تُعتبر مظاهر وداع الحجاج قبل ذهابهم إلى الديار الحجازية؛ واحدة من أهم المناسبات الدينية التي يحتفل بها الفلسطينيون ويُولونها أهمية خاصة، حتى أصبحت أشبه ما يكون بالـ"كرنفال" الذي يمتزج فيه البعد الديني مع المخزون الثقافي والإرث المجتمعي.

 

ويتدافع كل عام عشرات الآلاف من المواطنين على شركات الحج لتسجيل أسمائهم في قوائم الراغبين لأداء هذه الفريضة، وبعد أن تقوم الأوقاف بالقرعة يتم اختيار نحو (3450) حاجًّا من الضفة الغربية ونحو (2100) حاج من قطاع غزة، وهي الحصة السنوية لمجموع حجاج فلسطين، وتسبق هذه القرعة بأيام دعوات وابتهالات متواصلة من الذين سجلوا أسماءهم؛ لكي يحالفهم الحظ بالفوز في القرعة، ويمن الله عليهم بهذا الشرف العظيم.

 

ويعد موسم الحج كذلك فرصةً لحجاج قطاع غزة للقاء إخوانهم من حجاج الضفة الغربية وحجاج الداخل الفلسطيني، الذين حال الاحتلال دون وجود أي نوع من التواصل الجغرافي فيما بينهم؛ حيث يتناقل هؤلاء همومهم، ويفضفضون بعضهم إلى بعض عن أوجاعهم، التي كان الاحتلال الصهيوني العامل المشترك في رسم معاناتهم، فالحصار لا يزال قائمًا على غزة والضفة يأكلها الاستيطان وعرب 48 يتهددهم الترحيل والاعتراف بيهودية الكيان.

 

ويخشى حجاج الضفة الغربية من أن تقوم سلطات الاحتلال بعدم السماح إلى بعضهم من العبور عبر الجسر الصهيوني باتجاه الأراضي الأردنية، ومن ثم إلى السعودية؛ حيث منعت في سنوات سابقة عشرات الحجاج من الذهاب إلى الحج، وتذرعت بوجود خطر أمني يمنع ذلك، كما تقوم في أحيان أخرى باعتقال عدد من الحجاج فور قدومهم من السعودية بعد تأديتهم فريضة الحج، وهو الخطر الحقيقي والوحيد الذي يعكر صفو فرحة حجاج بيت الله الحرام.

 

يقول أبو شادي المعلواني من مدينة نابلس أحد الذين اختارتهم القرعة للذهاب إلى الديار الحجازية: "طوال السنوات الخمس الماضية وأنا وزوجتي نسجِّل للحج، ولكننا لم ننجح، واليوم والحمد لله منّ الله علينا بأن اختارنا من بين نحو 10.000 مسجل للحج، فهذه نعمة من الله وفضل".

 

ويضيف لـ(إخوان أون لاين): "خلال السنوات الماضية مر عليّ كثير من المناسبات السعيدة كزواج ولدي وابنتي ونجاح حفيدي في الثانوية العامة، كنت يومها سعيدًا جدًّا، ولكن فرحة الذهاب إلى الحج لا تضاهيها فرحة ولا توصفها كلمات".

 

وغالبًا ما يبدأ الحجاج الفلسطينيون بتجهيز أمتعتهم قبل شهر تقريبًا من موعد انطلاق قوافل الحجيج التي تبدأ بعد أسبوع تقريبًا، كما يعلنون عبر وسائل الإعلام المحلية عن فتح ما يسمى باللغة العامية بـ(التوديعة والمسامحة) التي يتخللها السلام على الحاج الذي يطلب من كل الحاضرين أن يسامحه على أي غلط ارتكبه، وفي المقابل يطلب الشخص (المسامح) من الحاج أن يدعو له في تلك المشاعر بالرحمة والمغفرة وأن يكتبها الله له خلال السنوات القادمة.

 

ويعدًُّ موسم الحج فرصةً سانحةً لإزالة الأحقاد المتراكمة طوال سنوات مضت؛ حيث تحل الابتسامة مكان النفور، وتزداد الأوصال الاجتماعية والتواصل بين الجيران، ويتصالح الإخوان والأقارب فيما بينهم، ويحرص كل حاج على إزالة أي خلاف وقع في الماضي بين أيٍّ من معارفه، ويعمل على رد الحقوق لأصحابها وطلب المسامحة والصفح.

 

ويُقيم بعض الحجاج كذلك الموالد النبوية التي يتخللها الموشحات الدينية والأناشيد الروحانية وحلقات الذكر والصلاة على النبي والاستغفار، كما يضع كل حاج على سطح منزله خطًا من الأضواء الملونة وعروق من شجر الزيتون والنخيل وغيرها من المظاهر التي تُشعر المواطنين بفتح باب الوداع، كما يساعد الجيران جارهم الحاج في الترتيب لحفلة الوداع، ويقدم كل حسب طاقته، وليس أقل من أن يقدم الجار للحاج الكراسي والطاولات لكي تتسع للجموع القادمة للوداع.

 

ويترك بعض الحجيج أطفالهم عند أقاربهم ويتعاون الجميع في تقديم المساعدة المادية والمعنوية لعلهم يكسبون جزءًا من أجر الحاج، وفي هذا السياق يشير الشاب نصر حامد ( 35 عامًا) إلى أنه سيذهب إلى أداء فريضة الحج برفقة زوجته، وأنه سيترك خلفه أبناءه الثلاثة: بتول (7 سنوات)، وحمزة (6 سنوات)، وزينة (سنتان)، عند جدتهم وإخوانه الذين تكفلوا جميعًا برعايتهم.

 

ويضيف حامد: "كانت مسألة ترك الأولاد وحيدين من أهم العقبات التي كانت تؤرقني قبل أن اتخذ قرار الذهاب إلى الحج، فهم صغار وابنتي زينة لا تزال بحاجة إلى رعاية خاصة من والدتها، ولكن بعد أن ذكرت ذلك أمام والدتي وإخواني اقترحوا علي تركهم عندهم وتكفلوا برعايتهم، وهو الأمر الذي جعلني أحسم أمري في ذهابي إلى الحج".

 

وتتسابق شركات الحج فيما بينها على تقديم الخدمة الأفضل إلى الحجيج، كما تقيم العديد من الدورات والمحاضرات الإرشادية التي تتحدث عن الحج وأركانه وسننه وتفصيلاته وتفريعاته، كما تتنافس الشركات التجارية على تقديم العروض الخاصة بالحجيج ومستلزماتهم، من مسابح وسجاجيد للصلاة والهدايا وألعاب الأطفال والسواك والطواقي والدشاديش والعبي وغيرها، وتشهد الأسواق الفلسطينية حركة تجارية نشطة.