ولكن لتزايد الضغوط الأمنية مع سهولة التعرف على كاتبي تلك المدونات الإلكترونية نجد أن اللجوء لجدران الحمامات والمصالح الحكومية والكباري أسهل بكثير من التدوين كما أنها أكثر أمنًا.
ويقول مصطفى "طالب ثانوي": تعتبر الكتابة على أبواب دورات المياه لدى البعض منا متعةً ومتنفسًا للتعبير عما في داخلنا من همّ وحزن وحب، كما أنها أسهل وسيلة لكي نوصل مشاعرنا لمن نشاء دون قيد.
في المقابل يقول محمد حسين "طالب جامعي": إن الكتابة داخل دورات المياه منتشرة بكثرة في الجامعة، ولكنه ضدها تمامًا، لأنها تدل على التمرد، كما تدلل على عدم قدرة الشخص عن الإفصاح عما في داخله علنًا، ووصفها بالعبث وأرجع مثل هذه الكتابات إلى التربية الأسرية الخاطئة، وإهمال الأهل في تعليم الأبناء التصرفات الحميدة، إضافة إلى الفراغ الكبير لهؤلاء الشباب.
صرخات مكتومة
الخبراء من جانبهم كانت لهم آراء حول هذه الظاهرة؛ حيث يؤكد الدكتور عماد مخيمر- أستاذ علم النفس جامعة الزقازيق- أن الكتابة على الجدران يطلق عليها "الكتابة خلف الأبواب المغلقة"، ويرى أن أشكال الكتابة متنوعة فهناك كتابة على الحوائط وعلى الكراسي في المواصلات العامة وعلى الأشجار، مشيرًا إلى أن أسباب لجوء الشباب إلى الكتابة على تلك الجدران؛ نتيجة لعدم قدرتهم على مواجهة الآخرين، أو عدم قدرتهم على إقناع الآخرين بآرائهم، كما أن الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي يمر بها الشباب تدفعهم هي الأخرى إلى الكتابة وإخراج تلك الطاقة.
وقسم مخيمر الشباب إلى ثلاثة أقسام الأول إيجابي يتكلم دون خوف، والثاني سلبي لا يتكلم خوفًا من المجتمع أو من السلطة، أما القسم الثالث فيرى أنهم بشر لديهم أفكار وآراء بغض النظر عن صحتها، أو فسادها ونتيجة لظروف المجتمع والظروف السياسية لا يستطيع الجهر والإعلان عنها، ولهذا يلجأ إلى الكتابة على أبواب دورات المياه والحوائط والأشجار وغيرهم.
كما يرى أن الأسباب السياسية من أهم أسباب للجوء هؤلاء الشباب إلى تلك الكتابات المناهضة والرافضة للنظام الحاكم، وللقوى الاستعمارية الموجودة في المنطقة العربية والإسلامية؛ مؤكدًا أن تلك الكتابات تختلف باختلاف الأماكن التي تكتب فيها، فكتابات الطلاب في المدارس والجامعات تختلف عن كتابات العمال والموظفين في شركاتهم ومصانعهم؛ ودعا الحكومات العربية إلى النزول إلى دورات المياه ليعرفوا آراء ومشاكل وطموحات الناس.
هتاف الصامتين
د. محمد المهدي
ويتفق معه في الرأي الدكتور محمد المهدي أستاذ الطب النفسي الذي أكد أن حالة الكبت التي يعيشها شباب الجيل الحالي، نتيجة استمرار حالة الطوارئ أدت إلى شيوع حالة من القهر والخوف, وانعدام الثقة بين السلطة والشعب, وأطلقت يد السلطة الأمنية في كل صغيرة وكبيرة في حياة الناس كتعيينات الوظائف على كل المستويات، والترقيات، واختيار الوظائف القيادية، والانتخابات، والبعثات، وكل شيء، مما أتاح الفرصة لتغلغل الفساد المجتمعي بالسلطة ووصول عناصر تفتقر إلى الكفاءة والضمير إلى مراكز عليا، في نفس الوقت الذي تستبعد العناصر الموهوبة، والمتميزة عن مراكز التأثير والتوجيه، أما بقية الناس فقد تحولوا إلى أغلبية صامتة تسعى إلى أن تحصل على لقمة عيشها وعيش أبنائها فقط.

وبهذا تحولت تلك "الشخبطات" على جدران دورات المياه وأعمدة الإنارة بالطرق والكباري لهتاف صامت للشباب غير القادرين على التعبير عن مشاعرهم وأفكارهم؛ حيث لا يوجد لديهم أدوات للتعبير الاجتماعي أو العاطفي أو السياسي، لوقوف رقيب يراقبهم ويتابع كل حركة من حركاتهم الأمر الذي يربكهم ويفقدهم توازنهم فيلجأون لتلك الكتابات.
ويضيف المهدي أن الشعب المصري ليس شعبًا ثوريًّا بطبعه، لذلك تمر سنوات طويلة على أي ظروف غير مواتية يعيشها, ولا يتحرك لتغيير واقعه إلا قبل فوات الأوان بقليل، أما لو ترك "نفسه" فهو يميل إلى استقرار الأوضاع إلى درجة الجمود أحيانًا طمعًا في الأمن وبقاء لقمة العيش، حتى ولو كان أمنًا ذليلاً أو لقمةً مرّةً.
مضيفًا أن الشعب المصري وحتى يتمكن من مواصلة التكيف وتحمل ثقل الأمر الواقع عليه (الذي لا يسعى جديًّا لتغييره)، فإنه يستخدم النكتة والقفشة والسخرية سلاحًا يواجه به من فرض عليه هذه الظروف، وهذه الوسائل تقوم بتفريغ طاقة الغضب، وتؤدي بالتالي إلى استقرار الأمور، أو بمعنى آخر إلى بقاء الوضع على ما هو عليه، رغم قسوته وضغطه وتشوهه، ولهذا نجد الحكام، أو على الأقل بعضهم، لا يضيقون بما يصدره الشعب من نكات سياسية عنهم؛ لأنهم يعرفون أن في ذلك تفريغًا لطاقة الغضب الشعبي، وتأجيلاً لأي محاولة للتغيير.
