- 54 ألف محاولة انتحار في عام واحد نفذها 15 ألف شاب
- بيومي: الحكومة وعلماء الدين يتحملون جزءًا من وزر المنتحر
- العالم: تصريحات الحكومة ودراما التليفزيون دفعا لثورة الإحباط
- فؤاد السيد: الظاهرة تحول خطير يهدد استقرار الوطن
تحقيق- عبد الله إمبابي:
تفاقمت ظاهرة الانتحار خاصةً في صفوف الشباب المصري بشكلٍ غير مسبوق، وتطورت نوعيًّا بحيث أصبحت لا تقتصر على الأفراد فحسب، بل امتدت لتتحول إلى ظاهرة الانتحار الجماعي والأسري، ووفقًا للإحصاءات الحكومية, فإن هناك 54 ألف حالة محاولة انتحار في عام واحد، كما شهدت محافظة القاهرة في عام 2008م ما يقرب من 14 ألف حالة معظمهم من الشباب والفتيات في المرحلة العمرية من 15 إلى 25 عامًا، ووصل عدد مَن حاولوا الانتحار في العام الماضي إلى 10 آلاف و816 حالة استقبلها مركز سموم جامعة عين شمس, وشكَّلت النساء النسبة الأكبر وبلغت أعدادهن 7118 سيدة مقابل 3689 من الرجال أغلبيتهم من الفئات العمرية من 15 إلى 25 سنة أيضًا, والغريب أن الفئة العمرية من 7 إلى 17 عامًا شكلت المرتبة الثالثة من بين المنتحرين بنسبة تقدر بـ23.7% من إجمالي المنتحرين في مصر؛ وبذلك يكون عدد الذين أقدموا على الانتحار في 2008م فقط ما يقرب من 54 ألف حالة مات منهم 4 آلاف شخص وتم إنقاذ الباقي، ووصلت نسبة المنتحرين في الفئة العمرية من 25 إلى 40 عامًا إلى 27% و66.6% في الفئة العمرية من 15 إلى 25 سنة من إجمالي حالات الانتحار.
وكشفت إحصائية أخرى لمركز الإحصاء والتعبئة أن عدد المنتحرين من الشباب في مصر بسبب البطالة قد سجل 15 ألف شاب بإحصائية عام 2008 التي اختتمها المواطن محمود عبد الله عندما ألقى نفسه من شرفة منزلهم بالدور الخامس بمدينة ميت غمر، أضافت الإحصائية أن عام 2005 قد شهد 1160 حالة انتحار وارتفع عدد الحالات إلى 2355 في 2006، ثم واصل ارتفاعه إلى 3700 حالة في 2007، فيما تضاعف عدد المنتحرين في 2008 لتصبح المحصلة النهائية 54 ألف حالة انتحار غالبيتها بين الشباب بسبب غياب الوظائف وعدم توافر فرص عمل مناسبة.
الانتحار الأسري

نوعيًّا تطورت تلك الظاهرة بحيث أصبح الانتحار لا يقتصر على الشاب فقط، بل يطول باقي أفراد أسرته، بدعاوى الفقر والظروف الاقتصادية الطاحنة، مثلما حدث في حالة المهندس شريف كمال المتهم بقتل عائلته في النزهة، زوجته عبلة وابنه المهندس وسام وابنته داليا، التي كانت تعمل مدرسة لفن الباليه.
أو بسبب المشكلات الزوجية التي تأثَّرت بالأزمات الاجتماعية من حولنا مثلما حدث في حالة رجل الأعمال أسامة الفريد، الذي قتل زوجته "ميرفت ويصا" مدرسة، ونجله "أندرو" طالب، ونجلته "إيريني" طالبة.
فضلاً عن تجارب أخرى حكاها عدد من شهود العيان لـ(إخوان أون لاين)، منها ما قاله هيثم عبد الله- من العريش- إلقاء فتاة نفسها في ربيع عمرها من على سطح منزلها، بسبب ضائقة نفسية فاجأتها، وفشلت في حلها، كما فشل كل من حولها في فهم أسبابها، شاب آخر يلقي بنفسه في النيل بسبب ضيق ذات يده، وعدم قدرته الوفاء بالشروط التي فرضها عليه أهل خطيبته، وفوق كل ذلك فقد وظيفته، وأسودَّت الدنيا في وجهه فلم يجد غير الانتحار ملاذًا للهروب من مشكلاته المزمنة، ويحكي أحمد عبد الرحمن من المنيا، عن فتاة أحرقت نفسها وأخرى تناولت السم بسبب صعوبة الامتحانات في الثانوية العامة.
دور العلماء
د. عبد المعطي بيومي

الظاهرة يناقشها من الناحية الدينية الدكتور عبد المعطي بيومي، عضو مجمع البحوث الإسلامية، والذي أكد أن ارتفاع أعداد المنتحرين، خاصةً في أوساط الشباب نتيجة ضعف الوازع الديني والتربية الدينية التي أصبحت لا تجدي؛ لأن هناك نقصًا وعدم معرفة مصير المنتحر في الشريعة الإسلامية، ومن ناحيةٍ أخرى فإن زيادة أعداد البطالة والظروف الصعبة التي يعيشها الشباب الآن حيث يتخرج من الجامعة ولا يجد فرصةً للزواج بل لا يجد الضرورات أحيانًا مع الجهل بالأحكام الإسلامية للمنتحر، وعلَّق بقوله "كل ذلك يسهل للشاب الخروج من الحياة مع أن هذا الهروب إلى جهنم، والعذاب المخلد".
وشنَّ بيومي هجومًا على الحكومة والمجتمع؛ حيث أشار إلى أنهم يتحملون جزءًا من وزر المنتحر فضلاً عن المؤسسات الدينية والتعليمية، وألمح إلى أن الحل يكمن في إيجاد فرص العمل وانتشار الوعي الديني، وأن يتحمل علماء الدين دورهم في الوعي بخطورة الإقدام على مثل هذه الخطوة الخطيرة، كما شدد على ضرورة أن تقوم الحكومة بواجباتها تجاه المواطنين، وتوفر لهم سبل العيش الكريم أو على الأقل متطلبات الحياة الأساسية، والقضاء على أي سبيل للاتجاه إلى فقدان الحياة باعتبارها مسئولة أمام الله عن 80 مليون مواطن مصداقًا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم "كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته".
تورط الحكومة
د. صفوت العالم

من جانبه قال الدكتور صفوت العالم، الأستاذ بإعلام القاهرة، إن هناك عوامل تكاملت في تفاقم الظاهرة، وتأتي الدراما التليفزيونية في أواخر تلك العوامل، موضحًا أن الشاب ينتحر لضعف الإيمان ومشكلات شخصية واجتماعية وعاطفية واقتصادية، وسلط الضوء على المشكلات الاقتصادية التي قال إنها تعد أحد الأسباب الرئيسية؛ حيث يشعر الشاب بأن أسرته لا تستطيع أن تعيله أو أنه لا يستطيع أن يعولها، وهو ما حدث في حالة مذبحة النزهة حيث قتل رب الأسرة أسرته بدعوى الفقر، ثم تحكم اللقطة الدرامية أو المسلسل قبضتها ولكن بعد أن يمر الشاب بأزمة مزمنة، فيجد في المسلسلات وضعًا اجتماعيًّا يخالف الواقع الذي يعيش فيه فتنفجر فيه ثورة إحباط وتذمر.
وتساءل العالم: أين الدولة ومجلس الوزراء، وأين مراكز الشباب التي يجب أن تحتضن هؤلاء الشباب، مؤكدًا أن المنتحرين كانوا يعانون من فراغ قاتل، وكانت المقاهي هي ملاذهم الوحيد، فلم تحتضنهم الدولة في مشاركة سياسية فعالة وحقيقية، ولم تملأ مراكز الشباب فراغهم بأنشطة مفيدة، وأوضح أن تصريحات الدكتور أحمد نظيف، رئيس مجلس الوزراء، والتي تتحدث بالآلاف كدخول غير حقيقية للمواطنين، يشكل مزيدًا من المعاناة النفسية، أدَّى إلى افتقاد الأمل، وألمح إلى أن الفقر موجود منذ الأزل، لكن الجديد في هذه الآونة هو افتقاد الأمل، وهو الدور الذي يجب أن تعالجه وسائل الإعلام خاصةً المرئية والمسموعة، مؤكدًا أيضًا أن على التليفزيون أيضًا أن يقدم برامج الوعي الديني وبث الثقة في نفوس الشباب وكيفية شغل أوقات فراغهم في أنشطة متنوعة ومفيدة.
تخبط اقتصادي
من جانبه يشرح د. فؤاد السيد، الخبير بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية، خريطة الظاهرة في مصر، محذرًا من خطورتها على مستقبل الوطن؛ حيث أوضح أن المشكلة ناتجة عن أمرين الأول هو خطة التنمية غير المتوازنة التي تتبعها الحكومة حيث تكتفي فقط بمعايير مادية دون النظر إلى مسألة التوزيع العادل للثروة والأرباح بين طبقات المجتمع المختلفة في الوقت الذي تفضل فيه مجتمعات أخرى معدلات تنمية أقل بشرط أن يكون توزيع الثروة بصورة أكثر عدالة وبشرط عدم قبول تزايد أعداد من يدخلون تحت خط الفقر، مشيرًا إلى أن المسالة الأهم هو أن هذا الشكل من أشكال التنمية الذي يعتمد على الناتج القومي الإجمالي يشهد تطورًا غير متوازن على المستوى الاجتماعي بمعنى أن هذه الإضافة للناتج القومي الإجمالي تصب النسبة الأكبر منها في جيوب قطاع محدود يمثلون أصحاب الأعمال خاصة في المدن الكبرى الرئيسية مثل القاهرة والإسكندرية، لكن في نفس الوقت هناك نسب متزايدة لأعداد من هم تحت خط الفقر فزاد الأغنياء غنى والفقراء فقرًا؛ مما أدى إلى تدهور اجتماعي للعديد من الشرائح الاجتماعية، بمعنى أن من كانوا ينتمون للطبقة الوسطى أصبحوا ينتقلون بشكل متدرج إلى الشرائح الأدنى أما من كانوا يعيشون عند حد الكفاف فأصبحوا على شفا الإفلاس وعدم القدرة على تلبية الاحتياجات الحياتية الأساسية، لافتًا إلى أن هذا ناتج عن فقدان أعداد متزايدة لوظائفهم سواء كانت أعمالاً حكوميةً من تسريح العمالة وغيرها أو أعمال حرة نتيجة المنافسة الشرسة، مما حوَّل الأزمة الاقتصادية إلى أزمة اجتماعية حادة ونفسية.
خطر العشوائيات

ويواصل د. السيد تحليله، مشيرًا إلى أن هذا الوضع يزامنه عدم قدرة الأفراد على تحمل ضغوط الحياة الاقتصادية، خاصةً في المدن الكبرى المزدحمة والتي يضيف الازدحام والعشوائية فيها أعباءً إنسانيةً وضغوطًا نفسيةً مضاعفةً على الساكنين فيها، ولهذا نجد أن النسبة الأكبر من حالات الانتحار هي لفقراء من ساكني المناطق الأشد فقرًا في المدن الكبرى أكثر من الفقراء في الريف لأن الأسرة في الريف لا تزال تستطيع أن تدبر أحوالها بموارد محدودة والطموحات محدودة والبيئة المحيطة فيها أكثر إنسانيةً.
وأكد أن التفسير الآخر لهذه الظاهرة هو أن المجتمع المصري يفقد بشكل متزايد لمنظومة القيم والتي تغيرت بمعنى أن الأب كان يشعر بقيمته الذاتية أمام زوجته وأولاده لأسباب معنوية إلى جانب الأسباب المادية باعتباره المصدر الرئيسي للدخل لكن الآن تغيَّر الوضع وأصبح تقييم أفراد الأسرة للأب تقييمًا ماديًّا في الأساس وقبل كل شيء، وهو ما يفسر تكرار انتحار الأب وقتل أسرته، فالذي فقد أمواله في البورصة يعلم تمامًا أنه لن يظل على احترامه السابق كما يعلم أن قيمته الأساسية بالنسبة له أنه مصدر للأموال وهذا يجعله في حالة عقلية ونفسية يختل فيها وجوده بالإضافة إلى هذا فهو يعرف أن المجتمع المحيط به لن يقدره ولن يحترم أسرته وزوجته.
وحذَّر في النهاية من أن المشكلات من هذا النوع تمثل تحول الأزمة في المجتمع المصري من مجرد أزمة سياسية محدودة يمكن للنخبة السياسية أن تتعامل معها أو مشكلة اقتصادية فنية محدودة إلى أزمة مجتمعية وأزمة في الحالة المعنوية العامة بقطاعاتٍ متزايدة من المجتمع المصري، وهذا يعني أن الحل لن يكون سهلاً فيحتاج إلى تغيير في السياسات الاجتماعية والاقتصادية يؤدي إلى تحول في التوجهات التنموية.