تصاعدت التحركات الرسمية العربية ضد الحريات والمعارضين في وقت واحد وبتصرفات مشابهة تقريبًا، وهو ما اعتبره خبراء وسياسيون ردةً إلى الوراء، ومؤامرةً على الديمقراطية وحقوق الإنسان في الوطن العربي.

 

ففي الأردن اعتدى النظام على معارضيه، وضيَّق عليهم مسارات العمل السياسي، وزوَّر انتخابات مجلس الأمة؛ حيث أصرَّ على إجراء الانتخابات بقانون مشبوه يدَّعي "الصوت الواحد"، الأمر الذي دفع "جبهة العمل الإسلامي" إلى مقاطعة الانتخابات نهائيًّا.

 

وفي مصر شاهد العالم المهزلة الكبيرة التي دبَّرها النظام لتزوير انتخابات مجلس الشعب في دورته 2010م؛ لتصبح الغالبية العظمى من المقاعد لصالح الحزب الوطني الحاكم، فيما تطورت التجاوزات في الكويت؛ لتأخذ إجراءات عنيفة؛ حيث اعتدى الأمن بالضرب المبرح على نواب المعارضة بالكويت؛ لرفضهم التعديلات الدستورية على دستور عام 1962م، التي ستتم على غرار ما تم في مصر عام 2007م، وتعرَّض النواب للضرب بالهراوات والعصي؛ ما أصابهم بكسور حادة تم نقلهم على إثرها إلى المستشفى، ثم فوجئ المتابعون بقرار حكومي بغلق قناة (الجزيرة).

 

وفي اليمن أكد حزب المؤتمر الشعبي العام الحاكم في اليمن أنه سيمضي مع حلفائه في التحالف الوطني نحو إجراء الانتخابات النيابية في موعدها، في أبريل القادم، وسط رفض من المعارضة في البلاد، فيما دعت المعارضة إلى هَبَّة غضب شعبيةٍ متواصلةٍ، بعد إقرار مجلس النواب تعديلات قانون الانتخابات لإجراء الانتخابات في أبريل 2011م.

 

وقالت المعارضة في بيان أصدرته: إن إقدام الحزب الحاكم وكتلته البرلمانية على التصويت على قانون الانتخابات من طرف واحد يُعدُّ "انتهاكًا للدستور والقوانين النافذة، ناهيك عن كونه انقلابًا على اتفاق فبراير الذي وقعته الأحزاب في العام 2009م؛ بهدف التهيئة لانتخابات حرة ونزيهة وإصلاح النظام السياسي والانتخابي بتضمن الأخير للقائمة النسبية".

 

ويؤكد خبراء وسياسيون لـ(إخوان أون لاين) ضرورة أن تقوم قوى المعارضة في المنطقة بتوحيد صفوفها للتصدي لمشروعات الغرب الصهيوأمريكية وسياسات الاستبداد والفساد؛ لأن في حال عدم تحقق ذلك ستنهار الأمة وتتمزق الأوطان، ويتم احتلالها تدريجيًّا أو دفعة واحدة.

 

 الصورة غير متاحة

 د. عبد الله الأشعل

ويرى السفير الدكتور عبد الله الأشعل، مساعد وزير الخارجية الأسبق، وأستاذ القانون الدولي، أن هناك تناغمًا بين أمريكا والكيان الصهيوني من جهة والأنظمة العربية من جهة أخرى؛ لاقتلاع تيار المعارضة، وعلى رأسه تيار المعارضة الإسلامي لترتيب أوضاع المنطقة حسب المخطط الصهيوني، موضحًا أن الفترة ما بين 2011 و2020م ستكون هي أخطر مرحلة منذ اتفاق )سايكس- بيكو(، فبعدما ضربت التيارات، القومي واليساري والوطني، تريد أن تجتث التيار الإسلامي، الذي بدأ يتوغل في كل ربوع الوطن العربي.

 

ويوضح أن تآمر الأنظمة على معارضيها وفق خطة الاعتداءات التي ستتم أولاً على فلسطين؛ حيث سيكون هناك اعتداء صريح ومباشر على الأقصى، وتهويد القدس الشرقية نهائيًّا، كما سيتم توسيع المستوطنات في الضفة الغربية، إضافةً إلى مدِّ الجدار العازل داخل عمق الأراضي الفلسطينية، ليبدأ مسلسل تهجير الشعب الفلسطيني وإصدار تشريعات من داخل الكنيست الصهيوني؛ لإقامة الدولة التي تصلح للشعب اليهودي، مشيرًا إلى أنهم أطلعوا الزعماء العرب على هذا المخطط، ولم يتلقوا أية ردة فعل.

 

وأشار إلى أن المخطط يشمل التمهيد لتقسيم السودان إلى 4 دويلات، ومصر إلى 3 دويلات، والسعودية إلى 4، واليمن إلى 3، وإن ظلت المعارضة في موقعها، فإن هذا المخطط لن يتم كما تريده أمريكا، فما تقوم به الأنظمة من الاعتداء الخطير على المعارضة خاصة المعارضة الإسلامية هو تخطيط صهيوني تنفذه أنظمة صاغرة.

 

ويتوقع الدكتور عبد الله الأشعل أن الفترة القادمة ستشهد تعديات صارخة على كلِّ المبادئ الدستورية، وسيتم تعديل الدستور المصري حتى تتوائم مع منهجية الفساد داخل مصر، كما سيتم التعديل الدستوري بالكويت، وستصدر تشريعات من داخل البرلمان الأردني بعد خروج المعارضة، ولن يختلف الوضع على صعيد بقية الدول.

 

وأشار إلى أن التحدي كبير ويقع على عاتق المعارضة العربية، فعليها أن تتوحد كحركة قوى وطنية واحدة حتى لا يتم استهدافها أو تفتيت قوتها، بعدما خسرت في المجزرة السياسية المسماة الانتخابات.

 

ويضيف ممدوح سالم، رئيس المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط، أن ما يحدث أمر طبيعي في العالم العربي من حيث استهداف المعارضة بكلِّ أشكالها؛ حيث أصبحت حمى تنتشر من بلد لآخر في الفترة الأخيرة، تستهدف صوت كل المعارضين سواء في مصر أو الكويت أو الأردن أو السعودية وغيرها من الدول".

 

ويوضح أن هذا الاستهداف والاعتداء على الديمقراطية يأخذ مظاهر متعددة، مع اختلافات عقائدية، أو مذهبية، أو طائفية، أو سياسية، فلا يوجد نظام يخضع للضوابط القانونية، فهذه طبيعة الأنظمة العربية، وطريقة تعاملها مع أي حقٍّ من حقوق الإنسان العربي!.

 

ويتوقع أن يصل الاعتداء على الديمقراطية إلى أقصى مدى تستطيعه الأنظمة المستبدة، فلا حدود هناك، والتعدي على الخطوط الحمراء أمر تفعله منذ زمن، لكنه الآن يزداد تحت مظلة تشريعية ومقننة، لتصبح أكثر فجورًا في مواجهة معارضيها، وسيصل القمع إلى مداه في المستقبل.

 

ويؤكد د. أحمد دراج، عضو الجمعية الوطنية للتغيير، أن انقلاب النظم العربية على المعارضة، خاصةً الإسلامية مرتبط بتنفيذ الأجندة الغربية الصهيوأمريكية؛ لوجود مصالح مشتركة بينهما؛ حيث تهدف الأنظمة إلى حماية السلطة والمال، وترى أن المحافظة على ذلك لا يتأتى إلا من خلال استجداء رضا أجندة الغرب البديلة عن رضا الشعب وقمع المعارضة.

 

وأوضح أن أمريكا لديها خطة دولية للسيطرة على المنطقة لصالح الأجندة الصهيونية، لكن الذي يعرقل تنفيذها وجود بؤر للمقاومة بالدول العربية والإسلامية تُفْشِل خططها، ولا تستطيع القضاء عليها، لذلك تستخدم الأنظمة العربية في القضاء عليها، وإخراجها من الحراك العام، وخاصة السياسي بهدف إفنائها.

 

ويشير إلى أن أمريكا لكي تقوم بأعمال كبيرة في المنطقة وإجراء تغييرات لملامح الأرض الفلسطينية لصالح الصهاينة لا يأتي ذلك إلا بقمع المقاومة والمعارضة الإسلامية بشكل عام، ومحاولة إضعافها واستنزاف قدراتها، مؤكدًا أن الحكام العرب أداةٌ لتنفيذ أجندة التهويد في المنطقة.

 

ويطالب قوى المقاومة في المنطقة بتوحيد صفوفها، والاتصال والتنسيق معًا للتصدي لمشروعات الغرب الصهيوأمريكية وسياسات الاستبداد والفساد؛ لأن في حال عدم تحقق ذلك ستنهار الأمة وتتمزق الأوطان، ويتم احتلالها تدريجيًّا أو دفعة واحدة.

 

 الصورة غير متاحة

د. رفيق حبيب

ويشدد د. رفيق حبيب المفكر السياسي على أن الملاحظ أننا أمام ثورة شاملة حدثت في العملية السياسية بالعديد من الدول العربية، بدأت بفتح الباب تدريجيًّا بإتاحة قدر من الممارسة الديمقراطية المقيدة ظهرت فيها قدرة المعارضة، خاصة الحركات الإسلامية على تحقيق العديد من الإنجازات المتتالية وصلت إلى ذروتها، بما حققته جماعة الإخوان المسلمين بفوزها الساحق في الانتخابات البرلمانية عام 2005م، رغم العراقيل والتضييقات ضدها، ثم فوز حركة حماس بالانتخابات التشريعية عام 2006م بالأغلبية في فلسطين.

 

ويوضح أن بعد هذه الإنجازات للحركة الإسلامية بدأت حركة التراجع عن الديمقراطية المقيدة في معظم الدول العربية والإسلامية في اتجاه ما يمكن تسميته بالشكل الديمقراطي المفرغ من أي مضمون معه، وتفريغ عمليات الانتخابات من نزاهتها حتى يصبح إجراء الانتخابات مثل عدم إجرائها، باعتبار أن نتائجها معدة سلفًا.

 

ويشير إلى أن إعلان الساسة الصهاينة والأمريكان فرض الحصار الجائر على قطاع غزة لفوز حركة حماس بتشكيل الحكومة، ثم شنِّ الحرب الصهيونية عليها، وعدم الاعتراف بها كحكومة، أعطى الأنظمة العربية الضوء الأخضر بغلق أبواب الديمقراطية، وغلق صناديق الانتخاب في وجه المعارضة، وخاصة الحركة الإسلامية، كما استخدم الغرب حصار حكومة حماس وسيلة لترويع الشعوب وإخافتهم من انتخاب الحركة الإسلامية، باعتبار أن صعودها للحكم سيؤدي إلى حصار الدولة اقتصاديًّا وسياسيًّا، وهو المعنى الذي صرَّح به الرئيس مبارك عندما اعتبر جماعة الإخوان خطرًا على الأمن القومي، معللاً ذلك بأن وصولها سيؤدي إلى توقف الاستثمارات الخارجية والمقاطعة اقتصاديًّا، وفرض حصار غربي شامل على مصر.

 

ويؤكد أن الأنظمة العربية الحاكمة سعت لاستغلال هذا المناخ بضرب كلِّ حركات المعارضة، خاصةً الحركة الإسلامية، وتصفية العملية السياسية بالكامل؛ لوأد أي حراك سياسي محتمل يضغط عليها لإجراء انتخابات نزيهة في المستقبل، موضحًا أن أمريكا تعتبر أن النظام الذي يحقق مصالحها هو الأولى بالرعاية؛ لهذا تؤيد الاستبداد كلما كانت الديمقراطية غير مضمونة النتائج بالنسبة لها.

 

ويضيف أن الانقلاب على الديمقراطية غير الحقيقية يأتي في مصلحة تأمين بقاء نظم الاستبداد الحاكمة المتحالفة مع الغرب، والتي تعمل طبقًا لمعايير الأجندة الصهيوأمريكية ويتوفر لها دعم غربي وسند أمريكي صهيوني مباشر، ما يسهم في حماية المصالح الغربية بالمنطقة، ويأتي على حساب الإضرار بمصلحة الأمة وأوطانها، بدليل عدم سماع تصريحات غربية وأمريكية رسمية ترصد نتائج الانتخابات المزوَّرة في مصر، وتصف برلمانها ونظامها بعدم شرعيته ومشروعيته.