جاءني ووجهه كله حيوية ونشاط وقوة وبهاء قلت له: مبارك مقدمًا على الزواج مع العيد.. قال بابتسامته العريضة التي ترسم على وجهه هالات من النور والأمل سأؤجل فرحي بسبب الانتخابات التشريعية.. قلت له لماذا!؟ قال لي: في الحقيقة وجدتها فرصة ذهبية تدفعني للدعاية للقرآن وهي فرصة لا تأتي إلا كل خمس سنوات وعلى أعين وبصر النظام الذي يحاربنا بسبب عدم الشرعية، وأردف: أنا لا أتحدث عن فوزنا بكرسي أو خلافه أنا أتحدث عن فوزنا بشيء آخر، أتحدث عن دعوة الناس إلى القرآن أن يحكم حياتنا، لقد خسرنا بهجره وخسر العالم بخسارتنا.
شردتُ بذهني ذهبتُ إلى لحظةِ الزواج تلك التي ينتظرها كل شاب، لحظة فارقة في حياتنا لا ينتظرها هو فقط بل أهله، وأهلها بل السماء نفسها تبارك بناء بيت مسلم تقام فيه الصلاة، ويقرأ فيه كتاب الله.
قطع تفكيري قائلاً: أنت تعرف أنني لم أتخذ هذا القرار إلا بعد أن نزلت إلى الشارع، ووجدت الناس يعرفونني ويحبونني ووجدت مع هذا الحب بريقًا ولهفةً على الخير وإلى الحق.
وجدت نفوسهم رغم ما بها من هَمٍّ وحزنٍ كلها شوق إلى القرآن يخلصها من الهمِّ والضيق، ووجدت حياتهم رغم ما بها من مرارةٍ وتعبٍ وقسوةٍ تنتظر أن يرطبها حكم الله ويذهب عنها العنت والصدود، ووجدت جميع الطبقات تتفاعل معي البسطاء والطيبون يقولون نعم يا بني (بنحب شرع ربنا منهم لله الظلمة).
والمثقفون وأصحاب الفكر وأهل الحس والذوق والعقل يقولون "ليس لنا نجاة إلا بكتاب الله"، ووجدت الأرامل والأيتام والفقراء الذين ضاعوا على موائد اللئام ينتظرون كتاب الله ليبني لهم بيتًا وسقفًا وأملاً.
قلت له: لكنك كنت من أنصار مقاطعة الانتخابات قال: كنت وألف كنت، ثم تنهَّد وقال: كانت عندي أعذار كثيرة الزواج وتجهيز عش الزوجية، ومرض أمي ورعايتها والعمل وظروفه وبحجة أنني لم أوافق ولست متحمسًا لهذا الأمر لكن الجماعة التي أنتمي إليها اختارت الانتخابات، ولنا في الصحابة الكرام في صلح الحديبية أسوة حسنة، فعلى الرغم من معارضتهم للصلح إلا أنهم التزموا.
وكان ديدنهم في الخندق وبناء المسجد بل في كل لحظة (لئن قعدنا والنبي يعمل... لذاك منا العمل المضلل)، لا يجوز لصاحب دعوةٍ ينادي كل يوم بورد الرابطة "وأمتنا على الشهادة في سبيلك" أن يجلس في البيت ويتقاعس عن العمل والسلف الصالح كانوا يعدون الجلوس في البيت دون العمل من خرومات المروءة.
فعندما تختار الجماعة العمل فالتخلف عنها دون عذرٍ شيمة من شيم المنافقين وعلامة من علامات عدم الرجولة.
قلتُ له: أمس سألني بعض الشباب قائلاً بحق الله أن تنصحنا نصيحة أب لأبنائه هل أنت مع فكرة الدخول في الانتخابات فأجبته أن فات موعد النصيحة، لكني سأسألكم سؤالاً واحدًا هل تحبون القرآن؟ قالوا نعم..
فقلت هل تشتاقون له وتطوق أنفسكم إلى أن يظلل حكمه أيامنا التي أحرقها حرارة الظلم وظمأ البعد عنه؟ هل تطوق نفوسكم التي أعياها الجهل والتخلف ووقعت في براثن المادية وشبح الشهوات التي كثُر دعاتها وتعددت رايتها بجيشها المدجج بالسلاح تارة، وبالإعلام تارةً، والمال والنساء تارةً، وأمن الدولة تارةً أخرى.. هل اشتاقت هذه النفوس للحظة الطاعة تستروح عندها من العناء وللحظة العبودية تنشد عندها الوفاء والسلام والأمن؟ هل تشتاق حياتكم بل كل مفردة من مفردات حياتكم أن ينظر فيها الله العظيم ملك الملك من عليائه ليقرر لها ماذا ومتى تقدم ما يلزم؟
هل استعدت قلوبكم أن يسكنها الله الكبير المتعال فتكتسي هذه الوجوه المحروقة المتعبة جمالاً وهدوءًا، وتلك النفوس القلقة طمأنينةً وسكينةً، وتلك القلوب المبعثرة المشتتة فتئوب إلى فرحةٍ سعيدة.
لقد قالها ابن القيم: "الإنسان يستطيع أن يعيش بدون طعام وشراب لكنه لا يستطيع أن يعيش بدون الشريعة".
تمتم شاب منهم جميل القسمات في عينيه عزيمة السنين وأمل العمر:
هل يا ترى يوم القيامة سيشكوني القرآن؟
نزلت دمعة ساخنة على وجنتيه الطاهرة تجيب هيَّا إلى العمل.