رغم كل الصعاب التي تمر بها مصر فإن القادم سيكون أحلى بإذن الله، وما يحدث الآن من فلتان أمني وانتشار للسرقات وترويع الآمنين هو المعركة الأخيرة لطيور الظلام وفلول النظام المخلوع قبل أن ينزووا إلى الأبد، وقبل أن تعود إلى مصر أجواء الأمن والأمان والاستقرار بعد انتهاء معركة مجلسي الشعب والشورى التي ستضع النهاية الديمقراطية الشعبية لتلك الفلول.

 

فلول النظام هم حقيقة ماثلة، وهم منتشرون في مواقع متعددة، مدنية كانت أو عسكرية، وشعبية كانت أو رسمية، وتحركاتهم للإجهاز على الثورة واستعادة نفوذهم متواصلة، وهم كما ذكرنا يخوضون هذه الأيام معركتهم الأهم في انتخابات مجلس الشعب، ولكن لسوء حظهم فإن حالة المد الثوري لا تزال مستمرة أيضًا، وهذا المد الثوري هو الذي أسقطهم في انتخابات الجولة الأولى، وسيسقطهم في الجولتين الثانية والثالثة، رغم تدفق أموالهم على الناخبين (فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ) (الأنفال: 36).

 

ومع كل محبتنا وتقديرنا للمجلس العسكري ولدوره في حماية الثورة إلا أنه من الواجب علينا أن ننصحه أن ينقي صفوفه من بعض الفلول الذين يسبحون عكس التيار، ويصادمون الرأي العام بمواقفهم وتصريحاتهم، ويحاولون إدخالنا في معارك وهمية تستنزف طاقات الوطن وقواه الحية، وكانت آخر هذه المعارك والفتن فتنة المجلس الاستشاري.

 

كان من الممكن أن يجد المجلس الاستشاري ترحيبًا من الجميع لو أن المجلس العسكري أنشأه قبل عدة شهور حين كان الجميع يطالبون بشراكة مدنية معه في إدارة شئون البلاد، لكن "العسكري"- وجريًا على طريقة مبارك- تأخر في اتخاذ القرار، فجاء تأسيس "الاستشاري" في الوقت الخاطئ، خاصة أنه جاء بعد صدور مرسوم بنقل صلاحيات رئيس الجمهورية التي يتولاها المجلس العسكري حاليًّا إلى رئيس الوزراء الجديد الدكتور كمال الجنزوري باستثناء ما يخص القضاء والشأن العسكري.

 

صدور هذا المرسوم يعني بداهةً أن المجلس لم يعد معنيًّا بالشأن السياسي ولا بالقرارات الإدارية والتنفيذية، وأنه متفرغ للشأن العسكري وحماية حدود البلاد والأمن القومي وما يخص القضاء، لكن ما حدث على الأرض بعد ذلك بإنشاء المجلس الاستشاري ومنحه صلاحيات تنازع البرلمان المنتخب؛ يكرس الشكوك حول النوايا الحقيقية للمجلس العسكري في الاستمرار في السلطة، رغم أنه حدد موعدًا نهائيًّا لتسليمها إلى رئيس منتخب بنهاية يونيو المقبل، فإذا كان "العسكري" جادًّا فعلاً في نقل السلطة في ذلك التوقيت، وإذا كان جادًّا في تفويض رئيس الوزراء بصلاحيات رئيس الجمهورية فما الداعي إذًا لإنشاء مجلس استشاري مدني لمساعدته؟، وماذا تبقى للمجلس العسكري بعد مرسوم التفويض ليساعده فيه المجلس الاستشاري؟ وهل من المعقول أنه سيساعده فيما يخص الشئون العسكرية والقضائية والأمن القومي؟!

 

لقد تضمنت المادة الثالثة من القرار 283 لسنة 2011 بإنشاء المجلس الاستشاري الذي أصدره المشير حسين طنطاوي رئيس المجلس الأعلى يوم 8 ديسمبر الماضي أن المجلس الجديد يختص بإبداء الرأي فيما يتعلق بشئون البلاد، ويهم الرأي العام من قضايا أو أحداث أو أوضاع، كما يختص بإبداء الرأي فيما يعرض عليه من المجلس الأعلى للقوات المسلحة من شئون البلاد، ومشروعات القوانين والاتفاقيات الدولية إلى أن يتم انعقاد مجلسي الشعب والشورى، وللمجلس اقتراح ما يتراءى له من موضوعات أو وسائل التعامل مع ما قد ينشأ من أزمات أو أوضاع تمس المواطنين، أيًّا ما كان مجالها، ورغم أن أيًّا من الاختصاصات السابقة لم تعد ضرورية بالفعل بعد تفويض الصلاحيات الكاملة لحكومة الجنزوري، وهو ما يعني تفويض صلاحيات التشريع حتى انعقاد مجلس الشعب، ورغم أن تلك الاختصاصات المنصوص عليها في المادة الثالثة لم تتضمن شيئًا عن الجمعية التأسيسية لوضع الدستور الجديد، فإنه تم تكليف المجلس بوضع ضوابط لاختيار هذه اللجنة، وهو ما يعد- في حده الأدنى- استهانة بمجلس الشعب المنتخب وتشكيكًا في قدرته على وضع الضوابط المناسبة لعضوية لجنة الدستور، وقفزًا على إرادة ملايين المصريين الذين اصطفوا في طوابير لساعات طويلة لانتخاب نواب كاملي الصلاحيات في برلمان الثورة.

 

الشكوك تعود مجددًا إذًا في نية المجلس العسكري للبقاء في السلطة، رغم تعهداته بتركها نهاية يونيو، وقد تعودنا خلال الفترة الماضية أن نتلقى إشارات خاطئة من المجلس العسكري، فبينما يعطي "إشارة يمين" إذا به ينعطف نحو اليسار، وحكاية المجلس الاستشاري هي من بين هذه الإشارات الخاطئة التي أراد المجلس بها أن يهدئ المطالبين بشراكة مدنية معه، إلا أنها بدت في رأي الكثيرين حيلة جديدة من المجلس العسكري للبقاء في السلطة فترة أطول، وفي الوقت نفسه الاستمرار في ممارسة سلطة فوضها بقرار رسمي، ما يعني أن قرار التفويض كان" ضحكًا على الذقون".

 

يظن بعض القادة في المجلس العسكري أن بإمكانهم الضحك على الذقون لفترات طويلة، ويعتقدون أن المدنيين ليسوا أهلاً لحكم البلاد، ولذلك فهم يخترعون كل يوم حكاية جديدة، ويصدرون بعض الشخصيات المدنية أو العسكرية لتسويقها، سواء عبر ما سمي بمجلس الحوار الوطني أو القومي أو وثيقة الجمل أو السلمي، أو المجلس الاستشاري أو التصريحات المتضاربة لبعض القادة العسكريين التي تعتبر بالونات اختبار للرأي العام، ولإمكانية البقاء في السلطة لفترات أطول تلبية لغريزة عسكرية في حب البقاء في السلطة أطول فترة ممكنة، لكنهم يخطئون التقدير إذا كانوا يظنون أن حالة الرضا الشعبي عنهم ستستمر مع هذه المحاولات، فالشعب الذي ثار لكرامته وحريته، وقدم مئات الشهداء وآلاف الجرحى والمصابين والمشردين والمعتقلين من أجل هذه الحرية ومن أجل حكم مدني حقيقي بعد 60 عامًا من الحكم العسكري البغيض؛ لن يقبل أبدًا أن تعود عجلة الزمن إلى الوراء مهما كلفه ذلك من تضحيات.