يعاني أسرى الضفة الغربية من أزمة حقيقية لم تعد تتمثل في أسرهم فقط، وإنما فيما بعد أسرهم، وإطلاق سراحهم؛ حيث تدهم الأجهزة الأمنية لاعتقالهم مرةً أخرى ولكنها هذه المرة ليست التابعة للاحتلال وإنما التابعة لمحمود عباس.
(إخوان أون لاين) التقى بعدد من أسر التي تعرَّض أسراها للاعتقال على يد رجال السلطة بعد إطلاق سراحهم من سجون الاحتلال، وكانت البداية عند صلاح، ذلك الطفل ابن الأربعة أعوام وعندما سألناه عن مكان أبيه لم يتردد بالإجابة: "أجو اليهود أخذو بالليل كمان مرة..."، وفي تلك الأثناء تقاطعه شقيقته الكبرى "ملاك" التي تكبره بأربعة أعوام فتقول: "لا يا "صلاح" مش اليهود اللي أخذو.. هدول السلطة...".
ولتوضيح الأمور أكثر سألنا "أم صلاح" عن الحكاية فقالت: "قبل ثلاث سنوات وبعد منتصف الليل، اقتحم جنود الاحتلال منزلنا الكائن في إحدى قرى مدينة جنين، ومن ثم اعتقلوا زوجي واقتادوه مكبل اليدين معصوب العينين إلى مركز تحقيق الجلمة، وبعد أربعين يومًا من التحقيق المتواصل حكموا عليه بالسجن لمدة ثلاث سنوات بتهمة الانتماء إلى حركة حماس".
وتكمل "أم صلاح" سرد قصتها، فتقول: "انتظرت أنا وأطفالي الثلاثة "صلاح" و"ملاك" و"تسنيم" الإفراج عن زوجي، وكنت أعد الساعات والأيام لحظة بلحظة، انتظارًا لموعد الإفراج عن زوجي، وفور الإفراج عنه من سجن النقب الصهيوني، كانت الأجهزة الأمنية الفلسطينية أسبق له منا، حيث اعتقلته بعد ساعات من إطلاق سراحه حيث حين نصبت له كمينًا وحاجزًا طيارًا بالقرب من مدينة الخليل".
وتضيف "أم صلاح" وهي دامعة العينين: "لقد بدَّدوا فرحتنا التي انتظرنها طويلاً، ولم يسمحوا لنا حتى بمعانقته أو التسليم عليه، "صلاح" لا يعرف والده إلا من خلال الصور ووالدته مريضة وهي بين الحياة والموت".
مشاهد مماثلة
وتبدو حكاية "أم صلاح" لا تختلف كثيرًا عن قصص مماثلة لعشرات العوائل المجاهدة، فأسرى الضفة الغربية باتوا اليوم بين مطرقة الاحتلال وسندان أجهزة عباس، فما أن يخرج الأسير من سجون الاحتلال حتى تتلقفه سجون أجهزة دايتون، وما أن يفرج عن الأسير من سجون السلطة حتى يعود مجددًا إلى سجون الاحتلال في دائرة مكتملة الفصول لا تنتهي حلقتها المفرغة.
وفي هذا الإطار، أكد عدد من الأسرى الذين تم الإفراج عنهم من سجون الاحتلال والسلطة لـ(إخوان أون لاين) أن المحقق الإسرائيلي كان يهددهم أثناء استجوابهم أنه في حال لم يعترفوا عندهم، فإنهم سيطلقون سراحهم حتى تعتقلهم أجهزة السلطة.
وهنا يشير الأسير الذي اكتفى بذكر اسمه الأول "عادل": إلى أنه اعتقل في نهاية العام 2008 عند جهاز الأمن الوقائي وتحت التعذيب الشديد أجبر على الاعتراف حول شبهات متعلقة بحيازة سلاح وأموال تابعة لحماس، وبعد إطلاق سراحه بأسبوع اعتقل على يد جنود الاحتلال.
ويضيف "عادل": أثناء التحقيق معي في سجون الاحتلال تشابهت أسئلة المحقق مع الأسئلة التي كان يطرحها عليّ المحقق في سجون الوقائي، كما رأيت بين يدي المحقق الإسرائيلي نفس الإفادة التي كتبتها عند الأمن الوقائي، وبعد أيام من الإفراج عني من سجون الاحتلال تم اعتقالي مجددًا ولكن هذه المرة على يد جهاز المخابرات الفلسطينية".
لن تفلحوا
وعن أسباب هذه السياسة والهدف منها، قال "عادل": "إن سياسة الاعتقال المتكرر والتنقل بين سجون الاحتلال وسجون عباس هي محاولة خبيثة من كلا الطرفين بهدف التأثير على معنويات الأسرى وتحطيمها من خلال الاعتقال الدائم والمتكرر للضغط نفسيًّا واجتماعيًّا على الأسرى المحررين واستنزافهم بشكل دائم كي يبتعدوا عن خط المقاومة، كما يركز المحققون في أجهزة السلطة على سياسة تتمثل في التشهير والتشكيك في قادة حماس ومحاولة اختلاق وروايات كاذبة، ولا أساس لها من الصحة حتى يخلقوا فجوة وحالة من عدم الثقة بين القيادة والأفراد".

ويؤكد الأسير المحرر على أن كل الأساليب المستخدمة قد فشلت في ثني الأسرى عن فكرهم المقاوم وذلك باعتراف الصهاينة أنفسهم، فالفكر العقدي والتربية المغروسة في نفوسهم شكلت جدارًا منيعًا يصعب اختراقه، حتى أصبح السجن موقعًا لشحذ الهمم والروحانيات ورفع الهامات والنفوس، وهو ما يدفع الأسير للمزيد من البذل والعطاء والتصميم على العودة مجددًا بقوة.
ويضيف الأسير المحرر من سجون دايتون والاحتلال: "لو استذكرنا قادة المقاومة في الضفة وغزة فسنجد أن جميعهم أمضوا فترات طويلة في سجون الاحتلال وسجون السلطة ولم يزيدهم ذلك إلا عزمًا وإصرارًا على مواصلة الدرب"، فالشهيد د."عبد العزيز الرنتيسي" ود."إبراهيم المقادمة" و"جمال منصور" و"يوسف السركجي" والشهيد "مهند الطاهر" و"أيمن حلاوة" و"محمد الحنبلي" كلها أسماء لشهداء كبار قضوا سنوات طويلة في سجون الاحتلال والسلطة.
محاكم غيابية
وتشير الإحصائيات الصادرة عن حركة المقاومة الإسلامية حماس إلى أن الأجهزة الأمنية الفلسطينية اختطفت خلال شهر نيسان الماضي (100) من الأسرى المحررين الذين أفرج عنهم من سجون الاحتلال، حيث اختطف بعضهم قبل وصوله منزله يوم الإفراج عنه، واعتبرت حماس في بيانها أن هذه الاعتقالات تأتي استمرارًا لسياسة الباب الدوار، بالرغم من أنّ شهر أبريل هو الشهر الذي أعلن فيه الأسرى داخل السجون الصهيونية خطواتهم الاحتجاجية.
كما دأبت الأجهزة الأمينة الفلسطينية خلال الفترة الماضية على تحويل عدد من أسرى الحركة في سجون الاحتلال للمحاكم الغيابية بتهم مقاومة الاحتلال وحيازة أموال لمساعدة عائلات الشهداء والأسرى، كالأسيرين "أسد مفارجة" و"صالح عطية" من رام الله.
العكر.. نموذجًا
![]() |
|
أجهزة عباس لا تتوقف عن اختطاف أنصار حماس |
وتعتبر حادثة اعتقال المطارد القسامي "عبد الله العكر" من مدينة نابلس دليلاً واضحًا على حجم التنسيق الأمني بين الجانبين، فقبل عملية الحسم العسكري في قطاع غزة، كانت قوات الاحتلال الصهيونية تلاحق "العكر" بتهمة انخراطه في كتائب القسام، وبعد عملية الحسم منتصف عام 2007 أصبح "العكر" ملاحقًا من قبل عصابات فتح بالإضافة إلى أجهزة الأمن الصهيونية.
واضطر العكر على ضوء الملاحقة الشديدة للاختفاء عن الأنظار، حيث دُهم منزله في تلك الفترة مرات عديدة من قوات الاحتلال وميليشيا عباس التي كانت تسابق الزمن لاختطافه، وبعد عدة أشهر من الملاحقة الحثيثة تمكنت قوات الاحتلال الصهيونية من اختطاف "العكر" في عملية عسكرية خاصة نفذتها قوات معززة وسط تحليق طيران صهيوني، وحكمت محاكم الاحتلال عليه بالسجن لمدة عام ونصف قضاها في سجون الاحتلال قبل أن يفرج عنه عام 2008.
وفور الإفراج عنه من سجون الاحتلال، قامت ميليشيا عباس باختطافه حيث تعرض طوال 100 يوم لتعذيب شديد، ثم أفرجت عنه وطلبت منه مقابلتها بعد أسبوع، إلا أنه وقبل انتهاء الأسبوع المحدد له داهمت قوات الاحتلال الصهيونية منزله مرة ثانية، وتم اختطافه والحكم عليه بالاعتقال الإداري لمدة 6 أشهر، ثم أفرج عنه بعد انتهاء محكوميته.
وبسبب ما لاقاه العكر من تعذيب لا يوصف في سجون ميليشيا عباس، قرر الاختفاء عن الأنظار مرة أخرى وعدم تسليم نفسه إلى ميليشيا عباس التي داهمت منزله فور الإفراج عنه، وبقي على هذه الحال بضعة أشهر، إلى أن قامت قوات الاحتلال خلال مداهمتها إحدى الشقق السكنية في بلدة بير زيت القريبة من رام الله باختطافه للمرة الثالثة.
وتعرض العكر خلال اختطافه الثالث في سجون الاحتلال للتحقيق لبضعة أسابيع، ثم أفرج عنه دون توجيه أي تهمة بحقه، وكما في المرة السابقة سارعت أجهزة فتح لمداهمة منزله لاختطافه قبل أن يختفي عن الأنظار.
وطوال فترة مطاردة المجاهد "عبد الله العكر" بعد الإفراج الثالث عنه من سجون الاحتلال، تعرضت عائلته لمضايقات شديدة من الميليشيا الدايتونية التي اقتحمت منزل ذويه في نابلس مرارًا وتكرارًا، حتى وصل بها الحال إلى اختطاف أمه رغم كبر سنها لمدة 6 ساعات لمساومتها على ابنها لتسليم نفسه.
ثم بعد ذلك أقدمت قوات الاحتلال الصهيونية يوم الأحد 25/4/2010م على اختطاف العكر من إحدى الشقق السكنية في بلدة أبو ديس القريبة من مدينة القدس، الواقعة تحت السيطرة الأمنية الصهيونية، وبعد ساعات من اختطافه، قام الصهاينة بتسليم "العكر" إلى ميليشيا عباس الأمنية؛ التي بدورها قامت على الفور بنقله إلى أقبية التعذيب والتحقيق.
هذا هو حال أسرى حركة حماس في الضفة الغربية من عتمة سجون الاحتلال إلى ظلمة سجون ذوي القربى يشكون إلى الله ظلم الظالمين، إلا أنهم واثقون بنصر الله الموعود رغم دجى الليل وكثرة المتربصين.
