- صداقتك للسيجارة وَهْم تستطيع التخلص منه

- د. إيهاب الخراط: أدرك سبب إدمانك تعرف طريق علاجك

 

تحقيق: سارة محمد علي

أعلنت وزارة الأسرة والسكان على لسان الدكتور عمرو عثمان، رئيس صندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي أن أعداد الشباب المقبلين على علاج الإدمان تزداد بنسب كبيرة جدًّا بعد الثورة، متوقعين تضاعفها بعد انتهاء شهر رمضان.

 

(إخوان أون لاين) طاف بين عدد من المدخنين والمتعاطين والمدمنين ممن قرروا العدول عن ذلك خلال شهر رمضان المنقضي، ورفعوا شعار (رمضان من غير دماغ.. الطاعة أحلى)؛ ليساهموا بقصص التحدي والإرادة التي رسموا بها مستقبلهم في تغيير ارتباط آخرين بقيد التدخين والإدمان مستغلين في ذلك شهر رمضان، كما التقينا بخبراء ليقدموا خطة عملية؛ للمساهمة في الإقلاع عن تلك السموم للأبد.

 

وهم الإدمان

بدأنا الجولة مع صالح 35 عامًا والذي تخرج في كلية الحقوق، وظل يبحث عن عمل سنوات طويلة ولم يجد، فاضطر للعمل بعيدًا عن تخصصه وعمل سائقًا على سيارة نقل، وتعرَّف على أصدقاء له في المهنة نفسها، وبدأ معهم التدخين حتى جاء اليوم الذي أعطاه فيه صديقه سيجارة كعادته، لكنه أحسَّ بعد تناولها بنشوةٍ لم يشعر بها من قبل، وسأل صديقه عن سر السيجارة فأخبره أنها سيجارة "حشيش"، ومن هنا بدأت قصته مع تعاطي المخدرات، وليستمر معها ثلاث سنوات لا يمر فيها يوم دون تناول سيجارة على الأقل، وكان حين يأتي شهر رمضان عليه كان يشعر بألم شديد في نهاره؛ بسبب بعده عن الحشيش والسجائر، وبمجرد أن ينادي المؤذن لصلاة المغرب كان أول شيء يفعله هو أن يتناول شربة ماء، ثم سيجارة تبغ تليها سيجارة الحشيش، لكن تلك السجائر كان لها طعم مختلف عنده في رمضان؛ لأنه بدلاً من شعوره بعدها بإحساس النشوة كان يشعر بإحساس شديد بالذنب؛ لأن أول شيء يفطر عليه هو ما يُغضب الله، لكنه قرر ألا يشعر بهذا الإحساس في رمضان هذا العام ويتخذه خطوةً للإقلاع عن تعاطيه.

 

صالح اتخذ هذا القرار بسبب حادث موت تعرَّض له منذ أيام وهو يقود سيارته النقل وفي يده سيجارة الحشيش، وكادت روحه تصعد إلى بارئها، لكن الله شاء أن يمد له في عمره ولا يقبض روحه وهو على معصية؛ لذلك قرر أن يستغل فرصة الحياة الجديدة التي أعطاها له الله؛ ليبدأ عهدًا جديدًا معه، ويبتعد عما كان يغضبه، ويعلن رمضان بداية للثورة على شهوات نفسه.

 

وتستمر جولتنا ونذهب لمصحة من كبرى مصحات علاج الإدمان في مصر والوطن العربي ونلتقي بمحمد (31 عامًا)، والذي نشأ في بيت يصفه أنه شديد التعصب والانغلاق، بينما كان كل أصدقائه من المنفتحين والمتحررين الذين يفعلون كل شيء بلا حساب، وكان يشعر بالغيرة الشديدة منهم؛ ولذلك قرر تقليدهم والخروج عن ضوابط عائلته المتشددة من وجهة نظره.

 

وبدأ محمد في تناول جميع أنواع المخدرات لمدة سبع سنوات بلا انقطاع بما فيها أشهر رمضان التي لم يصمها طيلة هذه السنوات؛ لأنه لم يستطع مقاومة رغبته في المخدر في نهار رمضان رغم أن أهله حاولوا كثيرًا منعه من المخدر حتى إنهم منعوا عنه المال ومنعوه من مغادرة المنزل، فكان يسرق أموالهم ويهرب من البيت، وظلت المشكلات قائمةً بينه وبين أهله، ووالدته تبلغه دائمًا بغضبها عليه حتى توفيت منذ أسابيع قليلة، فكان أول قرار اتخذه بعدها هو الذهاب للمصحة؛ ليتعافى من إدمانه ويلبي لوالدته طلبها الذي طالما نادته به قائلة: "نفسي ترجع تصوم رمضان من تاني".

 

بركة رمضان

وأمام العيادة الخارجية بالمصحة التقينا بعبد الله (25 سنة)، وهو مدمن للسيجارة ويقول: إنها صديقته التي لا يستطيع مفارقتها؛ لأنه يشعر بالسعادة عند تناولها، ولأنها تساعده في التركيز، وأيضًا تمتص غضبه، لكن سلبيتها الوحيدة من وجهة نظره هي أنها تسبب له مشكلة في الرئة تجعله مجبرًا على التوقف عن التدخين، لكنه لم يجد لها بديلاً حتى الآن حتى يستطيع تركها، لكن الأطباء نصحوه ببدء رحلة الإقلاع عنها في رمضان؛ لذلك أتى للطبيب ليتابع معه.

 

عبد الله كان معه صديقه خالد 27 عامًا وسبقه في الإقلاع عن التدخين، خالد يحكي أن علاقته بالسيجارة سابقًا كانت مثل علاقة صديقه بها، وظلت هذه النظرة حتى شهر رمضان الماضي؛ حيث قرر فقط مجرد المحاولة في يوم ألا يفطر على السيجارة وبالفعل استطاع، وبعدها قرر أن ينتظر ساعة أخرى بدونها فاكتشف أنه يستطيع ذلك بسهولة، وأحسَّ بفخر شديد بنفسه، فخاض تجربة الانتظار ساعةً أخرى، وأخذ يؤجل ساعة تلو الأخرى ويقاوم نفسه حتى أذن فجر اليوم التالي وأصبح مجبرًا على عدم التدخين حتى أذن المغرب، وقرر إعادة التجربة وبالفعل نجح وظلَّ يفعل ذلك طوال شهر رمضان حتى انتهى وانتهت معه علاقته بالسجائر للأبد.

 

خالد يحكي إنه عانى وتألَّم كثيرًا، لكنه كان يشعر بألمٍ لذيذٍ من أجل غاية كبيرة ونبيلة وكان يفخر بنفسه جدًّا في كل يوم يمر عليه، وهو متمكن من التحكم في نفسه ومقاوم لرغبته في السيجارة.

 

بيت الله

صديق خالد وعبد الله الثالث هو أحمد صلاح (29 عامًا)، كان متعاطيًا للحشيش وبدأت قصته معه عند جلوسه مع أصدقائه الذين كانوا يتعاطونه، وكان يراهم والسعادة على وجوههم بعد تناوله فقرر أن يجرب ثم أخذ يكرر التجربة في المناسبات وعلى فترات متباعدة، ثم أخذت الفترات تقترب حتى أصبح تعاطيه شبه يومي حتى في أيام شهر رمضان، لكنه كان يتمكن من الصيام ويعود إلى التعاطي بعد الإفطار حتى جاء رمضان منذ ثلاثة أعوام وذهب لأداء العمرة مجبرًا مع والده، وكان يعلم أنه لن يجد هناك ما يتعاطاه فأخذه معه من مصر ملفوفًا مثل السجائر وموضوعًا في علبتها حتى لا يكتشفه أحد.

 

وفي الأراضي المقدسة أخذه والده للصلاة في الحرم المكي والإفطار هناك، وبعد الإفطار اشتاق لسيجارة الحشيش فقرر الخروج من الحرم ليتناولها ثم يعود لأبيه، لكن وهو خارج ناداه والده قائلاً: "يا بني لقد حباك الله نعمةً يتمناها غيرك، لقد اصطفاك لتأتي بيته فكيف تتركه وتخرج لتفعل ما يغضبه، وبعد أن تخرج بأي وجه سوف تعود لهذا البيت الحرام مرةً أخرى وتجلس بين يدي ربك من جديد؟ تلك الكلمات وقعت في قلب أحمد موقع السحر، فبقي في الحرم وأخذ يصلي ويدعو الله أن يعينه على التوبة، وبالفعل استطاع المقاومة وترك التعاطي حتى اليوم.

 

ميدان الانتصار

وعند زيارتنا للمصحة كان الأطباء والعاملون هناك يحتفلون بخروج محسن محمد منها، ومحسن شاب عمره (33 عامًا) أدمن جميع أنواع المخدرات لمدة 11 عامًا، وهو لا يدري سبب إدمانه لكنه يذكر أنه كان مستسلمًا تمامًا لفكرة أنه لن يستطيع ترك المخدر مهما حدث، حتى أتت الثورة وحدثت معها أزمة في وجود المخدر في السوق، وعند مشاهدته لشاشات القنوات التليفزيونية المصرية كان يجد الكثيرين يؤكدون أن الميدان مليء بالمخدرات فقرر أن يذهب ليجد بغيته.

 

ولكنه فوجئ هناك بشباب نسوا كل شيء عدا وطنهم، وأحسَّ هناك بروح رائعة لم تمر عليه من قبل، وهناك أصابته حالة من الانهيار حتى وقع مغشيًا عليه، فنقله الثوار إلى المستشفى الميداني وأفاق من حالة الإغماء واتخذ قراره بأن يبدأ في العلاج، وأخبر أحد الأطباء في المستشفى وطلب منه المساعدة لكن الطبيب أخبره أنه لا بد أن يذهب لمصحة؛ حتى يتمكنوا هناك من التعامل مع أعراض انسحاب المخدر منه، وساعده الطبيب وأوصله بأحد الأطباء النفسيين المعتصمين بالميدان، وأخذه الطبيب النفسي وساعده في دخول المصحة دون أن يأخذ منه أي مقابل؛ لأنه لم يكن يمتلك ما يدفعه مقابلاً لعلاجه بالمصحة، وظلَّ بها ستة أشهر حتى تعافى الآن.

 

وعند خروجه من المصحة قال: "أشعر بسعادة لم أشعر بها من قبل- لقد أصبحت إنسانًا بمعنى الكلمة، وأقول لكل مَن يتخيل أنه لن يستطيع التنازل عن المخدر: إن هذا وهم، وأنت تستطيع.. لكن فقط حاول".

 

وحول علاقته برمضان هذا العام يقول: "كنت مشتاقًا إلى رمضان هذا العام بشكل كبير، فأنا لم أصم منذ 11عامًا، ولم أشعر بمعانٍ ربانية طيلة تلك السنوات؛ وكنت مشتاقًا لأعوض ما فاتني وأبدأ حياتي من جديد".

 

خطة عملية

 الصورة غير متاحة

 د. إيهاب الخراط

كانت هذه رحلتنا مع المدمنين والمدخنين المتعافين، التقينا بعدها بعددٍ من الخبراء لطرح رؤية لكيفية مساعدة الراغبين في الإقلاع عن التدخين والإدمان، وكيفية استغلال روح ما بعد شهر رمضان في ذلك، الدكتور إيهاب الخراط، استشاري الطب النفسي والمتخصص في علاج الإدمان، يؤكد أن محسن وأمثاله نماذج رائعة يسهل تكرارها.

 

ويرى أن شهر رمضان المنقضي كان فرصة طيبة للإقلاع عن التدخين والتعاطي والإدمان؛ لأن الشخص المتعاطي والمدخن يكون مجبرًا على التوقف طوال نهار رمضان، وبالتالي فإكمال اليوم دون تدخين أو تعاطٍ ليس أمرًا صعبًا، وكذلك المدمن هذه فرصته لاستغلال الزخم الديني والشحن الإيماني والأجواء الروحانية؛ ليبدءوا في اتخاذ الخطوة في التغيير.

 

ويضيف أن الكثيرين قبلهم استغلوا تلك الفرصة ونجحوا نجاحًا شديدًا، فقط كل ما على مريد التغيير أن يضع أمامه هدفًا ودافعًا قويًّا للتغيير وسوف يستطيع، ويجب أن يعلم كل مدخن أو متعاطٍ أو مدمن أن ما يشعر به من نشوة أو انتباه أو امتصاصٍ للغضب والضغوط هو مجرد "وهم" صنعه عقله ولا أساس له من الصحة، وإن قرر وضع شيء آخر يمتص ضغطه فسوف يجد، وإن بحث عن السعادة والنشوة فسوف يجدها في أشياء أخرى كثيرة بعيدة عن المخدر، لكن فقط على الشاب البدء.

 

ويضع الخراط عدة خطوات عملية لمواصلة الابتعاد عن تلك السموم بعد رمضان، منها: تعلم طرق جديدة للتعامل مع المواقف المختلفة؛ بدلاً من الهرب إلى السيجارة أو المخدر، التوجه للمختصين لمساعدة الشاب ومتابعته حتى لا ينتكس من جديد، واستخدام البرمجة اللغوية العصبية؛ لأنها تساعد في العلاج وتكون عاملاً مقويًًّا له.

 

تلك الخطوات يؤكد عليها محمد مليجي، وهو مدمن متعافٍ، ويعمل حاليًّا في مساعدة المدخنين والمتعاطين في الإقلاع، ويقدم روشتة لكل من يريد التخلص من التدخين والمخدرات متلخصة في مجموعة من النقاط هي كالتالي:

- خذ القرار واستعن بالله.

- قلل عدد ملاعق السكر التي تتناولها.

- مارس الرياضة بانتظام.

- عند لهفتك للسيجارة تناول "اللبان أو اللب" وقم وتوضأ أو استحم، وسوف تختفي اللهفة.

- إياك أن يأتي عليك يوم تسمح لنفسك فيه بتناول سيجارة وتقول مرة وتنتهي؛ لأنها ستكون البداية للعودة من جديد.

- ابتعد عن أصدقائك المدخنين أو المتعاطين والمدمنين، وعن أي مكان فيه دخان أو مخدرات.

- تخلص من الولاعات والطفايات التي كنت تستخدمها في التدخين، وكذلك تخلص من الأوراق التي كنت تلف فيها الحشيش والبانجو.

- اذهب لطبيب الأسنان ليخلص أسنانك من أي آثار عليها.

- يفضل للمتعاطي والمدخن أن يتابعا مع المختص؛ لأنه سوف يساعدهما، والمدمن لا بد له من المتابعة مع طبيب في مصحة؛ حتى يساعده في علاج أعراض الانسحاب والتعامل معها.