- تقرير رسمي:132  ألف شاب وفتاة تزوجوا الصيف الماضي

- فتيات: ظروفنا مهيأة نفسيًّا للزواج في هذا الوقت من العام

- خبراء: الظاهرة لها أسبابها التاريخية والاقتصادية

 

تحقيق- إيمان إسماعيل:

يشتهر فصل الصيف بعدة أشياء؛ منها الإجازات، والمصايف، والرحلات، وغيرها من الأنشطة التي تمثل تنفيسًا عن ضغط عام كامل، إلا أن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد؛ حيث تبرز ظاهرة حفلات الزواج والخطوبة في فصل الصيف أكثر من أي فصل آخر على مدار العام، فما أن يقترب فصل الصيف؛ حتى يبدأ موسم الزواج، ويزداد الإقبال على قاعات الحفلات والفنادق، حيث باتت القاعات التي تقام فيها الأفراح محجوزة مقدمًا طوال أيام الأسبوع طيلة شهور الصيف.

 

وتشير أرقام الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر إلى أن عقود الزواج في الصيف الماضي بلغت 66 ألفًا و426 عقد زواج، أي ما يزيد على 132 ألف شاب وفتاة تزوجوا خلال فصل الصيف.

 

كل ذلك أثار عدة تساؤلات حول الأسباب التي تدعو إلى لجوء الشباب للزواج في فصل الصيف بالذات، وهل هناك بعد نفسي أو اجتماعي لهذه الظاهرة، وما هو البعد التاريخي الذي ذكره أحد الخبراء لـ(إخوان أون لاين).

 

تجولنا في صالات الأفراح الصيفية، والتقينا عددًا من الشباب والفتيات المقبلين على الزواج في الصيف لمعرفة أسباب الظاهرة عن قرب فإلى التفاصيل:

 

الموضة والإجازات

في البداية تقول رانيا علي (محاسبة): إن فصل الصيف يشتهر بالموضة وأحدث صيحات فساتين الزفاف، والتي تتحول إلى تقاليع قديمة بحلول فصل الشتاء، وتضيف أن هناك عوامل عديدة أخرى تشجع على الزواج في الصيف؛ منها أن الجو العام المحيط بالفرد هو الذي يدفعه.

 

وهو ما تؤكده مروة محمد (متزوجة)؛ حيث تقول: إن الصيف أفضل في الزواج لأن الخدمات العامة تكون مهيأة أكثر، وجودتها أعلى لاستقبال أي زوجين، كالفنادق واستعدادات المصايف وغيرها، وتضيف أن جو الصيف يساعد على خروج الأزواج سويًّا في أي مكان، أما الشتاء فلا يسمح بذلك ويدعو الجميع إلى التقوقع داخل المنزل، وتؤكد أنه بالرغم من ذلك فإن تهيئة الظروف وإنجاز المتطلبات هي التي تحدد مصير الفرح صيفًا أم شتاءً.

 

شهر العسل

أما شاهيناز صبحي فتقول: إن أي أسرة لديها ابن في مرحلة من مراحل الدراسة تفضل أن تقيم حفل الزفاف في الصيف؛ حتى يفرغوا من الامتحانات، يأتي ذلك في ظل وجود هذه الحالة لدى أغلب الأسر المصرية، وبالتالي فلا بد من تأجيل الفرح للصيف؛ لأن الأفراح "بتحب اللمة"، وتضيف أنها لا تكون على الطلبة أو العاملين بقطاع التعليم، بل حتى الأعمال التي ليس لها علاقة بالتعليم تعطي أكثر إجازتها خلال الصيف، ويكون حمل الشغل "أخف" في الصيف عنه في الشتاء.

 

ويعلق ياسر محمد، الذي تزوج منذ عدة أيام فقط: إن الزواج لا يصلح إلا في الصيف؛ حتى يستطيع الأزواج قضاء شهر العسل في أحد المصايف؛ وحتى يستطيعوا الانتقال من بلد إلى آخر، أما في الشتاء فهناك أماكن ممنوع الاقتراب منها؛ نظرًا لبرودة الجو وسقوط الأمطار بغزارة، وسوء الأحوال الجوية، كما يضيف أنها عادات وتقاليد.

 

وتجاذب أطراف الحديث أحد أصدقائه قائلاً: إن عمله يكون مزدحمًا جدًّا طوال فترة الشتاء، ويقوم فيها بتجميع المال اللازم طوال فترة الشتاء حتى تأتى فترة الصيف، فقام فيها بصرف المال اللازم الذي قام بتجميعه في الخطوبة، ثم يقوم بتجميع المال مرة أخرى العام الذي يليه إلى أن تأتي فترة الصيف فيعقد القران، ثم يتزوج الصيف الذي يليه، مشيرًا إلى أنه الآن في فترة العقد، ويؤكد أنه اختار فصل الصيف ليتزوج فيه نظرًا للحالة المادية التي يعاني منها، وبالتالي فإن شهور الشتاء أنسب الشهور للعمل وتجهيز المبلغ المالي المطلوب للزواج.

 

أما داليا حلمي فتقول إن الأسر لا تقابل بعضها البعض خلال فترة الشتاء نهائيًّا؛ نظرًا لأن كلاًّ منهم في "دوامة" لا تنتهي من امتحانات متكدسة وعمل لا ينتهي، أما الصيف فمعروف بتجمع العائلات وتبادل الزيارات، وعلى نفس الوتيرة يتحدث عبد الفتاح سمير (خاطب)؛ حيث يرى أن فصل الصيف هو الأنسب لعقد الأفراح؛ لأن معظم عائلته بالخارج في البلاد العربية، ومن المستحيل أن يعقد فرحه بعيدًا عن أهله وأحبابه، وقال مستنكرًا: كيف يكون الفرح فرحًا "من غير لمة الأحباب"، ويوضح أن أخاه قد تمَّ عقد فرحه في الشتاء، وكان عدد من جاءوا من الأهل والأقارب قليلاً جدًّا، وجاء نيابة عن كل أسرة شخص واحد فقط "مجاملة"، مما أثار استياءه وحزنه.

 

جني القطن!!

طرحنا كل هذه الآراء على عدد من خبراء علم الاجتماع والنفس لتحليل الظاهرة، فيقول د. سمير عبد الفتاح، أستاذ علم الاجتماع بجامعة المنيا: إن هناك عوامل عديدة تدفع بالشاب أن يفضل الزواج في فصل الصيف عنه في فصل الشتاء، وتتنوع هذه العوامل ما بين التاريخي والبيئي والعقلي والثقافي، مشيرًا إلى أن الارتباط التاريخي يعود إلى العادات والتقاليد التي توارثناها جيلاً بعد جيل، فهي مرتبطة بمحصول جني القطن وجمعه وتحصيل عوائده والزواج به، مما يعمل على توفير سيولة مادية؛ مما يؤدي إلى كثرة الإقبال على الزواج في هذا الفصل لا شعوريًّا، فتوارث الشعب المصري هذه العادة جيلاً بعد جيل إلى عامنا هذا.

 الصورة غير متاحة

 

ويضيف أن من أحد الأسباب المهمة هي أن الصيف هو موسم عودة العاملين المصريين في الخارج لقضاء إجازاتهم الصيفية؛ حيث إنهم الأكثر استعدادًا من الناحية المادية للزواج، كما أن غالبية المصريين باتوا يفضلون فصول الصيف عمومًا؛ لأن الأسر المصرية غالبًا ما تنشغل خلال باقي أشهر العام بالدراسة والدروس الخصوصية ومصاريف أخرى كثيرة، كما أن عقد الأفراح في الصيف يتيح فرصة للسهر بعكس الشتاء.

 

ويشير د. عبد الفتاح إلى ظاهرة أخرى؛ وهي كثرة التعارف والخِطبة في الصيف، فيذكر أن العديد من الأسر تفضل أن يكون التعارف في فصل الصيف لإتاحة منافذ عديدة للتعارف، وما تلعبه البيئة الطبيعية فيها من دور وعامل أساسي في تحديد موعد الزواج، مشيرًا إلى أن فترة الصيف فرصة جيدة للتعارف بين المقبلين على الزواج، وتسنح الفرص للسؤال عن بعضهم البعض، أما فترة الشتاء فيكون هناك التزام أكثر من جانب الأسرة داخل البيت، ويشير إلى أن فصل الصيف يستطيع فيه المقبلون على الزواج الخروج إلى المصايف والنوادي، ويستطيعون تكثيف اللقاءات لغياب الامتحانات؛ مما يهيئ الفرصة للرضا والقبول.

 

نشوة واسترخاء

ويضيف د. عماد مخيمر، أستاذ علم النفس بجامعة الزقازيق، أن الإنسان بطبعه وفطرته يحب التجمعات و"اللمة"، والأفراح تعمل على تجميع الغائب، فضلاً عن الأهل والأحباب، مما يعمل على نشر البهجة والسرور في نفس الشاب المقبل على الزواج، وتجعل حالته النفسية في سعادة ونشوة واستقرار، ويكون غير مصاب "بشد الأعصاب"، لتجمع الأهل من حوله؛ ولأن كل من يحب والأسرة بأكملها؛ من حوله، مؤكدًا أن كل هذا لا يتحقق إلا في فصل الصيف؛ حتى يأتي المسافرون بالخارج من الأهل والأقارب في المناطق المتفرقة إلى أرض الوطن.

 

 ويستطرد مخيمر موضحًا أن حالة الشاب أو الفتاة المقبلين على الزواج ستكون على النقيض تمامًا إذا تم في فصل الشتاء، فلن يحضر إلا القلة القليلة من الأهل والأحباب؛ نظرًا للمشاغل الدنيوية، مشيرًا إلى أنه في أغلب الأوقات من يحضر الفرح وقتها هو فرد واحد فقط عن كل أسرة نائب عنها ومجرد "رد جمايل"، وأداء للواجب؛ مما يؤثر بالطبع في نفسية الأزواج، ولا يشعرون أن من حولهم في سعادة حقيقية من أجلهم.

 

ويوضح أن سبب الترابط التقليدي بين الصيف والزواج في مجتمعنا منذ سنوات طويلة ربما ترجع إلى بدايات التعليم، فقد تحوّل هذا الفصل إلى مثير خارجي أو محرّض يعمل في نفوس الشباب من الجنسين يدفعهم لاستحضار فكرة الزواج، فتجد بعض الشباب يغرق في التفكير في الزواج كلما اقترب هذا الفصل، فتبدأ فكرة الزواج تدغدغ خيالاتهم، ومن خلال هذه الأفكار "يسيحون" في دوّامة من المشاريع التي يتمنّون إنجازها في حياتهم، وينهي كلامه، قائلاً: فصول الصيف تسمى بفصول الراحة من المدارس والجامعات، والإقبال على كل ما يسُر النفس ويسعدها من أفراح ومصايف وغيرها.