أعادت الخلافات التي وقعت مؤخرًا بين اليهود الشرقيين والغربيين في إحدى المدارس الصهيونية في مغتصبة "عمونئيل" القريبة من مدينة قلقيلية؛ تسليط الضوء على حقيقة الصراعات العرقية والدينية داخل المجتمع الصهيوني؛ وهو ما وصفه كثير من المراقبين بأن المجتمع الصهيوني أشبه ما يكون بالجمر تحت الرماد.

 

تعود الأحداث إلى رفض أهالي طالبات ينحدرن من أصول غربية تنفيذ قرار صادر عن المحكمة العليا الصهيوينة، يقضي بإزالة الفصل القائم بين الطالبات الشرقيات والغربيات داخل مدرسة في "عمونئيل"، والفصل يتم بتحديد لباس مختلف وساحة منفصلة لكل عرق، ولا يوجد أي تواصل بين الطالبات، بالرغم من أنهن في مدرسة واحدة، كما رفض أولياء أمور الطالبات السماح لبناتهم بالذهاب إلى المدرسة إلا باستمرار الفصل، وفضَّلوا تسجيلهن في مدارس خاصة.

 

وعلى خلفية ذلك، أصدرت المحكمة الصهيونية قرارًا باعتقال (43) مواطنًا من عوائل الطالبات؛ بسبب عدم الانصياع لقرار المحكمة، وهو ما أثار حفيظة اليهود الغربيين الذين خرجوا بمظاهرات حاشدة ضمت أكثر من (100 ألف متظاهر)، جابت شوارع القدس وتل الربيع، وفي المقابل احتشد آلاف اليهود الشرقيين في مظاهرات، رددوا خلالها شعارات اتهموا فيها اليهود الغربيين بالعنصرية والتفرقة على أساس اللون والعرق، كما تخلل جميع هذه المظاهرات صدامات واشتباكات بين رجال الشرطة والمتظاهرين من كلا الطرفين.

 

أصول وأعراق مختلفة

وللاقتراب أكثر من الجذور العرقية والدينية داخل المجتمع الصهيوني، يشير عاصم عصيدة الباحث في الشئون الصهيوينة إلى أن المجتمع الصهيوني ينقسم إلى قسمين أساسيين حسب العرق والالتزام الديني؛ فمن حيث العرق يتكون الصهاينة من ثلاثة أقسام وهي: اليهود الشرقيون (السفارديم) نسبة إلى (أسفراد وتعني إسبانيا باللغة العبرية) وهم اليهود الذين كانوا يعيشون في الأندلس (إسبانيا) زمن الحكم الإسلامي، ثم خرجوا مع المسلمين عندما سقطت الأندلس، وهؤلاء استوطنوا بعد خروجهم في الدول العربية والإسلامية كالمغرب والعراق واليمن وإيران، واليهود الغربيون (الأشكناز) وهم اليهود الذي تنحدر أصولهم من جمهوريات الاتحاد السوفيتي سابقًا ودول شرق وغرب أوروبا كروسيا وأوكرانيا وألمانيا، هذا بالإضافة إلى اليهود الإثيوبيين.

 

ويضيف عصيدة لـ(إخوان أون لاين): "توجد حالة من العداء والكره الدائم بين هذه الأعراق الثلاثة، فالغربيون ينظرون بازدراء واحتقار إلى اليهود الشرقيين، والشرقيون يعتبرون الغربيين عنصريين، ويحتكرون المناصب المهمة؛ وهو الأمر الذي عبَّر عنه صراحة إيلي إيشاي زعيم حركة شاس عندما وجه انتقادات لاذعة إلى نظام الحكم في إسرائيل، حين ادَّعى عدم وجود أي رئيس وزراء سفردي من بين الـ(12) الذين تعاقبوا على رئاسة الحكومة الصهيونية منذ (قيام إسرائيل عام 1948م)، وكذلك الحال مع رؤساء محكمة العدل العليا الإسرائيلية الـ(9)، كما يشترك الغربيون والشرقيون بنظرة دونية لليهود الإثيوبيين ويعتبرونهم مواطنين من الدرجة الثالثة، ويعاملونهم كالعبيد والخدم، ويعانون من التهميش داخل المجتمع الصهيوني".

 

وفي حادثة جديدة وقعت قبل عدة أيام تدلل هذه النظرة الدونية لليهود الإثيوبيين، قام سائق حافلة صهيوني بإهانة مواطنة من أصل إثيوبي، واعتدى عليها لفظيًّا وجسديًّا، ورفض إدخالها الحافلة، وقام بإغلاق الباب في وجهها، وقال إنه يجب إرسال جميع المواطنين الإثيوبيين إلى بلدهم، وقال: "أنتم أُمة غبية وتُتلفون أرضنا".

 

ليسوا سواء

وأوضح الباحث في الشئون الصهيونية الفروق الدينية داخل المجتمع الصهيوني، مشيرًا إلى انقسام الصهاينة إلى علمانيين (خِلونيم)، ينادون بضرورة فصل الدين عن الحياة كالحركات اليسارية وأحزاب عنصرية أخرى، واليهود المتدينون (الحراديم)، وهؤلاء ينقسمون ويختلفون فيما بينهم؛ فمنهم من هو صاحب نظرة متطرفة وحاقدة تجاه العرب والمسلمين، ومنهم غير متطرفين، ولا يؤمنون بالأفكار الصهيونية، وهم ضد "الاستيطان"، ويناصرون القضية الفلسطينية في بعض الأحيان كجماعة ناطوري كارتر.

 

وعن العلاقة بين العلمانيين والمتدينين يرى عصيدة وجود حالة من العداء المتبادل؛ حيث يعتبر العلمانيون اليهود المتدينين فوق القانون الصهيوني، خاصةً فيما يتعلق بالتجنيد الإجباري؛ حيث لا يخدم المتدينون في صفوف الجيش، كما يتهم العلمانيون الدولة الصهيونية بمحاباة المتدينين، وأن التعامل معهم يكون بـ"قفازات حريرية"، خاصة أثناء المظاهرات التي يخرجون فيها، وفي المقابل يتهم المتدينون اليهود العلمانيين بأنهم انقلبوا على تعاليم الديانة اليهودية، وأنهم لا يستحقون لقب اليهودي.

 

أمراض أخرى

 
كما يعاني المجتمع الصهيوني من العديد من الظواهر والأمراض الاجتماعية الأخرى، ويُعد الكيان الصهيوني من الدول المرتفعة عالميًّا؛ من حيث حالات الاغتصاب والتحرش الجنسي، ابتداء من أعلى الهرم السياسي، كما حدث مع الرئيس الصهيوني السابق "موشيه كساف" الذي ضُبط متحرشًا بإحدى الموظفات؛ وهو الأمر الذي أجبره على الاستقالة من منصبه، هذا بالإضافة إلى عشرات الحوادث الأخرى التي طالت المؤسسة العسكرية الصهيونية والجيش.

 

وتَُظهر الإحصائيات الصهيونية ارتفاعًا في عمليات الاغتصاب خلال العام الماضي 2009م، بنسبة 3.4%، وذلك بالمقارنة مع العام 2008م؛ حيث استقبلت المراكز الصهيونية المتخصصة في تلقي شكاوى الاغتصاب التي بلغت (35) ألف شكوى، كما أعلنت وزارة التربية والتعليم الصهيونية وقوع أكثر من (500) حادث اعتداء جنسي وقع بين الطلبة الصهاينة في النصف الأول من العام الجاري.

 

كما تشير الأرقام الصهيونية إلى وجود زيادة حادة خلال السنتين الماضيتين في نسبة الأمراض الجنسية المنقولة بسبب العلاقات غير الشرعية، ويعد مرض الإيدز من أكثر الأمراض انتشارًا بين الصهاينة، فضلاً عن أمراض أخرى مثل السيلان، والزهري، وغيرهما.

 

ويعاني المجتمع الصهيوني من ارتفاع حاد في حالات الانتحار، وخاصة في أوساط الجيش الصهيوني؛ حيث تشير دراسة حديثة لجيش الاحتلال إلى تزايد حالات الانتحار في صفوف الجيش بشكل غير مسبوق؛ حيث بلغ عدد الجنود المنتحرين خلال النصف الأول من العام الحالي (19) جنديًّا مقابل (21) خلال العام الماضي بأكمله.

 

كما تعتبر الجريمة المنظمة وعصابات المافيا من أخطر الأمراض التي تعصف بالمجتمع الصهيوني، وتشير الأرقام الصهيونية إلى أن حجم الأضرار الناجمة عن الجريمة قد وصلت إلى (14.7) مليار شيكل (4 مليارات دولار) خلال 2009م، وهو ما يشكِّل ارتفاعًا بنسبة 4% عن العام الماضي.

 

لقد عمد قادة الكيان الصهيوني، ومن خلال وسائل الإعلام، إلى خلق عدو متجدد يهدِّد أمن الصهاينة في مختلف المراحل، واعتُبر ذلك من مسلَّمات السياسية الصهيونية التي تهدف إلى إشغال الرأي العام، بدلاً من الانشغال في الانشقاقات والصراعات الداخلية، وصرف نظره صوب عدو خارجي يهدِّد أمنه وحياته.

 

وكانت الحركة الصهيونية منذ إنشائها قد دعت أبناء الديانة اليهودية في جميع بقاع العالم إلى العيش في فلسطين، ووصفتها بأنها أرض "العسل واللبن"؛ لترغيبهم في ترك بلادهم والهجرة إلى الأرض المقدسة، بحثًا عن عيشٍ رغيد آمن؛ لكنهم اصطدموا بواقع مر في مجتمعٍ متفسِّخٍ، يبغض بعضه بعضًا قبل أن يكره غيره.

 

وبقي تساؤل يطرح نفسه: "هل هذه هي الدولة اليهودية المثالية التي يطالب الصهاينة الفلسطينيين والعالم الاعتراف بها!".