نشر موقع "ديبلومات" الأمريكي تقريرًا، سلط فيه الضوء على الرحلات الخطيرة التي يخوضها شعب الروهينجا هربًا من الاضطهاد في ميانمار التي يحكمها الجيش، أو من المعاناة التي يعيشونها في مخيمات اللاجئين في بنجلاديش.
وقال الموقع، في تقريره إن شعب الروهينجا يواصلون المخاطرة بحياتهم في رحلات مميتة؛ هربًا من الاضطهاد في وطنهم، أو من الظروف السيئة في مخيمات اللاجئين في بنغلاديش، فيعهد الكثير منهم بحياته إلى مهربي البشر عديمي الضمير.
وأشار الموقع إلى أن هذه الرحلات البحرية المحفوفة بالمخاطر ليست بالأمر الجديد، ففي هذا الوقت من السنة عندما تصبح الظروف المناخية ملائمة، ينطلق الآلاف منهم من سواحل ميانمار وبنجلاديش في رحلات خطيرة بالقوارب عبر خليج البنغال وبحر أندامان؛ أملًا في حياة أفضل في البلدان التي يقصدونها مثل ماليزيا أو إندونيسيا. وتعدّ السنة الماضية "الأكثر دموية" من حيث عدد ضحايا الروهينجا الذين لقوا حتفهم في البحر.
ووفقًا للمفوضية السامية لشئون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، سُجّلت "زيادة كبيرة" في عدد الأشخاص الذين حاولوا عبور بحر أندامان في سنة 2022، بما يعادل ستة أضعاف العدد المسجل في سنة 2021. فقد غامر 1920 شخصًا، معظمهم من الروهينجا، بعبور البحر هذه السنة من ميانمار وبنغلاديش، وتم الإبلاغ عن مقتل أو فقدان 119 شخصًا، ومن المحتمل أن تكون الأرقام الفعلية أعلى، ذلك أنه لا يتم الإبلاغ عن العديد منهم عندما يصلون إلى وجهاتهم بأمان.
وأضاف الموقع أنه على مدى الأسابيع الثلاثة الماضية، تم الإبلاغ عن أربعة قوارب تحمل لاجئين من الروهينجا، من ضمنهم عدد كبير من النساء والأطفال، ممّن ضاقت بهم السبل. تم إنقاذ بعضهم ونقلهم إلى تايلاند وسريلانكا وإندونيسيا بعد دعوات من جماعات حقوقية ومفوضية الأمم المتحدة لشئون اللاجئين، حيث طالبوا حكومات جنوب شرق آسيا مرارًا بالمساعدة في إنقاذ الضحايا. في بيان صدر مؤخرًا، قالت إندريكا راتوات، مديرة المفوضية لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ: "نحن بحاجة إلى مساعدة الدول في المنطقة في إنقاذ الأرواح وعدم تركهم يموتون".
وفي مطلع السنة الجديدة، ذكرت الأمم المتحدة أن 180 لاجئًا من الروهينغيا على الأقل غادروا بنغلاديش في نوفمبر على متن قارب قد اختفوا في بحر أندامان لعدة أسابيع، ويُعتقد أن قاربهم قد غرق بعد أن وجهت الأمم المتحدة نداءات للحكومة الهندية من أجل البحث والإنقاذ، لكنها لم تستجب.
ولفت الموقع إلى أن منظمة العفو الدولية حثّت حكومات جنوب شرق آسيا على تأمين الرعاية والمأوى للروهينجا الذين تقطعت بهم السبل في البحر. وقالت المنظمة في بيان حديث: "بعد سبع سنوات من كارثة بحر أندامان، التي أدت إلى خسائر فادحة في الأرواح، يواصل الروهينجا المخاطرة بكل شيء في رحلات خطيرة؛ هربًا من الاضطهاد في وطنهم في ميانمار التي يحكمها الجيش، ومن الظروف السيئة في مخيمات اللاجئين في بنجلاديش".
ونقل الموقع شهاداتِ أشخاصٍ من الروهينجا خاضوا رحلات في مراكب الموت. قال رجل من الروهينجا يبلغ من العمر 36 سنة يقيم في أحد المخيمات ببنجلاديش حاول مؤخرًا القيام برحلة بحرية خطيرة، إنه في أوائل نوفمبر استقل قاربًا متجهًا إلى ماليزيا عبر تايلاند رفقة بعض اللاجئين، لكن قاربهم لم يتمكن من الرسو الآمن في تايلاند، بعد أن أجبرتهم البحرية التايلاندية على العودة إلى البحر.
وفي رحلة العودة، نفدت مؤونة الطعام والشراب، ومات كثيرون فيما بعد على متن القارب، فيما نجح المهربون البورميون في النزول بالقارب في ميانمار، حيث حصلوا على بعض الطعام والماء، ثم سرّحوا من دفعوا مقابل الرحلة، بينما لا يزال الكثيرون محتجزين لدى مهربي البشر، لأنهم غير قادرين على دفع ثمن الفدية.
وذكر الموقع أن معظم الروهينجا هم من سكان القرى، ولا يعلمون شيئا عن تجار البشر الذين لجؤوا إليهم بعد أن حُرموا في ميانمار من حقوق الإنسان الأساسية، بما في ذلك المواطنة وحرية التنقل والتعليم بعد المرحلة الابتدائية. كل تلك المعاناة دفعت بالروهينغيا في ميانمار إلى خوض هذه الرحلات البحرية حتى قبل حملة الإبادة الجماعية التي شنها جيش ميانمار في سنة 2017.
إلى جانب معاناتهم في ميانمار، يشعر اللاجئون الروهينجا في بنجلاديش بشكل متزايد بأنه غير مرحب بهم، حيث يتم إلقاء اللوم عليهم في كثير من الأحيان لخلق مشاكل اقتصادية واجتماعية. كما أن فرص العمل والتعليم محدودة، ويعتمدون على المساعدات، ويتعرضون بشكل متزايد للتهديد بالعنف والجريمة التي ترتكبها الجماعات الإجرامية في المخيمات. إنهم الآن يائسون أكثر من أي وقت، ولم يبقَ خيار أمامهم وسط هذه المحن سوى مغادرة المخيمات والبحث عن حياة أفضل في أماكن أخرى، وهكذا يصبحون فريسة مثالية للمتاجرين بالبشر والمهربين الذين يبحثون عن جني الأموال من خلال استغلال ظروفهم.
وحسب الموقع، فإن العديد من اللاجئين الروهينجا اليائسين إلى حد كبير من مستقبلهم على استعداد لتحمل مخاطر التعرض لسوء المعاملة والتعذيب على أيدي تجار البشر، أو الموت في عرض البحر. في المقابل، يعلق البعض أملهم على الحظ، وربما يفضلون الموت على حياتهم القاسية. أما الأطفال، فهم مجبرون على خوض هذه المغامرات الخطيرة. ويواجه هؤلاء المهاجرون خطر الجوع والموت على متن القارب، أو التعذيب والاحتجاز من المهربين في حالة عدم دفع المقابل، سواء وصلوا إلى وجهتم أم لا.
وأضاف الموقع أنه قد مرت خمس سنوات منذ أن أُجبر اللاجئون الروهينجا بوحشية على مغادرة منازلهم في ميانمار من قبل الجيش، وهو اعتداء أعلنته حكومة الولايات المتحدة إبادة جماعية السنة الماضية. ومنذ ذلك الحين، يعيش الروهينجا في مخيمات مؤقتة مترامية الأطراف في بنجلاديش، ويعتمدون بشكل كامل على المساعدات، ولا يبدو أن هناك أملًا قريبًا في مستقبل أفضل.
وفي حين يواصل المجتمع الدولي الضغط على ميانمار لإنهاء أزمتها السياسية الحالية في أعقاب الانقلاب العسكري في فبراير 2021، وتمهيد الطريق لعودة آمنة وكريمة للروهينجا إلى ديارهم، لا توجد أي بوادر لتحقيق هذه الغاية. وبدلاً من ذلك، فإن المسؤولين عن الفظائع التي وقعت في سنة 2017 يتلقون المساعدة من الدول التي تستفيد من استمرار حرب ميانمار في شكل مبيعات الأسلحة وتصدير الطاقة، ناهيك عن الصراع الذي تعيشه ميانمار الآن، لذلك فإن احتمالات عودة الروهينجا لوطنهم بعيدة المنال.
وعلى مدى السنوات الخمس الماضية، أصبحت وسائل الإعلام الدولية أقل اهتمامًا بالروهينجا، لأن الأزمات الأخرى مثل تلك التي حدثت في أوكرانيا وأفغانستان تلقى أهمية أكبر لدى الغرب، ومع ذلك تمت تغطية الأخبار الأخيرة عن القوارب التي تحمل الروهينجا في البحر على نطاق واسع. وقد كُتبت آلاف التقارير ومقالات الرأي والتعليقات في الصحف الدولية والإقليمية والمحلية والمجلات عبر الإنترنت، حول تاريخ اضطهادهم وإساءة معاملة الروهينجا في ميانمار والتحديات التي يواجهونها كلاجئين.