أعادت المحاكم العسكرية التي طالت- ولا تزال- عشرات الناشطين من حركة المقاومة الإسلامية حماس؛ تسليط الضوء على النظام القضائي في الضفة الغربية، ومدى التزامه في المعايير التي تجعل منه نظامًا محايدًا يحق الحق ويفصل بين الناس.

 

ويواجه النظام القضائي في الضفة تحديات خاصة، يعاني منها بشكل يؤثر سلبًا على أدائه وثقة المواطن به، ومهما حاولنا الوصف والإسهاب؛ فالأقوال لن تقدر على وصف الحالة التي يواجهها هذا النظام، فالقضاء في الضفة يعمل في ظل سيادة منقوصة من خلال اتفاقيات مع الاحتلال، سلبت منه العديد من الاختصاصات.

 

كما يعاني النظام القضائي الفلسطيني من تداخل في السلطات الثلاثة: القضائية والتشريعية والتنفيذية، وعدم وجود خط فاصل بينهما، مع تغول واضح للسلطة التنفيذية والأجهزة الأمنية التي تأكل من ميزانية السلطة أكثر من 30% من مجموعها الكلي، فيما لا تتجاوز نسبة النظام القضائي 0.37% من الموازنة العامة للسلطة الفلسطينية.

 

لا استجابة لقرارات محكمة العدل العليا

ويشير المحامي عادل هشام لـ(إخوان أون لاين) إلى أن الكلمة الأولى والأخيرة في الضفة الغربية للأجهزة الأمنية، التي تضرب بعرض الحائط قرارات محكمة العدل العليا الفلسطينية، مستشهدًا بصدور العشرات من قرارات الإفراج من تلك المحكمة بحق نشطاء حركة حماس المعتقلين في سجون السلطة، دون أن تستجيب تلك الأجهزة لهذه القرارات.

 

ويضيف المحامي (الذي يتابع قضايا معتقلي حماس في سجون السلطة): ".. المشكلة الكبيرة والأمر المخالف لأبسط نصوص القانون الأساسي الفلسطيني هو عرض المواطنين المدنيين أمام المحاكم العسكرية، والتي يكون القضاة فيها هم بالأصل ضباط في الأجهزة الأمنية ويأتمرون بقراراتها، ويخضعون لأوامرها، ويصدرون أحكامهم بناءً على حالة نفسية مزيجة بالحقد والكراهية، (في إشارة إلى تحويل معتقلي حماس إلى المحاكم العسكرية وصدور أحكام قاسية بحقهم تصل إلى عشرات السنوات).

 

وفي هذا الإطار، أوضح المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان في تقرير له، صدر مؤخرًا عن واقع حقوق الإنسان في الضفة الغربية؛ أن أجهزة السلطة وأثناء مداهمتها منازل كوادر حماس تصرفت على نحو استفزازي، ولم تحترم المقتضيات والإجراءات القانونية في تفتيش المنازل واعتقال المواطنين، كما تقوم أجهزة السلطة باحتجاز واعتقال أنصار حماس لمدد مختلفة، دون أن يتم عرضهم على المحاكم، أو يُجرى تمديدهم بناءً على النصوص القانونية، هذا ناهيك عن التعذيب النفسي والجسدي بأشكال وأنواع مختلفة، وهي إجراءات مخالفة للقانون الفلسطيني.

 

مجلس تشريعي معطل

ويعاني النظام القضائي في الضفة الغربية من وجود ثغرات قانونية تحدّ من فاعليته، وكان لتعطيل المجلس التشريعي ودروه الرقابي بالغ الأثر في الحد من تطوير وتحديث النظام القضائي الفلسطيني وتفادي الثغرات القانونية، ولم يعد بإمكان النظام القضائي الفصل والبت في العديد من القضايا الخلافية الجوهرية التي تمس النظام السياسي الفلسطيني برمته.

 

ومن الواضح أن السلطة الفلسطينية تعمدت تعطيل دور المجلس التشريعي، وذلك من خلال منع كتلة حماس البرلمانية من عقد أي جلسة داخل المجلس، كما منعت ولا تزال د. عزيز دويك رئيس المجلس من دخول مقر المجلس، وذلك لأسباب متعلقة بتسهيل تمرير فياض ومحمود عباس القوانين والإجراءات التي يريدونها، دون وجود أي جهة تعطل هذه القرارات المخالفة للقانون.

 

قضاة.. ولكن

أما القضاة، وهم أحد أهم أركان النظام القضائي؛ فغالبًا ما يتم تعيينهم في المحاكم سواء محكمة الصلح أو محكمة البداية أو حتى محكمة الاستئناف ومحكمة النقض، بناءً على الواسطة والمحسوبية والانتماء لحركة فتح، بعيدًا عن الكفاءة والخبرة، كما يتم تعيين بعض القضاة بالرغم من رسوبهم في امتحان قبول القضاة، وفي المقابل يحرم من تفوقوا ونجحوا بسبب انتمائهم السياسي وتعاطفهم مع حركة حماس، وما ينتج عن ذلك من تفشٍ للرشاوى وتبادل المصالح، من باب رد الجميل لمن كان سببًا في توظيف القاضي الراسب.

 

وغالبًا ما يشكو المحامون من قلة خبرة القضاة؛ حيث أشار المحامي "أحمد عز الدين" إلى التأجيل المتكرر للقضايا في المحاكم النظامية، والتي قد تستمر في بعض الأحيان إلى عدة سنوات، والسبب وراء ذلك هو عدم قدرة القاضي على اتخاذ القرار المناسب، والبت في القضية.

 

ويضيف لـ(إخوان أون لاين): لا يوجد في فلسطين ما يسمى بمعهد تدريب القضاة على غرار العديد من الدول العربية؛ من أجل تدريب القضاة والارتقاء بمستواهم قبل انخراطهم في السلك القضائي، وبمجرد حصولك على شهادة البكالوريوس في القانون مع بعض الدعم والدفع من أحد المسئولين؛ يمكن أن تصبح قاضيًّا، بغض النظر عن عمرك وخبرتك.

 

وهو ما أكده المحامي "عماد خليلي" الباحث في المركز الفلسطيني لاستقلال المحاماة والقضاء "مساواة" لـ(إخوان أون لاين)؛ حيث أشار إلى دراسة سابقة واستطلاع رأي أجراها المركز عام 2008م؛ حيث أفاد (50.2%) من الشريحة المستطلعة لآرائهم أنهم في حال حصول مشكلة معهم، فإنهم يبحثون عن أي حل عدا اللجوء إلى المحكمة، كما ذكر (71.5%) من الجمهور يتوقعون تحصيل حقوقهم خلال مدة طويلة قد تصل إلى عشر سنوات إذا ما توجهوا إلى القضاء.

 

وأضاف الخليلي: "واستنادًا إلى الدراسة السابقة، أصبحت الواسطة والمحسوبية هي الأساس في التعيين في الجهاز القضائي، وقد عبر نحو (64.6%) من الجمهور بأن الواسطة والمحسوبية هما أساس التعيين والترقية في المحاكم، ويتفق (70.4%) من المحامين المزاولين مع هذا الرأي، ويعارضون القول بأن التعيين في القضاء يتسم بالشفافية والنزاهة".

 

كما يتعرَّض القضاة للعديد من الضغوطات الخارجية التي يمارسها المسئولون والسياسيون الكبار عليهم؛ بغرض التدخل في سير قضية ما أو التأثير عليهم قبل البت وإصدار الحكم النهائي، وقد عبر (59%) من الجمهور بأن الأحكام الصادرة عن القضاة تخضع إلى تأثيرات وضغوط خارجية، كما أفاد (57.3%) من الجمهور بأن القضاة يفرقون بين فرقاء الدعوى حسب وضعهم ومركزهم الاجتماعي.

 

كما لا يوجد للقضاة أي حصانة أو حماية، وهو ما يجعلهم مكشوفي الظهر والتوجس خيفةً قبل اتخاذ أي قرار، خاصةً فيما لو كان المدَّعى عليه مسئولاً أو صاحب قرار.

 

مجلس معين

ومن الأمور التي أسهمت في ضعف البنية القضائية الفلسطينية هي تعيين أعضاء مجلس القضاء الأعلى تعيينًا بمرسوم رئاسي، بعيدًا عن الانتخابات، وغالبًا ما يكون هؤلاء الأعضاء من الموالين للسلطة، وبالتالي ما يصدر عنهم من قرارات لا بد أن تتماشى بالضرورة مع سياسة السلطة، ويظهر ذلك جليًّا في العديد من القرارات الصادرة عنه، فعلى سبيل المثال أصدر المجلس مؤخرًا قرارًا بإغلاق محاكم غزة واعتبار أحكامها باطلة.

 

كما تعاني نقابة المحامين هي الأخرى من ضعف في أدائها ومتابعة قضايا المحامين ومشاكلهم؛ بعيدًا عن العمل النقابي وميولاً إلى الانتماء الحزبي الفتحاوي، وقد تقف النقابة في بعض الأحيان إلى جانب السلطة، بدلاً من وقوفها إلى جانب المحامين الذين تعرضوا في بعض الأحيان للاعتقال على أيدي الأجهزة الأمنية دون أن تحرك ساكنًا.